رووم
بقلم: دينا أبو الوفا
لذا دخلت حجرتى وأغلقت الباب من خلفى كما اعتدت ان افعل كثيراً فى الآونة الاخيرة ...
أطفأت جميع الأنوار ليعم من حولى ظلام مريح رقدت فى فراشى وأغمضت عيني.... حاولت افراغ رأسى من الزحام والصخب بداخلها ولكن وبعد محاولات مضنية استغرقت ما يقرب من ساعة أخفقت ... وادركت ان السبيل الوحيد لبلوغ هدنة قصيرة مؤقتة تدوم حتى الصباح، هو التحايل على ذلك الصخب واستبداله بصخب من نوع آخر
فقررت مشاهدة احد الأفلام على "نتفليكس" بعنوان "رووم" اى "حجرة" ....
ربما لم يكن اختيارى عشوائياً كما ظننت ولكنه عاد على الأرجح الى عقلى الباطن الذى اختار ذلك الفيلم بالتحديد لان عنوانه ارتبط بحالتى المتكررة وهى ملازمتى لحجرتى التى اصبحت ملاذى الدائم !!!!
دارت احداث الفيلم حول فتاة تدعى "جوى" قام باختطافها واحتجازها رجل لقبته هى ب " نيك العجوز" ، لمدة سبعة أعوام داخل كوخ صغير فأسفرت تلك السنوات الطويلة عن طفل انجبته أنجبته منه يدعى "جاك"
وحين بلغ الفتى خمسة أعوام قررت ان تضع نهاية لذلك الكابوس وان تحاول ان تنقذ ابنها من تلك الحياة ... فوضعت خطة لهروب ابنها من هذا السجن ونجحت بالفعل ... حتى انه كان سبباً فى تحريرها هى ايضاً بعد كل تلك الأعوام !!!
وبالفعل عادت "جوى" وابنها الى منزل والدتها وصديقها "ليو" وتوالت أحداث الفيلم لتهدينى رسائل غاية فى الروعة .....
أول تلك الرسائل ، تجلت واضحة حين قرر المؤلف والمخرج الا يستهلا احداث الفيلم بالطريقة المعهودة فى أغلب الأفلام المماثلة وهى سرد طريقة اختطاف البطلة واحتجازها بالتفصيل ، بل استهلا الأحداث بمشاهد وجودها هى وابنها داخل الكوخ كأمر واقع وتجسيد تفاصيل حياتهما داخل تلك الحجرة الصغيرة ...
فكانت الرسالة هنا ، انه ليس من المهم حقيقة كيف ولماذا وقعنا فى المأزق ، بقدر ما هو مهم ان نستدرك المأزق نفسه ونسرع فى التعامل معه ... فالبحث عّن "كيف " ولماذا " قد يكون فى كثير من الأحيان إهدار حقيقي للوقت ... وقت من الأفضل ان نقضيه فى "ماذا بعد " ، "كيف نخرج من ذلك المأزق " !!!!
وجاءت الرسالة الثانية ... حين ظننت بسذاجتى وتسرعى اللذين انفرد بهما فى أحيان كثيرة ، ان كارثة اختطافها تضاعفت وان الامور ازدادت تعقيداً كونها انجبت طفلاً من هذا الرجل المريض نفسياً ...
بينما كانت النقمة فى حقيقة الامر نعمة كبيرة ، حيث كان ابنها سبباً رئيسياً فى هروبهما من هذا السجن .. وربما لولا وجوده لظلت أسيرة لهذا الرجل المريض ....
وما أكثر النعم التى تبدو لنا فى الًوهلة الاولى نقم !!!!
والرسالة الثالثة .... كانت تأكيداً لقول الله تعالى "ان مع العسر يسراً " .... فكان العسر هو تواجدها كل تلك السنوات داخل حجرة ضيقة ، تحت رحمة سجانها ... فلم يهون عليها هول الامر سوى وجود ابنها ، الذى قضت وقتها بأكمله ترعاه وتعلمه وتدلله وتحافظ على سلامته ... فكان سبباً فى تحليها بالصبر وساهم فى تماسكها بشكل كبير ...
حتى انى أكاد أجزم انه لولا وجود هذا الولد الصغير ، لكانت على الأرجح جنت اًو أزهقت روحها وانتهى الأمر
أما الرسالة الرابعة فقد أتت متجسدة فى ردة فعل والدها ووالدتها لدى عودتها ومدى تقبلهما لفكرة ظهور حفيد لهما من هذا الرجل المجنون الذى اختطف ابنتهما منذ سبع سنوات
فالأم بعقل متزن ، تقبلت الطفل بصدر رحب واحتضنته
اما الأب فلم يستطع ان يتقبل حفيده حتى انه رفض مجرد النظر اليه ....
وهنا الرسالة .. البعض منا يجد فى نفسه القوة والشجاعة الكافية لتقبل عواقب المواقف التى مر بها حتى وان كانت عسيرة والبعض الاخر لا يستطيع ربما كان خوفاً عناداً تعنتاً اًو رفضاً لتقبل حقيقة لا مفر منها ، فيصير من الأسهل إنكارها وتجاهلها كلياً ...
وبدون شك فان تقبل العواقب والتعامل معها وعدم الهروب منها لهو الحل الأمثل ولكن من منا يملك تلك القدرة !!!!
والرسالة الخامسة أوجعتنى كثيراً ... حين صاحت "جوى" فى وجه والدتها ولامتها على ما حدث لها قائلة
"انت السبب وراء مأساتى ، فقد ربيتينى على ان املك قلباً طيباً وأكون كريمة الخلق مع كل من حولى ، وأمد يد العون كلما استطعت ذلك
ولذا حين تظاهر مختطفى بأن كلبه مريض هرعت لمساعدته وقام بخداعى واختطفنى ... لو لم اكن إنسانه خيره لما حدث لى كل ذلك ...."
والسبب وراء الألم الذى شعرت به ، هو احساسى القوى بمشاعرها المتضاربة وتفهمى التام لكلماتها الغاضبة ... فالكثيرون وانا منهم قد دفعوا ثمناً غالياً بشكل اًو اخر نتيجة لطيبة قلبهم وتلقوا من العقاب ما يكفى لان يغير طبيعتهم الخيرة فيصبحوا النقيض ... الا انهم وللأسف الشديد لم يتغيروا فمن شب على شئ شاب عليه !!!!
والرسالة الاخيرة والأكثر قوة من بين جميع الرسائل أتت فى نهاية الفيلم ، حين طلب الطفل ذو الخمسة أعوام ، من والدته العودة الى "الحجرة" التى احتجزا فيها معللاً ذلك بأنه يريد ان يودع الحجرة !!! ... فقابلت الام ذلك الطلب فى اول الامر بالرفض القاطع النهائي ....
ليدل تصرف كل منهما على ذكاء الطفل وحنكته وشجاعته رغم صغر سنه من ناحية و جبن الام وبصيرتها المحدودة من ناحية اخرى
فقد ادرك الطفل أمراً هاماً لا ندركه نحن الكبار فى حياتنا اليومية وهو اننا وحتى يتسنى لنا تخطى أزمة اًو تجربة قاسية مررنا بها ، علينا مواجهتها للمرة الاخيرة وجهاً لوجه بعد ان نكون قد أعطينا أنفسنا فرصة للتعافي والوقوف على أقدامنا من جديد ...
نواجهها للمرة الاخيرة ونحن أقوياء ، لنودعها بكل ما تحمله من ذكريات أليمة ، بكل ما تحمله من عناء ومشقة ، بكل ما تحمله من جراح وأوجاع ...
هذا ما اسميه انا "كلوچر " اى "وضع نهاية" ونغلق الملف للأبد
فبدون تلك الخطوة الهامة والجريئة نظل عالقين فى المنتصف بين الماضى والمستقبل