رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

«مرايا صدئة» للكاتب محمد البنا

بوابة الجمهورية

رؤيه نقدية

«مرايا صدئة» تعكس هواجس الخيانة ومتلازمة الرحيل

بقلم: شاهيناز الفقي

مرايا صدئة مجموعة قصصية للكاتب م/محمد البنا تضم أكثر من خمسين قصة ما بين القصة القصيرة والومضة، الإطار العام للمجموعة يبرز قضايا إنسانية ومجتمعية وهواجس نفسية يحاول من خلالها الكاتب أن يرصد تحولات الواقع في نصوص مكثفة تحمل مسحة فلسفية وتدخل تحت عباءة المذهب الرمزي في الأدب، وذلك من خلال عرض شديد الجاذبية يتسلل لذات القارئ وعقله.

استخدم الكاتب الأدوات التي تخدم هذا اللون الأدبي بشكل جيد، فأتت الجمل سريعة بأسلوب النفس القصير، تحمل قفزات شعورية عبر الزمان والمكان، السرد مكثف، مفردات بسيطة ورغم بساطتها إلا إنها تحمل عمقًا رمزيًا. البدايات المختلفة والنهايات الصادمة والمفارقة والرمزية كلها أدوات هامة لإقامة البناء المعماري للقصة القصيرة وقد استخدمهم الكاتب بشكل متقن.

تتناول المجموعة بشكل عام القلق الإنساني والهم المجتمعي، بدأها الكاتب بقصة دم بارد والتي أراد أن تكون الجسر الذي نعبر عليه لباقي قصص المجموعة. في قصة دم بارد مجموعة من الأشخاص لم يحدد هويتهم أو الفريق الذي ينضمون إليه، هم فقط يرون الأخرين بعدسة مكبرة وكأنهم ذباب، يطلقون عليهم الرصاص، يسقط الذباب كله ولم ينفد الرصاص بعد، أراد الكاتب من خلال القصة الأولى في المجموعة ومن خلال الرمزية التي سيطرت على جزء كبير من القصص أن ينبهنا أننا في نظر الفريق الأخر مجرد ذباب والذباب هنا رمز للضعف والهوان وتساؤل يطرح نفسه عن انتماءنا نحو كلا الفريقين؟، تساؤلات اثارتها قصة دم بارد، لندلف لبقية القصص وقد شحذ الكاتب عقولنا للتفكير في أمر واقع نعلمه جميعًا ولكن تم عرضه بشكل مختلف.

يمكن تقسيم المجموعة لثلاثة أقسام، القسم الأول يعرض لنا متلازمة "القلق من الرحيل" والتي أبرزها الكاتب في أكثر من قصة من قصص المجموعة منها على سبيل المثال..

(مكافأة نهاية الخدمة، أقدار، شياكة، المحطة الأخيرة، الرحلة، احتمالات معكوسة، وغيرها)

يعبر فيهم الكاتب عن نهاية رحلة العمر، شعور بالخوف أو المرارة أو الحنين للماضي ولكننا دائمًا نجد الشخوص في المحطة الأخيرة قبل الرحيل ونصاحبهم حتى لحظة النهاية. وقد وقع الكاتب في بعض القصص لفخ التكرار، رغم المعالجة المختلفة إلا أن الفكرة المجردة في معظم القصص كانت عن الموت.

أما القسم الثاني فهو ينقل لنا هاجس الخيانة الذي يسيطر على بعض قصص المجموعة القصصية وكلها خيانات زوجية نسائية، ونضع خطين تحت كلمة خيانات نسائية، ولولا عدم اقتناعي بتصنيف الأدب لكنت صنفت هذه القصص بأدب ذكوري.

من خلال القصص يعرض لنا الكاتب المرأة الخائنة بكل أشكال الخيانة، هناك المرأة التي تبحث عمن ينجب لها ابن شبيه بزوجها، أو التي تشعر ببرودة الحياة الزوجية فتبحث عن الدفء في رقم هاتف مع شخص غريب، أو التي تمارس الخيانة حتى لو كان يراقبها الابن بإيعاز من الزوج، وهكذا نتنقل في قصص تبرز المرأة الخائنة بشكل واضح مثل قصص..

(الأبواب المغلقة تفتح أحيانا، التهام، ليس الأن، رياح مواتية، ندم) وقد عرض الكاتب الموضوعات بأسلوب متميز وكأنه يدق ناقوس خطر للأزواج والمجتمع لينبهنا لقضية أصبحت تظهر بشكل واضح في المجتمع وقد توفرت لها الأدوات التي ساعدت في ذلك، منها وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن يؤخذ على الكاتب بعض التحيز وقد عرض لخيانة الرجل بشكل رمزي يستعصي على الفهم، وعبر عنها في شكل خيانة بالفكر فقط في قصة وحيدة بعنوان (عواطف حارة).

القسم الثالث هو الجزء الذي يعرض لنا همومًا حياتية وقضايا اجتماعية تطفو على السطح حاليًا في مجتمعنا المصري، منها العلاقات الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي في قصة (جذور بلا أشواك)، الغربة في العلاقات الزوجية مثل (غربة مشاعر، آخر نفس)، الروتين الحكومي في (مكافأة نهاية الخدمة) الازدواجية في رؤية الآخر في قصة (المرآة)

الدم الرخيص واللامبالاة في (السوق)، الزوجة وشخيرها (حالة مزمنة)، الفساد(الثمن). وغيرها من القصص التي تعبر عن واقع مهترئ وذات حائرة قلقة.

اعتمد الكاتب محمد البنا نمط التكثيف بشكل أتاح له الوصول للحبكة أو العقدة بشكل سريع وسلس، استخدم أشكال مختلفة من البدايات والنهايات، منها البداية الحوارية مثل قصة (قهوة سادة، مرايا صدئة، قهر) والبداية الفضائية (غربة مشاعر)، البداية السردية (زمان، القطيع) والوصفية (التجربة الصينية، جذور) وغيرها، واختتم معظم القصص بنهايات صادمة أو مفارقة، تكسر أفق التوقع وتربك القارئ ذهنيًا.

نحن أمام مجموعة قصصية بينها انسجام وتناسق يربط بين القصص إطار عام واحد يعبر عنه العنوان (مرايا صدئة) تعكس واقع إنساني واجتماعي مشروخ، استطاع الكاتب محمد البنا من خلال المجموعة القصصية تعرية سوءات انتشرت في مجتمعنا في الفترة الأخيرة. تتسم المجموعة بالثراء والتنوع، وكأن الكاتب يوجه مراياته الصدئة لوجوهنا جميعًا لنرى الواقع على حقيقته بلا زيف.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة