جبروت تاجر المواشي
قاض وقضية
في ذاكرة كل قاض ..قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها ..أحداثها..لم يمحها الزمان..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا . في نهاية السبعينات وفي إحدى مدن محافظات الصعيد , دارت أحداث الجريمة المروعة , التي ظلت حديث الشارع لفترة طويلة بأحداثها المثيرة وتفاصيلها الدقيقة ,فبعدما قتل تاجر المواشي واتهم الجزار بقتله وسرقته بناء على التحريات المبدئية لرجال المباحث , بجانب تأكيد "الكلب البوليسي" على أن الجزار مرتبط بالجريمة , وأمام تلك المعطيات وإنكار الجزار لها , كانت المفاجآت تتوالى عقب مواصلة فريق البحث عمله والتوصل إلى الصورة الحقيقية للواقعة , وأن الزوجة وجارتها وأسرتها هم مرتكبي الحادث , وأنهم وضعوا سيناريو التخلص من تاجر المواشي داخل المقابر حتى لا يكتشف أحدا سرهم , ولكن لماذا قتلوه بتلك الطريقة البشعة ؟! .
يقول المستشار بلال عبد الباقي رئيس محكمة جنايات الجيزة , أنه عندما كان وكيلا للنائب العام في عام 1979 ورد إليه محضرا من زوجة أدعت فيه تغيب زوجها "تاجر المواشي" بعد خروجه إلى سوق يوم الاثنين وعدم عودته بعدها , مرت الأيام والليالي , وتوصلت تحريات المباحث المبدئية , إلى أن وراء ارتكاب الواقعة , جزار وأنه تخلص من المجني عليه بهدف سرقته ..فتم إصدار قرار النيابة بسرعة ضبط وإحضار المتهم , تمكن رجال الأمن من ضبطه , وأثناء مواجهته أنكر صلته بالواقعة , وقرر أنه كان وشقيقته متجهان إلى قطعة أرض خاصة بهما بجوار "حوش المقابر" ,وأن شقيقته دخلت "الحوش" لقضاء حاجتها , وإذ بها تصرخ بعدما شاهدت المجني عليه , فأسرع إليها ليتبين الأمر , فوجد المجني عليه ملقى أرضا في مدخل المقبرة , وعرفه بمجرد القرب منه لسابقة تقابلهما كثيرا في سوق المواشي , وعندما اكتشف وفاته قام بسرقة ما معه من أموال , ثم أخذ شقيقته وغادرا المنطقة قبل أن يشاهدهما أحد ويتهمهما بقتله .
تمسك الجزار بأقواله وإنكاره طوال فترة التحقيقات , ولم يكن هناك أدلة أخرى غير تحريات المباحث ,وهو ما قررت معه النيابة استدعاء الكلب البوليسي , حتى يتم إجراء العرض القانوني ويتبين عما إذا كان هو مرتكب الواقعة من عدمه , إلا أن الكلب قد قام بمعاينة مسرح الحادث واشتمام الرائحة به , ثم عاد ليبحث عن القاتل وسط مجموعة من المواطنين بينهم "الجزار" وقفوا جميعا في العرض القانوني , وإذ بالكلب البوليسي يمر عليهم جميعا ثم يمسك بالجزار , وكأنه يؤكد تحريات المباحث عليه , يبكي الجزار وهو يصرخ "أنا برئ ..والله العظيم برئ ..ما قتلتوش..أنا كنت موجود في موقع الحادث وشفت الجثة ولامستها وأخذت ما معه من أموال..بس ما قتلتوش !! .
كانت صرخات الجزار وبكائه دافعان لرجال المباحث لمواصلة عملهما للتأكد من صحة أقواله وعما إذا كان هو مرتكب الواقعة من عدمه , فلم ينتهي الأمر عند هذا الحد , وبعدما حبس الجزار , شعر الجناة الحقيقيين بأن القضية أغلقت , وأنهم تمكنوا من الهرب من العقاب , إلا أن عناية السماء بالجزار ولإظهار الحق حتى لا يحكم عليه بغير ذنب ارتكبه في تلك الجريمة البشعة , وإذ برئيس المباحث تتوصل تحرياته إلى الصورة الصحيحة للواقعة وهي أن زوجة تاجر المواشي وجارتها وزوجها وخالها وراء ارتكابها انتقاما من الضحية لخلافات صادمة .
يستطرد المستشار بلال عبد الباقي قائلا أمام تلك المعلومات التي عرضها رئيس المباحث في مذكرة تحرياته , صدر القرار بضبطهم وإحضارهم وعرضهم على النيابة فورا لتبدأ فصول الكشف عن الجريمة , فقالت جارتهم , أنها متزوجة من موظف في التأمينات ونظرا لظروف المعيشة , وكعادة أبناء الريف والموظفين ففكرت في الدخول في جمعية مع زوجة الجزار التي تكبرها بسنوات , والتي ظلت تأخذ منها الخبرة في الحياة وخاصة بعدما أصيب زوجها ببتر في قدمه وقام بتركيب رجل صناعي لها , وأنها توجهت لجارتهم لدفع فلوس الجمعية ولكنها لم تجدها فاعتقدت أنها في "حوش المواشي" الملحق بمنزلهم , فتوجهت إليه لعلها تجدها , لكنها لم تجد سوى الزوج "تاجر المواشي" وكان رجلا كبيرا طاعنا في السن , بلغ من العمر أرذله , تجاوز الستين , ولكنه أبى أن يقدم لأخرته عملا صالحا يذكرونه به , فما كان منه إلا أنه قام بجذبها بقوته ودفعها أرضا , وسط صدمتها , حاولت مقاومته والهروب منه , إلا أنه انقض عليها كالذئب المفترس الذي يبحث عن ضالته لإشباع رغباته .
تضيف الجارة , وهي تقف تسترجع وتتذكر تلك اللحظات القاسية , الصعبة , التي مرت بها ودمرت حياتها , وأخذت منها أعز ما تملك في حياتها , وهو شرفها , قائلة أنها بعد أن تمكن منها وأخذ "مراده" لم يتركها وحالها بل ظل يبتزها وينتظر أوقات خروج زوجها من المنزل ليقتحم عليها شقتها ويقم باغتصابها , وهي متخوفة من الفضيحة التي تلاحق الأسرة في كل وقت, وكانت تبكي أوقات طويلة ولا تعرف ماذا تفعل ؟ سوى أن هاجس الفضيحة أمام الأهل والجيران كان هو الدافع لها للصمت!! ..تستكمل أن الأمر لم ينته عند هذا الحد بل زاد الأمر عن حدوده عندما أخبر تاجر المواشي زوجته برغبته المتواصلة في مضاجعتي , وطلبه منها أن تقم باستدراجي لمنزلهما حتى ينال مراده , وبالفعل تم الأمر حسبما أراد وكانت صدمتي مضاعفة , وعندما أغلقت بابي على نفسي ورفضت الانصياع لرغباته ونزواته , قام بطرد زوجته ومنع المصاريف عنها , فقد كان رجلا عنيفا , حتى أن زوجته كانت تتحايل علي في الإتيان معها لزوجها "تاجر المواشي" , وأمام تلك المهانة والانكسار من الرجل الطائش فكرنا في التخلص منه , فجاءت كلمات زوجة تاجر المواشي بضرورة إنهاء هذا العار, وعلى الفور قررت إخبار زوجي المريض ببتر في قدمه بتفاصيل الأحداث , فاستدعى خالي وأخبره , ومن هنا قررنا البدء في سيناريو الحادث , بأن يتقابل معه خالي في "سوق المواشي" الذي اعتادوا الذهاب إليه كل يوم اثنين , ويخبره فيها بأنه يريد خبرته في شراء ارض مقابر ومعاينته لها على الطبيعة , وحددا الموعد بعد انتهاء السوق , توجها معا إلى قطعة الأرض التي كانت محاطة بسور , وفيها مقبرة , تصل إليها بدرجتي سلم , وأراد منه معاينتها من الداخل لتقدير الثمن , وفجأة وعندما هم تاجر المواشي بالوقوف على مدخل المقبرة أطلق وابلا من الرصاص عليه فسقط مدرجا في دمائه وأثناء ذلك دار بجسده فكانت نظراته الأخيرة للجناة الذين أصبحوا ضحية أفعاله الشنيعة وتحولوا من أسرة مسالمة , إلى أسرة تنتقم لشرفها وعرضها ..وبعدها تركوا المنطقة وعادوا إلى منازلهم ..وتم الاتفاق مع زوجته على تقديمها بلاغا باختفائه .
أمرت النيابة بإخلاء سبيل الجزار الذي لم يصدق نفسه وهو يخلي سبيله , فقام بإحضار "شربات" وظل يوزعه على كل المتواجدين في مركز الشرطة من ضباط وأفراد وأصدقاؤه بالحبس وكانت الفرحة لم تسعه , بينما تم حبس الجناة بعد تحقيقات متواصلة استمرت ساعات ..وتم إحالتهم إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد .