الشرطة في حرب اكتوبر ..معركة النصر والشهادة على ارض السويس
ويكفى أن المدينة التى كان تعدادها منذ بداية حرب الاستنزاف عام 68 لا يتجاوز خمسة آلاف فرد كان معظمهم من الجهاز الحكومى ورجال الشرطة والدفاع المدنى وموظفى وعمال شركات البترول والسماد بالزيتية زاد عدد سكانها فى خلال ثلاثة أيام فقط بعد الزحف الاسرائيلى فى اتجاه الجنوب حتى بلغ أكثر من عشرين ألف فرد وحدثت هذه الزيادة المفاجئة بسبب لجوء آلاف حاشدة الى المدينة كان معظمهم من العسكريين من المؤخرات الادارية وكذا من المدنيين من مواطنى القطاع الريفى ، فى محافظتى الاسماعيلية والسويس وقد اضطر هؤلاء الى دخول السويس بعد أن أغلقت القوات الاسرائيلية رغم سريان قرار وقف اطلاق النار جميع الطرق المؤدية إلى الشمال والغرب والجنوب وقد سبب وصول هذه المجموعات الضخمة من المواطنين الى داخل السويس فجأة ارتباكا للمسئولين بالمدينة وخصوصا رجال الشرطة فقد وجدوا أنفسهم مطالبين بايجاد أماكن ايواء خالية لهؤلاء الوافدين مع حرصهم الشديد فى نفس الوقت على ألا تقتحم أى جماعة منهم بدافع الضرورة مساكن أو متاجر سكان السويس الغائبين الذين تم تهجيرهم الى مدن أخرى خارجها عام 1968 م ورغم هذه المهمة الشاقة تمكن جهاز المحافظة بالتعاون مع رجال الشرطة من تدبير اقامة هؤلاء الوافدين فى المساكن الخالية ومن توفير وسائل اعاشتهم رغم ندرة الموارد والمؤن وعندما علم المسئولون بالسويس مساء يوم 23 أكتوبر أن الدبابات الاسرائيلية وصلت الى منطقة شركات البترول بالزيتية بعد أن مرت على السويس من الخارج وأنها فى طريقها الى ميناء الأدبية أخذوا يستعدون لتلقى الهجوم الاسرائيلى الذى قدروا أنه سوف يبدأ حتما فى اليوم التالي .
شبكة شرطة النجدة حلقة الوصل الوحيدة بين القاهرة والسويس
وعلى أثر نجاح العدو يوم 23 أكتوبر فى قطع الاتصالات السلكية فى القاهرة ، أصبحت الشبكة اللاسلكية الخاصة بشرطة النجدة هى حلقة الاتصال الوحيدة بين السويس والقاهرة. وكان الرائد رفعت شتا يتولى هذه الوحدة اللاسلكية ويعاونه الملازم أول عبد الرحمن غنيمة وتحت قيادته 18 ضابط صف وجنديا.
فعندما وصل المحافظ فى الصباح وبرفقته مدير الأمن الى غرفة الدفاع المدنى تلقى انذارا من ضابط اسرائيلى تحدث اليه عن طريق الهاتف من شركة قناة السويس لتصنيع البترول. وكان الانذار يطالب المحافظ بتسليم المدينة فى خلال نصف ساعة وأن عليه الحضور هو ومدير الأمن والقائد العسكرى للسويس فى سيارة عليها علم ابيض وبصحبتهم جميع المدنيين فى المدينة الى الاستاد الرياضى واذا لم يتم ذلك فى خلال نصف ساعة فسوف تضرب المدينة بالطيران ويتعرض كل سكانها للابادة واتصل المحافظ هاتفيا بالرائد شرطة رفعت شتا قائد الوحدات اللاسلكية وطلب منه ابلاغ المسئولين فى القاهرة بالانذار الاسرائيلى الذى تلقاه لتسليم المدينة. وقام الرائد شتا فى الحال بابلاغ الرسالة الى العميد محمد النبوى اسماعيل مدير مكتب ممدوح سالم رئيس الوزراء ووزير الداخلية وبعد مرور نحو 20 دقيقة تلقى الرائد شتا رد القاهرة وكان نصه كما يلى: لا تسليم .. بمعرفة المحافظ يتم الدفاع عن السويس وعلى المحافظ ومدير الأمن الانضمام الى المقاومة الشعبية.
قسم شرطة الأربعين غرفة العمليات
وفى نفس ليلة 23 أكتوبر 1973 م عقد ضباط الشرطة اجتماعًا بمبنى قسم شرطة الأربعين لمناقشة وسائل التصدى إذا ما حاول العدو اقتحام المدينة بالدبابات واقترح وقتها النقيب عاصم حمودة من ضباط قسم الأربعين أن يذوب رجال الشرطة بين أفراد الشعب مشاركين إياهم المقاومة الشعبية ثم حث الجميع على التبرع بدمائهم والعمل على جمع القادرين على حمل السلاح وأقسم الجميع على الفداء...... وفى الساعة السادسة والربع من صباح اليوم التالى بدأت طائرات العدو فى قصف السويس بكثافة للإرهاب وبذر بذور اليأس فى نفوس المواطنين تمهيدًا لاقتحامهم المدينة واتجه العديد من المواطنين إلى مسجد الشهداء يلوذون ببيت الله ، فما كان من النقيب حسن أسامة إلا أن دخل المسجد واعتلى المنبر ليشيد بأهل السويس ويخاطبهم بحماس ويحثهم ويدعوهم إلى المزيد من العطاء ، فتسابق الجميع بالخروج حاملين أسلحتهم متوجهين إلى منافذ المدينة للمشاركة فى القتال. أما من لم يكن يحمل سلاحًا فقد شارك فى إطفاء الحرائق كما راح المسنون يرشدون المواطنين إلى الملاجىء ويساعدون فى إخلاء الأحياء من المواقع التى كان يقذفها العدو، وغير ذلك من الجهود التى كانت مثلاً رائعًا للتناسق والتلاحم بين الشرطة والشعب. وفى نفس الوقت توجه النقيب عاصم حمودة إلى مستشفى السويس ، وكان قد تجمع هناك بعض المواطنين يطالبون بتسليمهم الأسلحة الموجودة بغرفة المسئول العسكرى بالمستشفى ، كما تجمع عدد من المصابين يحاولون الخروج للاشتراك فى المقاومة ويتدخل الضابط لتوزيع الأسلحة على القادرين ليكون منهم مجموعة مقاتلة خاصة. وقد انتشر فى ذلك الوقت نبأ تقدم دبابات العدو عبر طريق القاهرة - السويس إلى ناحية حى الأربعين، فاتجهت جماعات المقاومة إلى هناك حيث التقت مع مجموعة المستشفى واعتلى المئات من جنود القوات المسلحة والشرطة وأفراد الشعب مبانى الحى شرقى وغربى شريط السكة الحديد استعدادًا لمواجهة الدبابات المعادية وكانت حوالى 30 دبابة تتقدم نحو المدينة حتى وصلت إلى ميدان الأربعين فى حوالى الساعة 12 ظهرًا ، وفجأة أطلق أبطال المقاومة نيرانهم فأصابوا أول دبابة مما أعاق الطريق على المتقدمين واضطرت باقى الدبابات إلى الانحراف عن مسارها فاتحة بعضها إلى ناحية قسم شرطة الأربعين ، وراح الباقى يشتبك مع أفراد المقاومة، وازاء اشتداد المقاومة ارتبك العدو وهرول أفراده إلى قسم شرطة الأربعين محاولين الاحتماء واحتفظوا بالموجودين داخل القسم كرهائن يساومون بحياتهم فى محاولة يائسة للخروج من هذا المأزق، حيث أن فرصة المقاومة فى اصطياد أكثر من 50 جنديًا من جنود العدو يقابلها أرواح الرهائن المصريين وهى غالية وتباينت الآراء. فالبعض يرى محاصرة قسم الشرطة بدون هجوم حتى يستسلم العدو، بينما يرى البعض الآخر ضرورة الاقتحام مهما كانت التضحيات. وعلى هذا الرأى الأخير اتفق الرائد نبيل شرف نائب مأمور قسم السويس والنقيب عاصم حمودة وتولى الثانى قيادة محاولة الاقتحام واضطلع الأول بمهمة التغطية وبدأت المعركة فاستشهد فيها الرائد نبيل شرف متأثرًا بإصابته وراح النقيب عاصم حمودة يطالب أفراد مجموعته بالثأر للشهيد متقدمًا نحو هدفه ويرافقه من رجال الشرطة الرقيب أول محمد سلامة حجازى، العريف محمد عبد اللطيف والعريف محمد مسعد والخفير محمد محمدين، ولكن الضابط أصيب برصاصة فى فخذه، واستشهد الرجال الأربعة المرافقون له وأسرع أحد الجنود بالضابط المصاب إلى المستشفى إلا أنه استشهد فى الطريق نتيجة قذيفة مدفع أصابت السيارة ... وقد قام الرئيس الراحل أنور السادات بمنح نوط الواجب من الطبقة الأولى لاسمى كل من الشهيدين شرطة الرائد / نبيل شرف والنقيب / عاصم حمودة . فى تلك المعركة تكبد العدو خسائر فادحة وتم أسر 68 ضابطًا منهم قائد القوة الغاشمة للعدو وعشرات الجنود، وتستمر المقاومة حتى يوم 29 أكتوبر حين وصلت قوات الأمم المتحدة،
وعلى رأس قائمة شهداء الشرطة النقيب محمد عاصم حمودة، الذي استشهد أمام قسم شرطة الاربعين أثناء إطلاقه الرصاص من خلال مدفعه الرشاش على قوات العدو، التي تراجعت أمامه، وكذلك زملائه الذين أظهروا شجاعة منقطعة النظير، جعلت العدو يتقهقر إلى الخلف وينسحب.
الرقيب أول/ محمد سلامة إبراهيم حجازى ، والعريف/ محمد عبد اللطيف إسماعيل ، والعريف محمد مصطفى حنفى ، والعريف / محمد على الشيتى ، والعريف / محمد سعد أحمد على ومعهم 8 من الجنود والخفراء فى بطولات اعترف بها العدو ذاته.