رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رؤية نقدية للمجموعة القصصية "الدبلة والمحبس" لشاهيناز الفقي

بوابة الجمهورية
المبدعة صاحبة العمل قاصة مُجيدة تمتلك قلمًا قديرًا، تحيله بين أناملها الرقيقة مغزلاً تنسج به فنونًا من الجمال بملمس الحرير ورقة النسيم

بقلم حازم إسماعيل السيد

المبدعة صاحبة العمل قاصة مُجيدة تمتلك قلمًا قديرًا، تحيله بين أناملها الرقيقة مغزلاً تنسج به فنونًا من الجمال بملمس الحرير ورقة النسيم أحيانًا، وتحيله سيفًا تحارب به القوالب الجامدة للأفكار وتفتح به ثغرات تكشف عيوب المجتمع، وتقاتل به في شجاعة المقاتلين أحيانًا أخرى.


والعمل الذي شرفت بقرائته لكاتبتنا الكبيرة هو بحق النموذج المثالي للقصة القصيرة التي أتعلمها وأعلمها وأكتبها، وإن كنت لا أدعي لنفسي فيها إتقانًا أو تمكنًا ولا يزال لدي الكثير منها في جعبتي إلى أن يحين نشرها، وأصدقكم القول وبغير مجاملة فأنا أعدها تكتب أفضل ما قرأت في القصة القصيرة...


ولا زلت أتبنى فكرتي بشأن تحليل الأعمال الأدبية: أن المجموعة القصصية تحمل صعوبة أكبر من الرواية لأنك تتلمس أوجه التشابه بين قصص المجموعة والقضية المحورية التي تتناولها وأسباب ترتيب القصص القصيرة وتتابعها على النحو الذي أوردها به الكاتب، ولا سيما في الأعمال قوية الصياغة والمضمون، وهذا ما واجههني في موضعي هذا حيث لاقيت صعوبة في الوصف مع استيعابي التام للمعنى، فقد ازدحمت الكلمات في ذهني وتداخلت الأفكار عندي، وكان عليَّ بذل الجهد في ترتيبها والتعبير عنها، وهو ما لم أصادفه كثيرًا في قراءاتي!


* * *
والمجموعة القصصية تمثل وجبة متكاملة لمن يطرق أبواب القصة القصيرة تتكون من 33 قصة قصيرة تقع في 160 صفحة تتنوع فيها القصص القصيرة ما بين الحجم المتوسط والحجم الصغير، وقد أطلقت الكاتبة اسم "الدبلة والمحبس" على مجموعتها القصصية، والتي تشير بلوحة غلافها إلى فكرة الارتباط بين الفتى والفتاة يحمل رمزًا واضحًا للقيد، وبغض النظر عن الغلاف الذي يعبر عن الفكرة من المنظور السطحي للمعنى، لكن هناك معنى أعمق تتناوله المجموعة يتضح من القصة المحورية الرئيسة في العمل والتي تحمل نفس الاسم "الدبلة والمحبس"، وهي القصة الثامنة في المجموعة وتحمل عنوان موازٍ هو (شرخ في المرآة)، وإن كنت أتمنى لو كانت القاصة قد بدأت بها المجموعة لأهميتها في فهم الاتجاه الذي ترمي إليها فكرة العمل، والقصة "الدبلة والمحبس" هي مفتاح العمل لذا أنصح بقرائتها أولاً، لأنها تعطي الفكرة الرئيسة التي يمكن استخدامها للربط بين قصص المجموعة التي يظنها القارئ غير المتعمق في استنتاج المعنى أنها قصصًا غير مترابطة، في حين توظف الكاتبة الفكرة الأساسية في اتجاه غير متوقع، حيث تمثل الدبلة والمحبس في القصة لبطلتها أهمية خاصة حيث تلبسهما حتى يظن الناس بها أنها متزوجة فتأمن أطماع الرجال وتكف عن نفسها نظرة المجتمع الظالمة للمرأة المطلقة، فهما يمثلان لها السياج الذي يفرضه الإنسان على نفسه بغرض الحماية من هجوم المحيطين وأطماعهم، وتتفاوت درجة هذه الفكرة في استخدامها في أجواء القصص المختلفة ومدى تأثريها وتأثرها بالأبطال وعنصري الزمان والمكان.


والأبطال في القصة متنوعون، وهذا ما يحسب للكاتبة، فبطلها رجل وبطلتها امرأة، وبطلها صغير وبطلها كبير، على كافة المستويات، والثقافات، والأشكال، والأعراق...


* * *
والقصص تحمل شيئًا مبدعًا؛ فالمعنى يسير بسلاسة ونعومة مع مسارات القصة، ما إن تشرع في قراءتها حتى تجذبك السطور والكلمات فإذا بلغت نهايتها تتكشف لك مفاجأة قد ادخرتها لك الكاتبة وخبأتها في تلك الخاتمة كقطعة من الحلوى لذيذة وقد تكون لاذعة! فهي كمفاجأة قد تبلغ في بعض الأحيان حد الصدمة التي تجلو لعينيك مشكلة أو قضية تجد نفسك وقد أصبحت وجهًا لوجهٍ أمامها، وقد حاصرتك فلا تترك لك سبيلا للتراجع بل تلزمك بالمواجهة! فالكاتبة تناقش في كثير من قصصها قضايا الإنسان في مجتمعه وهمومه، وتسقطها على مشكلات الواقع الذي نعيشه حيث الطبقية، والظلم، والاضطهاد، والجهل، وفرض السيطرة والأحقاد، حيث تغوص في أعماق النفس الشرية وتسوق الدوافع النفسية التي تحرك نوازع الشر فيه وتوجهه، وتقتحم بجرأة وشجاعة أسوار النفس البشرية بقدرة كبيرة على تحليلها، وتدخل مناطق شائكة من قضايا صعبة البوح كقضية التحرش بأنثى كما في قصة "شهادة خبرة".. وتعد قصة "مطار القاهرة الدولي" واحدة من القصص العميقة تتداول فيها فكرة الحياة وقدريتها، وما تحمله من اللقاء والفراق اللذين يذوب أثرهما وتأثيرهما مع رتابة الحياة والاعتياد، حيث اختصرت الكاتبة فكرة الحياة في سطور القصة التي تتحدث عن مطار يستقبل ويودع.. وقد تصدمنا النهاية بكشف صور مفجعة عن واقع الحياة التي تنضح بالشر الذي ينكشف لدى الأبطال كما في "الحبة الزرقاء"..


* * *
السرد والحوار بينهما تناغم بديع وتوظيف رائع من قبل الكاتبة، فلغة السرد محكمة تتنوع بين السرد على لسان الكاتب والسرد على لسان أبطاله، فكثيرًا ما كان ينتابني الانبهار حين يكشف البطل الذي تتكلم القاصة بلسانه في موضع بعيد من القصة عن هويته فتكون مفاجأة غير متوقعة أحيانًا، والسرد يمتاز بالسلاسة فالقاصة ترجع بنا بذاكرتها إلى حدث عارض ثم تعود إلى أرض الواقع بمرونة وبراعة، فتنقلنا بين الماضي والحاضر بمهارة، كما تضع أمامنا المعلومة بشكل منطقي غير متكلف كجرعات مضبوطة في العمل بدقة لا تتعجل أو تتأخر، وكأنما تدفع عقلك للتساؤل والحيرة فتجذبك للاستفسار، ثم تسوق لك الحدث الجديد في موضعه بدقة وتسديد دقيق، والحوار رشيق بديع يعبر تمامًا عن ثقافة الأبطال ويعبر عن لغتهم باقتدار وتنوع ومعرفة جيدة من جانب صاحبة العمل.


* * *
الرمزية في القصية موظفة بشكل متقن، ألمحها في كثير من القصص كالشق في الجدار في قصة "الجدار الفاصل" التي ترمز إلى ما يمر بالعلاقة بين الصديقين، ونجد المعنى قريبًا في قصة (شرخ في المرآة) أو "الدبلة والمحبس"، كما ترمي إلى هذا المعنى في غيرهما من القصص التي تبرز المشكلات النفسية للأبطال والتي تجد من فكرة الدبلة والمحبس في الحماية والاختباء خلفها ما تخبئ بواسطته هذا الشرخ في الجدار فلا يتسع الشرخ وتؤتى من قبله.. وقد انتقلت الكاتبة لأبعد من حدود الرمزية حتى ظهر ذلك في فكرة القصة نفسها واتضح من عنوانها وسير أحداثها كقصة "بائع الروبيبيكا" وهي قصة عبقرية في كثافة معناها وتركيزها الشديد وقدرتها على سحب المعنى على الواقع المعاش بدقة، ومن أجمل القصص دلالة على ذلك قصة "صائد الفراشات" حيث نقلت القاصة الخيال الجميل على الواقع، تلك الصورة الرقيقة التي تظهر على خلفية شاشة الكمبيوتر وتزين صورتها رمزت لها بالبطلة التي تصفها بفراشة حائرة في فضاء "النت الأزرق"، وجعلت للبطل من صيد تلك الفراشات هواية، وهذه القصة تمثل براعة تفاعل القاصة مع عالم النت الافتراضي بواقعية وتجسيد..
كما يحمل اختيار اسم القصة اسقاطًا يظهر بتركيز في نهاية القصة ويكون عنوانها الذي نستخلص فيه المعنى النهائي لها مثل قصة "شهادة خبرة"..


كما أن اختيار الأسماء في كثير من القصص يحمل من وظيفته ودوره في القصة معناه، كاختيار اسم (أمل) في القصة المحورية "الدبلة والمحبس" ونعجب أكثر من الأحداث إذ تحمل للبطلة مفاجأة أنه اسم رجل لا امرأة، وهو بطلها الذي انتظرته ليخرجها من عالمها المغلق المنزوي، وقد يحمل اسم البطل ما يخالف معناه كنوع من المفارقات لتوضيح المعنى مثل (صفية) في قصة "الجدار الفاصل" التي جاءت لتكدر صفو المياه بين الصديقين..


* * *
من أبرز ما يظهر براعة القاص هو كيف ينهي قصصه، وهنا تظهر الكاتبة براعة كبيرة في الجرأة التي تختارها لتلك النهايات، فهي في كثير من الأحيان تفاجئ القارئ باقتحام مساحة مفاجأة من الأحداث دون تراجع، والعبقرية تكمن في تلك العلاقة بين الإقناع بنهاية منطقية وبين ولوج مناطق جريئة من اللامعقول، فالكاتب لابد أن يبدو منطقيًا حتى لو اتسم اسلوبه بالخيال كأن ينقلك إلى الخيال فيبدو منطقيًا حين يذكره في حلم أو تخيل..


وفي قصة "الخادمة" تظهر النهاية من خلال تبادل الأدوار بين البطل والبطلة وتبدل حالهما يخلق مفارقة تتداول معها المعنى بعمق ووضوح، فالبطلة الفقيرة القبيحة الخادمة لا تتخيل نفسها كمجرد خادمة إلى جوار البطل الأمير والوسيم الغني، ثم تتغير الظروف 180 درجة لتتحقق النتيجة ذاتها وهي الفراق واستحالة الارتباط..


وقد تترك النهاية مفتوحة دون أن تقدم حلولا لتترك الأمر للقارئ، مثل قصة "ليلى" التي تمثل لغزًا، ترى بنهايتها المفتوحة التأكيد على لغزيته وإبهامه..


وأنهت القاصة مجموعتها بقصة "أم العريس" وهي قصة في مكانها تمامًا من وجهة نظري، فهي تحمل في النهاية فكرة مرتبطة بمعنى الدبلة والمحبس الظاهري: الفرح والزفة، لكنها تنقلنا من أجواء الفرح لدى أم العريس الذي تنتظر فرحة عمرها إلى جوار العروس إلى أجواء زفة أخرى في السماء لاستقبال الشهيد!


* * *
كنت أفضل أن تضع الكاتبة للعمل فهرس بالقصص القصيرة الواردة في العمل، كما أن العمل على الرغم من عدم وجود أخطاء لغوية أو في علامات الترقيم تخل بالمعنى وتؤثر على العمل، إلا أنها موجودة في بعض الهمزات وقليل من الأخطاء النحوية والإملائية، وأتمنى من المصحح اللغوي الانتباه لمثل هذه الأمور لأن الكاتب غير مسئول عنها واهتمامه بها بالقدر المعقول، فأنا أؤمن بالتخصص في العمل..
في النهاية أهنئ القاصة المبدعة على العمل الرائع الذي أعتبره من أجمل ما قرأت في القصة القصيرة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة