الغريب والخال
مع بزوغ الفجر واستيقاظ تلك العصافير السيئة الصوت المزعجة على شجرة شباك
بقلم - عمر أشرف
مع بزوغ الفجر واستيقاظ تلك العصافير السيئة الصوت المزعجة على شجرة شباك هذا الذي يدعونه الناس ( المجنون ) تستشعر عضلات جفن عينيه الصباح فترتفع بكل خوف وقلق أن يفوتها شيء من الشروق ، تقوم روحه جالسة بسرعة وجسده يترنح بين الجدران للوصول إلى صنبور المياه ، مهرولاً إلى خزانة ملابسه فيرتدي زياً فريداً من نوعه متسع مهلهل بشكل مثير ، لكنه يراه جميل .. يعطيه راحته ، وسلامه النفسي الساكن في ذواته .. يقوم بالخروج مسرعاً بين المزارع الخضراء وشجر التوت والمانجو يهرول كالأطفال .. يقتطف الثمار بكل بهجة .. يعود في عربة بحصان مليئة بالخراف مع مخلوق بسيط يدعى ( الخال ) .. المجنون ليس لديه أصدقاء سوى الطبيعة ونسمات الهواء التي تقبل معشوقته السرية .. لأن المحيطين إذا عرفوا زادوا له سخرية وحماقة .. كيانه في ذواته التي تتحد يد واحدة على البساطة والزهد في الدنيا .. على ترك آراء الناس خلفه .. وعلى إدراك غايتها وهي نقطة السعادة والأمل .. ومع بزوغ شروق الشمس جلس مع من يُدعى ( الخال ) المخلوق البسيط الطيب القلب يتناولون فطورهم بين الأعشاب الخضراء وأوراق خريف العمر الحمراء تزداد تساقطاً بجانبهم يوم تلو الآخر .. ترك المجنون الخال ذات يوم ، وذهب يتأرجح في الطرقات المجهولة كشاربي الخمر بين لياليهم السوداء المظلمة متباعداً عن الخال متناسياً له إلى أن قررت الشمس الهروب مللاً من روتين البشر الممل الذي يتكرر يوماً بعد يوم .. ذهب نحو المدينة ليختلط بالزحام والحضر والحماقة بتلك ثيابه التي لا تبدو على الموضة ، ولا يُكتب عليها كلمات أجنبية غير مفهومة .. هي فقط سائدة اللون كالقبر الدامس الذي لم يحتضن جثثاً بعد .. ولحيته المتشعبة الغير منتظمة التي تجعله غريباً مخيفاً ربما يكون إرهابياً تابع لجماعة ما أو شيخاً ملتزم ولا أحد يريد الألتزام .. على بداية المدينة يستقبله الأطفال مشيرين إليه قائلين هو المجنون جاء إلينا فيراهم قادمين مهرولين تجاهه يرجمونه بالحجارة كأنهم يقيموا عليه الحد فيُفزع منهم هارباً مهرولاً بين المباني الضخمة المرتفعة إلى أن يجد شاباً يقف أمامه ويمنع هؤلاء الأطفال الحمقى أولاد الجيل الملعون أن يقوموا بأذيته فيبتسم المجنون لهذا الشاب ويفتح له أبواب قلبه ليستقبله بكل رحب وكرم .. فيبتسم الشاب ابتسامة هادئة تريحه ويصطحبه من يده بين صحبته في كازينو ليلي ويقدم له مشروباً بارداً بكل رحمة فيشرب المجنون منه بشغف بعد جفاف جهد الهروب من الزمن .. فيغيب عن وعيه أكثر ما هو غائباً .. نعم لقد أسقاه خمراً .. ويفيقُ فجأة ليجد هذا الشاب يشير عليه بأصبعه هو وصحبته ويخرجون ألسنتهم كالأبقار قائلين ( المجنون قدم عرضا كوميدياً رائعاً ) فيُفزع منهم قائلاً أأنا المجنون أم أنا العاقل .. خائفاً مبتعداً مهرولاً بكل قوة إلى طرقات الليل فيصطدم بسرباً من الشيوخ فيشير كبيرهم عليه ويقول ( هو سكرانٌ كالشيطان يوم رفض السجود لآدم ) فلنأخذه ونلقي عليه التقوى والموعظة فيخاف منهم مهرولاً في طريقه فيصطدم بسرباً من القساقسة فإذا بكبيرهم يشير إليه بعكازه ويقول ( هو غريب كالخريف فنأخذه ونعدل من طقسه ومناخه بين كنائسنا المقدسة ومنهجنا الذي لا شكوك فيه ) فيهرب منهم مرعوباً مهرولاً في طريقه ، فإذا به يصطدم بسرب من الفتيات فتقول إحداهن وأجملهن ( ما هذا المجنون الغريب ، تروق لي عيناه ، وسكن قلبي لحيته الغريبة ، ونظرته الشاردة .. فلنأخذه وننشد في أذنية أنشدة الصبابة والغزل ) فيلقي بها بيده إلى دفاتر نسيان التناسي ويهرب مهرولاً مندهشاً من الطلاسم البشرية المعقدة والنفاق الإنساني الذي يُصعب فك رموزه المتداخلة في بعضها البعض .. وبعد جري دام لعدة سنوات رجع ذلك المجنون إلى قريته الريفية البسيطة فصار يحتضن ترابها وأشجارها ويعانقها عناق التائه عن أمه .. فإذا به يدخل في نوم عميق على سريره الذي اشتاق إليه ليقوم في الصباح بالجلوس مع المدعو ( الخال ) وبعد تناولهم فطورهم السعيد .. نظر الخال نظرة شاردة مخيفة إلى هذا المجنون تُسكن في نفسه الظنون والخيبة كما خيب آماله الكثيرون من قبل .. وإذا بالخال يقول ( ليس بيدي ولا يدك أيها الغريب .. هو فقط أمر إلهي مرسل من السماء السابعة .. كما أن ورقتك في شجرة الحياة الخاصة بالرب ذبلت وكادت أن تسقط وليس لدي الكثير من الوقت .. نعم أيها الغريب أنا الموت .. أنا صديقك الذي تُدركني منذُ ولدت إلى أن تُبعث .. تركتني وذهبت إلى زحام الحياة تدور في دواماتها .. وتلهو بين طرقاتها .. وتشعر أنك غريب في كل مرة .. ولكنك لم تُدرك أن مصيرك إلي هنا تحت تلك الشجرة .. وأنا غير قادر على الاعتراض .. حتى أنا لي ورقة في الشجرة .. وإن أرادت أن تسقط يوماً فلن تسقط إلا في النهاية .. بعد أن أنهي كل الأوراق .. لا أعلم ما الحكمة من سقوطها .. ولكن لربما إثبات الإله الأعظم وحدانيته في الكون العظيم .. ارقد بسلام أيها الغريب .. أغمض جفنيك الهالكين من المجهود المزيف ، اترك عضلاتك تسترخي للدود ليأكل وجبته الهامة .. إلى لقاء آخر يا صديقي المسكين ) .. وفي الصباح التالي يجلس الخال مع شخص آخر وبجانبه ورقة يجهلها ذلك المسكين .. هي ورقة شجر ساقطة من خريف العمر مكتوب عليها بخط واضح ( الغريب المجنون ) .