الرؤية الشرعية للهلال والحساب الفلكى بين القطعية والاضطراب عبر العصور التاريخية
يوميات مؤرخة مصرية
حدث أول أمس أن ساد الاظطراب والبلبلة فى سائر الجمهورية بمحافظاتها المختلفة وعبر وسائل التواصل الالكترونى بسبب رؤية هلال العيد واختلافها عن الحساب الفلكى ومن هنا جاء ضرورة وجوب توضيح الفرق وتتبع هذا الخلاف عبر التاريخ الاسلامى .
بقلم - د.شيماء خطاب:
باحثة فى التاريخ السياسى والصراع العربي الإسرائيلى
باحثة فى التاريخ السياسى والصراع العربي الإسرائيلى
حدث أول أمس أن ساد الاظطراب والبلبلة فى سائر الجمهورية بمحافظاتها المختلفة وعبر وسائل التواصل الالكترونى بسبب رؤية هلال العيد واختلافها عن الحساب الفلكى ومن هنا جاء ضرورة وجوب توضيح الفرق وتتبع هذا الخلاف عبر التاريخ الاسلامى .
إن رؤية الاهلة تختلف من بلد لآخر لاختلاف المطالع بينها ولا يتفق الجميع سوى على الحج ويوم عرفة.ويعد اختلاف المطالع من المسائل الفقهية التى تنازع فيها الأئمة قديما وحديثا والخلاف فيها لا يضر كما ورد فى فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١٥٦/٤).
ويرجع اختلاف الرؤية بين البلدين إلى أمران.
أحدهما علميةمفادها إن الحساب القطعى لا يمكن أن يعارض الرؤية الصحيحه.وهو معمول بة منذ قرار مجمع البحوث الإسلامية عام ١٩٦٤م واتفقت المؤتمرات الفقهية كمؤتمر جده على الإستئناس بالحسابات الفلكية القطعيةمع الإعتماد على الرؤية البصرية الصحيحة أى إن الحساب ينفى ولا يثبت.ولهذا يجب على كل أهل بلد متابعة إمامهم في رؤية الهلال من عدمها .وذهب انصار استطلاع الرؤية عن طريق الحساب الفلكى الى الإرتكان على أن الرؤية ظنية وارد بها الخطأ أما الحساب فقطعى ونسبة احتمال الخطأ وتقديراته من ١١٠٠٠٠٠ فى الثانية وأن الحساب الفلكى يخرج الأمة من الفوضى والاضطراب.
أما أنصار الفريق الثانى فأرادوا أن يوفقوا بين الرؤية والحساب فأشترطوا أن تكون ولاده الهلال قبل الغروب وحجتهم إن اليوم الإسلامى يبدأ من بعد غروب الشمس.اى أنة متى حدثت ولاده الهلال قبل المغرب وجب الصوم بعد الفجر.وجاءت أدلة الإثبات من الكتاب والسنة مستشهدة بقول الله تعالى "فمن شهد منكم الشهر فليصمة"البقرة١٨٥.
وحديث رسول الله صل الله عليه وسلم"صوموا لرؤيتة وافطروا لرؤيتة . البخارى ومسلم (١٧٧٦_١٨٠٩). "لاتصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروة" .
وبالرجوع الى التاريخ الاسلامي نجد أنه على مدار الخلافات الإسلامية المتعاقبة على مر العصور.كان قاضى البلاد يخرج لرؤية هلال رمضان وهلال العيد بصحبة القاضى ويتوجة الى جامع محمود (مندثر الان)بسفح جبل المقطم ويجلسون على دكة مرتفعة تعرف بدكة القضاة لرؤية الهلال.ويسير موكب المحتسب من القلعة الى بيت القاضى ينبغى مشايخ الحرف والجنود والمنشدون والموسيقى حتى يتأكدوا من رؤيتة فيجوبوا البلاد فى جماعات متفرقة لإعلان النتيجة قائلين (يا أمة خير الانام غدا صيام صيام حكم من شيخ الإسلام و).وكان من اشهر القضاة القاضى غوث توفى سنة ٦٨هجرية وقاضى مصر المالكى ابو الذكر محمد بن يحيى الاسواني توفى عام ٣١١هجرية.
اعتاد المسلمون أن يصوموا ويفطروا فى عهد الخلافة الراشدية والخلافة الأموية والعباسية لرؤية الهلال. ثم دخلت جيوش الفاطميين الشيعة الى مصر بقياده جوهر الصقلي فى شهر شعبان ٣٥٨هجريا ٩٦٩ميلادية فأقام الشعائر الدينية وفق المذهب الشيعى وأمر الناس بالصيام والفطر وفق حساب الايام فلكيا دون رؤية الهلال.ورغم مقاومة المصريين لهذة المسألة بقدر المستطاع فقد كان جبروت الحاكم وقمعة اقوى من الإرادة والعقيده الشعبية ولم ير الناس مفرا من اتباع أهواء حكامهم .
ويذكر المقريزى (٧٦٤٨٤٥هجريا ١٣٦٤١٤٤٢)إن جوهر الصقلي افطر يوم عيد الفطر بحساب الايام دون رؤية الهلال وصلى صلاه العيد وراء الامام على بن وليد الاشبيلى ورفض اهل مصر الافطار والصيام دون الرؤية ولكن بعد ضغط الحاكم ووعيده أصبح صوم رمضان والفطر بالحساب الفلكي.فانقطع طلب رؤية الهلال من مصر .
مرت الأعوام واسقط صلاح الدين الايوبي الخلافة الفاطمية وكان حدثا عظيما له أثرة على نفوس المصريين السنيين الذين لم يتبعوا المذهب الشيعى وعادت الأمور إلى وضعها وعاد المصريون يصومون لرؤية الهلال وكانوا يعتمدون على رؤية شاهدين مع خروج القاضي.وفى العصر المملوكي اشترطت الزوجات عند الزواج أن يكون لهم حق الخروج ليلة رؤية الهلال .وفى عام ٨٧٥هجريا ذهب كبار القضاة الى السلطان قلاوون لرؤية هلال شوال وتخلف عنهم القاضى الحنفى بن الشحتة لاعتكافة بسبب غضب السلطان علية وتخلف ايضا القاضى الجبتلى بسبب مرضى وادعى من حضر من القضاة والعلماء أنهم لم يروا الهلال حتى لا تكون خطبتان فى. يوم واحد خطبة الجمعة وخطبة العيد فيكون ذلك فالا سيئا على السلطان إذ كانوا يتشاءمون من رؤية الهلال ومجيء العيد يوم الجمعة مما يعنى أن السلطان القائم سيموت أو يعزل ويحل محلة سلطان جديد ولذلك ادعوا أن الهلال لم يظهر.
احتل العثمانيين مصر بعد معركة الريدانية التى وقعت فى ذى الحجة عام ٩٢٢هجريا ١٥١٧ميلاديا .ولأن المذهب الحنفى هو المذهب الرسمى للدولة العثمانية.فقد تم اقتصار مهمة استطلاع هلال شهر رمضان على قاضى المذهب الحنفى وهو ما أثار غضب قضاة المذاهب الثلاثة الأخرى .وبات هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى تحديد غرة رمضان وعيد الفطر ونظرا لأن سماء القاهرة كانت ممتلئة بالتراب والدخان .بعد أن أصبحت العاصمة بؤرة للعشوائية يتكرر فيها مشهد الحرائق على أيدى العثمانيين مما اضطر القاضى إلى الأخذ بشهادة اى شخص يتقدم إلى دار القاضى ويشهد أنه رأى الهلال .وقعت الكثير من الأخطاء فى استطلاع هلال شهر رمضان وعيد الفطر منذ العام الأول العثمانيين فى. مصر.ويذكر ابن الياس أن القاضى العثمانى كان جاهلا بالقواعد المتبعة فى استطلاع الهلال مثلما كان جاهلا بالقواعد الفقهية حتى وصفة معاصروة بانى كان أجهل من الحمار. ويذكر أنه عام ٩٢٤هجريا و١٥١٨ميلاديا حدث تضاربت وتخبطا فى تحديد غرة رمضان وغرة شوال حتى أن أهالى الاسكندريه ودمياط صاموا قبل سكان القاهرة بيوم ولم يعلم الناس بذلك الأمر إلا بعد انقضاء العيد .فقدم أهالى العاصمة شكواهم الى الوالى العثمانى خاير بك لكنة لم يوجة اى لوم للقاضى وعبر أحد شعراء القاهرة عن عجز القاضى التركى عن استطلاع الرؤية الشرعية للهلال قائلا: ياقاضيا بات أعمى.
عن الهلال السعيد
افطرت فى رمضان وصمت فى يوم عيد
إن قاضينا أعمى ام على عمد تعامى؟
سرق العيد كان العيد من مال اليتامى.....
كل عام وكل المصريين والأمة الإسلامية فى كل بقاع الأرض طيبة وبخير.