قراءة في المجموعة القصصية "ذاكرة جرح " لرانيا حمدي
قراءة رانيا ثروت

عندما يصبح للجرح ذاكرة ..لا تسمح لنا بالنسيان
لم أجد خيرا من كلمات الشاعرالفلسطيني العربي الكبير / محمود درويش لتصلح أن تكون مقدمة للمجموعة القصصية " ذاكرة جرح "
هو الحب , كالموج
تكرار غبطتنا بالقديم _الجديد
سريع , بطيء
بريء كظبي يسابق دراجة
وبذيء … كديك
جريء كذي حاجة
عصبي المزاج رديء
هادئ كخيال يرتب ألفاظه
مظلم , معتم … ويضيء
فارغ ومليء بأضداده
هو الحيوان / الملاك
بقوة ألف حصان , وخفة طيف
وملتبس ,شرس , سلس
كلما فر كر
ويحسن صنعاً بنا ... ويسيء
يفاجئنا حين ننسى عواطفنا
ويجيء ...
هو الفوضوي/ الأناني /
والسيد /الواحد /المتعدد
نؤمن حيناً ونكفر حيناً
ولكنه لا يبالي بنا
حين يصطادنا واحداً واحدة
ثم يصرعنا بيد باردة
إنه قاتل … بريء”
(ان مقدمة الناقد الأساسية هي البحث عن الأصالة الفردية المتميزة لكل كاتب ،مؤكدا أن الأفراد لا يمكن أن ينطووا تحت نماذج نظرية مجردة ،لذا فإن الناقد الذي يبحث عن القيم الجمالية قبل كل شئ لابد أن يكون ناقدا تأثريا أي يعتمد في نقده أساسا علي الانطباعات التي تخلفها الأعمال الأدبية علي صفحة روحه .)
من كتاب (معارك ادبية ) د/ محمد مندور
وفي رأيي إن أي عمل أدبي هو جزء من روح الكاتب ،لذا لا يصح الإعتماد فقط علي مناهج التحليل النظرية والقوالب الجاهزة في تحليل العمل الأدبي الذي هو بالأصالة عمل إنساني ووجداني يخضع للتفرد والخصوصية أكثر من خضوعه للتعميم الذي يعد سمة أساسية لبناء النظريات والأطر .
ويعرف فن القصة القصيرة " بفن القبض علي لحظات مثقلة بالأحداث والهموم البشرية والمجتمعية شديدة التعقيد وإستخدام الصور الرمزية والخيالية وأدوات اللغة والتعبير الحكائي والجمل الموجزة القوية من قبل القاص ليبرهن علي رؤيته للقضايا التي يتناولها ."
ومن هذا المنطلق سمحت لنفسي أن أعبرعن أفكاري ورؤيتي للمجموعة القصصية "ذاكرة جرح "

العنوان :
------------
العنوان هو "عتبة الولوج لأي نص وهو البوابة الأولي التي تجذب إنتباه القارئ وتحثه علي متابعة القراءة من عدمها .
"ذاكرة جرح " هو عنوان إحدي قصص المجموعة التي نحن بصدد دراستها والتي تتكون من من ثمان نصوص
"ذاكرة جرح "عنوان بالرغم من مفرداته المألوفة إلا أن هذه المفردات أنشأت تركيبا مغايرا لدلالتها منفردة ،فالجرح هنا أصبح إنسانا له ذاكرة ،والجرح هنا هو البطل الحقيقي الذي تلتف حوله الحبكة الدرامية للنصوص
الغلاف :
---------------
• الغلاف عبارة عن صورة لفتاة تقف علي شاطئ البحر ، تستقبل الموج بقدميها العاريتين تتأرجح بين الرغبة في الخوض في أعماق البحر وبين الإحجام المشوب بالخوف من الإقدام علي مثل هذه الخطوة ....ممثلا أحد الخطوط الدرامية والشعورية التي تدور في فلكها أحداث القصص وهو الحيرة فكل بطلات وأبطال القصص في حالة حيرة وقلق من مجابهة إختيارات وإختبارات فرضت عليهم ولا مناص من إتخاذ القرارات التي سوف يدفعون ثمنها إن آجلا او عاجلا .
• إشترك العنوان وخلفية الغلاف في إستخدام اللون الأحمر كرمز لدماء الجرح و كأن النصوص تخبرنا أن ما أوله خوض في بحر لابد أن يكون أخره أو أحد نتائجه ...جرح دامي لا يندمل بالنسيان إلا فيما ندر .
• أيضا كتبت كلمة نصوص كتصنيف أدبي لمحتوي الكتاب وهذا ما أعترض عليه لأن "ذاكرة جرح " هي قصص قصيرة مكتملة الأركان إلا من بعض الهنات التي لا تؤثر علي تصنيفها كقصص قصيرة .
• المقطع الذي تمت كتابته علي الخلفية من قصة "ولد وبنت "يعبر عن أزمة أغلب بطلات القصص نهاية مأساوية لواقع مرير وحلم مشروع أصبح دربا من دروب المستحيلات في ظل الظروف الإقتصادية والأخلاقية التي نحياها .
مفتتح :
----------
إختارت الكاتبة كلمات الشاعر الكبير محمود درويش والكاتبة الكبيرة أحلام مستغانمي كمفتتح لمجموعتها القصصية
حيث يقول محمود درويش "لا أتذكر قلبي إلا إذا شقه الحب نصفين أو جف من عطش الحب "
وتقول أحلام مستغانمي " من الجرح وحده يولد الادب "
لتخبرنا الكاتبة أن ما سوف نطالعه في هذا العمل هو خليط من الإسلوب الشعري وأدب السرد لطرح قضية واحدة هي أساس لكل القضايا قضية الحب قرين الجرح والجرح الأب الشرعي للأدب والإبداع ورحلتهما معا ....تسرد لنا حكايا الجرح البطل الأوحد لهذه المجموعة والذي تؤكد الكاتبة في خاتمة الكتاب أنه لا توجد خاتمة له ولا يمكن نسيانه لأننا لن نستطيع أن نحيا دون ذاكرة لتخرج بوصية لكل قارئ أن يتحري مواقع الفرح ويحياها بكل ما إستطاع من قوة قبل أن يكمل مسيرة الحب والجرح في الحياة فتقول " في الواقع لا توجد خاتمة للجرح ولا وجود لنا من دون ذاكرة ...فقط تحروا مواقع الفرح وإذا أدركتموه تمسكوا به جيدا حتي آخر لحظة فلا نعلم متي تسنح لنا الفرصة للقائه مرة أخري"
الإهداء :
-----------
للكتاب إهدائين أحدهما لكل من دعم الكاتبة ووقف إلي جوارها وأسهم في إخراج العمل إلي النور ، والثاني إلي والدها ووالدتها وهو ما أتي أيضا وبتوسع وتفصيل في الشكر الوارد في آخر العمل .
ثم يأتي الإستهلال والذي يضم الإشارة والتنويه للوالدين أولا فتقول الكاتبة "أنا وأخري كلانا لا يشبه الآخر في شئ إلا في تفردنا.. تقوم علاقتنا علي الرحمة" والرحمة التي تربط الكاتبة بوالدتها هي ذاتها العنصر المفقود أو المشوه غالبا في معظم قصص المجموعة ، و الإستهلال (الغير منفصل موضوعا عن فحوي القصص ) هومنولوج داخلي يضع نفس الكاتبة وأفكارها تحت المجهر لترينا جزء من الصراع الدائر في طيات نفسها ،فكما سمحت لنفسها بكشف أسرار وصراعات أبطال القصص فكان من الأمانة الأدبية ان تبدأ بنفسها أولا وكأنها تخبرنا أنها وأننا غير بعيدين عن كوننا إحدي هذه الشخصيات مؤكدة وجود الصراع وإستمراره بين ذواتنا وأنفسنا وبين أنفسنا والأخرين متساءلة "وهل خلقنا إلا في كبد ؟" وهو تساؤل يحمل التقرير ويفيد الإستمرارية مستخدمة عدة ثنائيات ستعتمد عليها في ما سوف يأتي من القصص (كالمرأة والرجل / واللقاء والوداع / والحقيقة والتصورات /والحب والجرح ) لتأكيد قضيتها التي تطرحها وهي أن الصراع هو مطهر الإنسان وكاشف لحقيقته وجوهره وأن الحب غالبا هو الباعث الأول للصراعات والمحرك الأساسي لمجريات الحياة وإن تخفي ولم يظهر إلا أثره وذلك منذ بدء الخليقة وحتي الأن ملخصة كل ذلك في قولها ص 12 " وفي الإحتراق يكمن جوهر الأمر ..."
السمات المميزة للعمل الأدبي :
----------------------------------
1- الحكائية
تحققت بعض عناصر الحكائية في معظم قصص المجموعة ،فتميزت المجموعة بتعدد الشخصيات ، وثراء المنولوج ، وتلاحق الاحداث مثال ذلك :
• قصة موناليزا ص25"حيث نجد الشاب الذي كان يحلم بجارته الجميلة والتي يتمني أن يقابلها ولو مرة ويتحدث معها وعندما تخدمه الأقدرا ويحدث ذلك بالفعل ويتعرف عليها وتثق به وتحبه فعلا يخذلها كمن فقد شغفه بالحصول علي ما كان مستحيلا وأصبح متاحا لتتوالي الأحداث فتتأزم "حياة" وهو إسم البطلة، في نفس الوقت الذي يلهو فيه "أحمد " كما تعود، إلي أن يداهمه الشعور بالفقد فيذهب ويلح في الإتصال علي هاتفها ،حتي يفاجئه صوت صديقتهما المشتركة نهال معلنة موت "حياة" من الحزن والقهر لينطفيء أخر خيط نورفي حياة " أحمد "الذي أدرك خطأه متأخرا .
نقلت إلينا الكاتبة هنا الأحداث المتلاحقة ببراعة الوصف وقوة المنلوج الداخلي وشفافيته والتي نقلت إلينا بدورها التوترات النفسية والأزمة الذهنية التي مر بها الأبطال علي مدار الأحداث
كذلك قصة "الحب المستحيل" ص60و"قصة حادثة قدر" ص35
2- براعة الخيال والتصوير
• تجلت براعة التصوير في مقطع من قصة حادثة قدر ص25
حيث نقلت الكاتبة إلينا الصراع النفسي وأزمة الضمير و الهوة النفسية بين الرغبة وبين منظومة الدين والقيم والموروث التراكمي للأخلاقيات والتقاليد المتعارف عليها حيث تصف حالة البنت التي تعرفت علي رجل متزوج يكبرها وأحبته وتنازلت بعض التنازلات القليلة/ الكثيرة علي من لها مثل مرجعيتها الدينية والخلقية بدافع الحب والرغبة حتي وصل الصراع الداخلي حد التأزم في سرعة وتلاحق ،علي العكس منه فقد كان الطرف المستغرق في العلاقة المستمتع بها دون آنات ضمير فتقول "إلتهبت مكالمتهما قليلا ...كانت تزيده زهوا ونشوة ...تغذي رغبته بها ،وكانت نشوتها وقتية ...علت آنات ضميرها،فتارة إنتشت وتارة تألمت ...هي الأخري ترغب به ولكنها تعلم أنها إن فعلتها أغضبت ربها وإنتهي كل شئ "
• في مقطع من قصة الحب المستحيل ص65
"علي أطراف أصابعها خرجت من الغرفة لتغتسل مما لحق بها من تنكيل لأنوثتها زلزل كيانها.. وقفت تحت المياه تبكي ألما كيف انتهي بها الأمر مع هذا الوحش النهم؟!!."
حيث عبرت الكاتبة عن حدث مؤلم لبطلة القصة و دللت ببراعة علي آثارها بتعبيرات غير مخلة وغيرخادشة للحياء بإستخدام التلميح دون التصريح ببراعة وفنية غير خافية .
• أيضا في المقطع الأول من قصة ذاكرة جرح ص21 حيث تطلعنا الكاتبة عن رؤية مغايرة للرجل العابث مخالفة لرؤي سابقة في أعمال أدبية حيث الرجل هو الذكر المتباهي والأنثي هي المنتهكة المهانة ،هنا الرجل العابث هو الذي ينتهك وتنسلخ الحياة من روحه قطعة قطعة مع كل إمرأة يمتهنها ويعبث بقلبها ومشاعرها ليبقي جثة باردة فقدت نعمة الشعور البرئ وطهر العلاقات و مذاق البكورة والعفة في الحب ..فتقول :
"كلهن نمن على سريره وتوسدن أضلعه.. كلهن تركن الوهن يجتثه.. تركن شيئاً من رائحتهن يعبث بتاريخه.. كلهن أخذن جزءاً منه وهن راحلات.. تركن أطيافهن تحاصره..لم يتبق له سوى ما فاض عن حاجتهن.. منديل إنطبعت عليه شفاه إحداهن أو لوثه كحل أخرى.. رقصات وضحكات.. همسات ولمسات.. دهر من ندم وذاكرة جرح..متوالية من الخذلان وسكرات تفريه.. كّلت روحه.. إنتفت..فنت في عدم من الآلام.. في عمق ظلمته، ذوات تدحض ذوات.. لم يعد من مجال للإستحداث.. للحياة.. حيث هو لا مجال للرحمة.. أولعّلها منتهى الرحمة من منطلق القتل الرحيم.. جثة باردة .. قلب بلاروح تركْنه.. لا يصلح بعدهن لأخرى.. تلاشى الكون أمامه إلا منطموح يحييه ويحرقه.."
وهي بلا شك تيمة كتابة تتراوح بين تقليدية الحكاية، والتميز في إستخدام الوصف والتصوير لنقل التوترات النفسية والصراعات الداخلية والتفرد في الرؤيا الخاصة بالكاتبة .
3- الحبكة الدرامية
يقصد بحبكة القصة “ سلسلة الحوادث التي تجري فيها ، مرتبطة عادة برابط السببية ، وهي لا تفصل عن الشخصيات إلا فصلاً صناعياً مؤقتا ، وهي تتضمن صراعاً “ وهو إما أن يكون صـراعاً ضد الأقدار أو الظـروف الاجتماعية ، أو صراعاً بين الشخصيات أو صراعاً نفسياً داخل الشخصية نفسها .
وتوافرت كل هذه العناصر في قصتي "حادثة قدر "و "ذاكرة جرح " ص21
4- الخلفية الفلسفية والدينية
أبطال القصص في حالة صراع نفسي وفكري وبطلات القصص أسري لموروث قيمي وديني تراكمي إستخدمت الكاتبة إسلوبا ليس بعيدا عن الوعظ والحكم في التعبير عن ذلك الصراع وهو ما قد يؤخذ علي النصوص تقنية وليس مضمونا ،فكان من الأفضل والأقوي أن تترك أحداث القصة و تصرفات الشخصيات تعبر عن ذلك بشكل مضغم في متن النص وذلك تلافيا للمجانية والمباشرة .
5- الإهتمام بالتفاصيل
الإهتمام بالتفاصيل هو إحدي السمات المميزة لهذا العمل الادبي وتجلي ذلك في
ص59 في وصف البطل وحالته المزاجية وحالة الملل التي يحياها ...صورة تميزت بالبرودة والجفاف ولدقة تفاصيلها جعلتنا نتخيل البطل وكأننا نراه فتقول الكاتبة :
" أنا أكره القهوة الجاهزة.. أكره كل ما هو سهل.. أحبها تقليدية الصنع رائحتها دون إضافات نافذة، وجه سميك، قاتمة.. تميل للمرارةإلا من نفثة سكر ..أكره اللون الرمادي الباهت.. تغريني الألوان، لا تستحوذ علي..قدري.. أدركت يقيني في مرحلة ما: حاد الطبع.. ديكتاتوري الهوى.. الوسطية ديني، أحببت مرة وبعدها لم أجد في أنثى واحدة مايغريني.. تزوجت زواجاً تقليدياً يتناسب وتوقيت مدينتي إلا أنه لايغطي خارطتي.. زواجاً قد لا يكون كافياً ولكنه كفئاً لمترلتي ..كل شيء في موقعه مرتب، منظم.. منظومة لا يشوبها شائبة "
• كذلك وصف البطلة في مقطع من قصة "الحب المستحيل "ص62
"لكل لقاء رهبة تسبقه، وكان هذا لقاؤها التليفزيوني الأول.. آثرت أن تبدو كزهرة فيه.. تنورة بيضاء وقميص أبيض مرصع ببتلات وردية يتوجهما وجهها بعينيها اللامعتين وشفتيها الدقيقتين"
كما ان إستخدام الكاتبة للذاكرة السمعية والبصرية كان موفقا كما في قصة :
• "موناليزا " من حيث إرتباط عنوان النص بالعمل الفني لليوناردو دافنشي لوحة الجيوكندا أو الموناليزا وكذلك من خلال ذكر أغنيات فيروز "حبيتك تنسيت النوم " وأم كلثوم "سيرة الحب "
• كذلك " قصة "الحب المستحيل " من خلال قصائد محمود درويش "هووهي " و " أجمل حب "
• وأغنية "محمد منير "بنت وولد والتي تم إستخدامها كعنوان للقصة أيضا
بحيث تم غزل كل الأعمال المذكورة في البنية السردية للقصص بشكل موفق أثري المعني وزاده قيمة .
6- الواقعية
هي إحدي السمات المفصلية في هذا العمل وتجلي ذلك في الحوار بين الشخصيات ورسم تفاصيلها وكأننا نراها تكاد تتحرك من حولنا في صورة شخصيات ألفناها في مجتمعنا أو نعرفها في محيط عوائلنا وبيوتنا ليست غريبة عنا .
اللغة وشاعرية الاسلوب :
--------------------------
"اللغة هي الأداة الأساسية للسرد ،ويجب أن تتناسب لغة القصة وجوها العام مع الحدث والشخصيات وطريقة السرد "
• "تنوعت طرق السرد التي إستخدمتها الكاتبة بين الطريقة المباشرة للسرد أو عبر المونولوجات كما أن الشخصيات تنطق بلسانها أحيانا وبلسان السارد بإستخدام ضمير المتكلم أحيانا أخري وهنا يبدو الراوي كلي العلم بما يجري ، وما سيجري "
• الكاتبة في بداياتها كانت تقرض الشعر وكان لهذا التأثير البين علي الصور والمفردات والخيال وصياغة الجمل وبراعة الوصف وجودة الإستعارة والتشبيه حتي إن بعض المقاطع كانت شعرا لا ينقصه إلا الوزن والقولبة الشعرية لما فيها من جرس موسيقي وجناس لفظي وأذكر مقطع من قصة الحب المستحيل ص 64
( - يا سيدي.. شاهق أنت كما القمر بالسماء.. كما انتظاري
تشخص إليك الأنظار كل مساء.. في حقيقتك كما القمر جسم معتم
ينتظر من الشمس الضياء.. أعلمت الآن من أنا؟!
يضحك لتبجح قد زانه منها الذكاء..
- يا فاتنة أهذا غزل أم هجاء؟!يضحك كلاهما من حوار زانه الدهاء وعمه السحر.. )
• ايضا تعبيرها عن الزمن في متتالية البحر (مد) " جلسا علي مسافة سؤال وإجابة "
عناوين القصص :
--------------------
تتألف المجموعة من ثمان نصوص و هم كالتالي:
1. دموع الخريف .
2. موناليزا .
3. حادثة قدر .
4. الحب المستحيل . عنوان مباشر
5. ذاكرة جرح.
6. ثلاثية البحر (مد - جذر - غرق).
7. الهاوية
8 . ولد وبنت
جاءت بعض عناوين القصص مباشرة وبعضها الأخرجاء مألوفا وكنت أفضل لو أن العناوين كانت أكثر إلغازا وتشويقا للقارئ .
بدايات القصص :
-------------------------
البدايات هامة فالبدايات هي التي تحدد مدي إمكانية بقاء القارئ لمتابعة باق النص وحتي النهاية ، او إصابته بالملل والرتابة وهجر النص بعد كلمات قليلة .
• تنوعت البدايات بين بدايات حدثية وحوارية وزمنية وخبرية وتقريرية مثال علي ذلك :
في قصة "دموع الخريف " "مباركات في كل مكان ..." بداية حدثية
لتشحذ ذهن القارئ وتعبث بفضوله لمعرفة سر هذه المباركات وما سوف يليها من أحداث
في قصة "موناليزا " "علي أعتاب الشتاء " بداية زمنية
في قصة "ذاكرة جرح ""كلهن نمن علي سريره وتوسدن أضلعه" بداية تقريرية
• كانت البدايات موفقة في بعض القصص مثل :
حادثة قدر / ذاكرة جرح / ولد وبنت
نهايات القصص :
---------------------------
أفضل نهايات القصة هي النهايات المفتوحة المحفزة علي التساؤل عن المغزي وعن مصائر الشخصيات، وكذلك النهايات الصادمة غير المتوقعة
وهو لم يكن موجودا في أغلب قصص المجموعة فجاءت النهايات متوقعة تقليدية
اللهم الا النذر اليسير كما في متتالية البحر الجزء الثالث "غرق "
أسماء الشخصيات :
-------------------
ليست لها معني أو دلالة جوهرية تؤثر في المعني أو في سياق الأحداث ، فالكاتبة إستخدمت التنكير في أغلب شخصيات المجموعة وذلك لإفادة التعميم
المحاور العامة التي تدور حولها المجموعة :
-----------------------------------------------
1- الدراما
تتجلي روح المشهدية الدرامية في قصة ثلاثية البحر بأجزائها الثلاث (مد –جزر –غرق ) وهي من أجمل وأعمق قصص المجموعة في طريقة التناول وفي الأفكار المطروحة من خلالها والأحاسيس المتضاربة المفعمة بالحيرة والخوف والضعف وتصاعد الإحساس بالإغتراب والذي يؤدي بالضرورة في النهاية إلي الغرق كنتيجة منطقية للتصاعد الدرامي كما أنها تتميز بنهايتها غير المتوقعة وكذلك إستخدام تقنية قصصية مغايرة من خلال ثلاثة نصوص متتالية منفصلة متصلة بحيث لو قرئ إحداها منفردا لصار قصة بذاتها ، تتفق النصوص الثلاثة في المضمون المركز والذي يحوي عصارة التجربة في نصوص المجموعة بأسرها وكذلك منطقية العناوين الثلاثة المرتبطة بحالات البحر وإرتباطها بالعنوان الأساسي وإستخدام معناها المادي كصورة منعكسة للمعني الحسي والمعنوي لدي بطلة القصة
وتختلف في طريقة السرد والنهايات ويعد أقواها هو الجزء الثالث "غرق" والذي إذا ما قرئ منفردا يأسرنا بخيال ما تكسره النهاية لتجعلنا نعيد قراءة النص ونعيد إنتاجه مرة اخري بصورة مغايرة .
2- البعد الزماني والمكاني
أبدعت الكاتبة في التنقل بين الزمن الماضي بإستخدام الأفعال الماضية والزمن الحاضر باستخدام الفعل المضارع في سلاسة فكانت ممن يكسرون أزمان السرد ليتنقلوا بينها لأغراض سردية ودلالية تخدم مضمون وبناء القصة
البعد المكاني كان حضوره قوي ...
الكاتبة سكندرية والسكندريون والبحر معزوفة عشق وحياة لا يستطيعون تجاهلها في حياتهم الخاصة فكيف لو خطوا إبداعا ....
فالإسكندرية كانت تطل علينا من الغلاف ومن المنتزة في قصة (حادثة قدر) ومن المطعم المطل علي شاطئ البحر في إستانلي و سلينترو الشاطبي من قصة (ذاكرة جرح ) ومن قطع الفريسكا والبحرفي متتالية البحر وكانت هذه الاماكن حاضرة ليس إسما فقط وإنما روحا وحالة شعورية تم وصفها بدقة وغزلها في الأحداث لتكمل اللوحة الفنية في كل نص .
3- البعد السيكولوجي
هو أحد أهم الأبعاد وخطوط الطول للمجموعة إن جاز التعبير ...
• فما بين النوستالجيا الممزوجة بألم الجرح والشعور بالغربة التي أظهرتها الكاتبة بدقة تفاصيلها من خلال الشخصيات وعكستهاعلي أفكارها وعلي تصرفاتها كنوع من المواجهة الصريحة والصارخة للذات و لمكنونات نفس القارئ أيضا من خلال النبش في جراحه وألامه ومواجهته بها من خلال الإسقاطات المختلفة التي إمتلأت بها النصوص ونقد الجانب السئ من بعض الظواهر الإجتماعية كالزواج التقليدي و تأخر الزواج وتعرية أسبابها ودوافعها ونتائجها دون مواربة .كما في قصتي " موناليزا " و "دموع الخريف "
• وكشف حالة الإنفصال عن الواقع وإحلال المتخيل المعنوي كبديل للمادي الواقعي كأحد الحلول السلبية المستخدمة في مواجهة الأزمات والتي لا تختلف نتيجتها عن الواقع الحقيقي بل علي العكس قد تؤدي إلي نتائج اسوأ .
كما في قصة "الحب المستحيل "
المآخذ :
-------------
ولكل عمل إذا ما أتم نقصان ولا كامل إلا وجه الله الكريم ....
ولكل عمل مهما بلغت درجة إتقانه هنات ومآخذ ،تحفذ الكاتب علي الإشتغال علي نفسه و تطوير مهاراته الإبداعية و تمكنه من أدواته
وأذكر من تلك المآخذ ما يلي :
• تعدد الإهداءت مع الإستهلال الذي يليه يحتاج إلي قارئ صبور حتي لا يفتر عزمة في مطالعة ما يليهم من القصص
• الإستهلال مكتوب في الفهرس وكأنه عنوان لإحدي قصص المجموعة دون فصل وبالرغم من جمال اللغة والصور فيه إلا إن حضوره كان فاصلا لحالة تأهب القارئ لقراءة ومطالعة قصص المجموعة .
• ترتيب القصص لم يكن موفقا وقد علمت من الكاتبة أن المجموعة كتبت علي مدار ثلاث سنوات إختلفت فيهم تجربتها الإبداعية ووخبراتها الحياتية والثقافية فجاءت القصص الأخيرة أكثر قوة من القصص الأولي ولو تم ترتيب القصص بشكل مغاير لكان أوفق وأكثر جذبا للقارئ .
• طغت التفاصيل والصور الشعرية والإسهاب في وصف الحالة الشعورية علي الأحداث الرئيسية والصنعة فيها والتي تعد أساس كتابة القصة القصيرة فبعض القصص كانت تحتاج إلي التكثيف ،أيضا أعاقت كثرة التفاصيل مشاركة القارئ في الإنتاج الذهني والتخيلي للنص كما في قصة "دموع الخريف "
• إستخدام أفعال الحركة والأفعال المضارعة بشكل متتابع و إيقاع سريع قد يكون مجهد لذهن القارئ ويؤدي لشروده مما يعجزه عن متابعة الأحداث بشكل جيد وبالوعي الكافي كما في الجزء الأول من ثلاثية البحر "مد "
• بعض القصص جاءت صياغتها سطحية و تعبيراتها مجانية لا تحث القارئ علي البحث وراء مكنون الكلمات وما كتب بين السطور بكلمات زائدة عن الحاجة مثل كلمة فقدا ص15 ولو وقفت ليبتسم لكان أفضل مفسحة المجال أمام القارئ للتفكر في سبب الإبتسام ومغزاه أيضا وص31 ماتت حياتي معها والافضل لو توقفت عند ماتت حياة وتركت التاويل للقارئ .
• الرجال والنساء عند رانيا حمدي أغلبهم حالمين وأسطوريين ولو في إحدي مراحل سير الأحداث وهو ما يتفق مع الشعر أكثر مما يتفق مع صياغة النصوص القصصية والتي يفضل أن تتمتع بتنوع الشخصيات وشرائحهم الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والنفسية .
• لم تخل الجموعة من الأخطاء اللغوية والتراكيبية وهي علي سبيل المثال لا الحصر ...
• ص26 لما أقدمت علي كتابته والأصوب (لما سوف تكتبه )
ص93 ضلت لوأنه لم يدركها والأصوب ( كادت أن تضل لو أدركها )
ص99 كما سواها إختار وصحتها كما (إختار سواها )
ص99 ثم كغيره تركته وصحتها (ثم تركته كغيره )
الخاتمة :
--------------
"ذاكرة جرح " رصد لواقع مرير بأسلوب شاعري وخيالي في أكثر مفرداته إختلط فيه المادي مع المعنوي مشكلا صراعا نفسيا عميقا كان هو الدافع الأساسي والمحرك الرئيسي للأحداث ليخلق صورة متميزة ومذاق خاص لكاتبة مبدعة متمكنة من أدواتها لم تفرغ ما في جعبتها حتي الأن ،فمازال هناك الكثير الذي ننتظره منها متمنين لها دوام التوفيق والنجاح في أعمال أدبية أخري