فات المعاد
بقلم: د. يسرا محمد سلامة
يقولون بعض الأخطاء أعذارها كالصلاة بلا وضوء؛ لا تُقبل، وهي حقيقة أصبحت عادة يومية يتعامل بها أقرب الأقربون مع بعضهم البعض، والكارثة الأكبر حين يأتي اعتذارك عن الخطأ الذي ارتكبته في حق من تحب متأخرًا، فيكون أوانه قد فات؛ لأنّ أوانه مرتبط ارتباط وثيق بانتظار هذا الشخص أنْ تمحو غلطتك معه بكلمة واحدة وهي "آسف" في نفس وقت خطأك في حقه.
أنْ تصل متأخرًا، خيرٌ من أنْ لا تصل على الإطلاق، ليس أسلوب مُستحب بين أي أشخاص تجمعهم مشاعر معينة، نعم هذه الجملة قد تُفيد مثلاً عندما تبذل مجهودًا ما في موضوع يهمك، لكنك لم تتمكن من التقدم فيه بخطىً واسعة، واضطررت إلى التأخر فيه وقد سبقك غيرك، وقتها تقول "الحمدلله أني وصلت على أية حال"؛ فقد أديت ما عليك من واجبات لكن لا تأتي الرياح دائمًا بما تشتهي السفن – لكن - أنْ تُخطئ في حق من تحب، وتجعله ينتظر منك كلمة اعتذار واحدة، ولا تقوم بها إلا بعد فوات الوقت، إذن لا تنتظر منه أنْ يتقبل اعتذارك، ولا تثور عليه وتُعاقبه على عدم تقبل ما بدر منك من أسف؛ فطول الوقت الذي استغرقته بين ما صدر في حقه من خطأ منك ولحظة اعتذارك، جعلته يُدرك تمامًا قيمته عندك.
جميعنا نُخطئ ولا عيب في ذلك "فكل ابن آدم خطّاء"، الخطأ الحقيقي هو تأخرك عمّن وثق في أنك سوف تحافظ على أواصر الود معه، ولن تمزقها مهما حدث بينكما، ستظل على العهد، لن تبتعد لأي سبب، بل ستخلق أنت ألف عُذر لكي تكون بجانبه دائمًا، هو يريد منك ذلك لكنك تلكأت وتعللت بأمور كثيرة؛ كي تتجنب مُصالحته في نفس وقت ارتكابك لهذا الخطأ.
ثقافة الاعتذار مهمة جدًا، إلا أنّ كثيرٌ منّا لا يعلم عنها شيئًا، رُغم أنها لن تكلفه لا مال ولا مجهود، هي فقط شئ معنوي يستطيع بها الطرف الثاني أنْ يُقدر جيدًا قيمته لديك، ستجعله هذه الثقافة يشعر كم هو مهم في حياتك، وأنه ليس بإمكانك الاستغناء عنه بسهولة، أما إذا لم يكن لديك مقوماتها فهذا معناه، أنك بطريقة أوتوماتيكية تقول له "لا أريدك في حياتي بعد الآن"، هو سيشعر بذلك لذا لا تلومه.
وهناك على النقيض، أناسٌ يمتلكون جيدًا مهارة الاعتذار، إلا أنهم يستخدمونها بشكلٍ سيئ دائمًا، جميل أنْ تعتذر طبعا، لكن لا تجعل من الاعتذار طريقة سهلة تخطئ بها دومًا في حق أي شخص، ويكون مبررك "ما أنا بعتذر"، التعود على الخطأ جريمة لا تُغتفر حتى وإنْ كنت تعتذر، أنت بهذا لا تصون كرامة هذا الشخص، ولا تريد أن يربطك به أي شئ لا صداقة ولا مشاعر ولا تعارف من أي نوع، فتكرار غلطاتك معه ينفي تمامًا حبك له، فكيف تريد منه أنْ يُصدق بعد الآن أنك تعتذر حقًا، وأنك نادم على ما اقترفته من خطأ؟!
عودوا أنفسكم على أمرين حين تخطئون في حق من تحبون – وهو أمر ليس به عيب – أولهما أن لا تجدوا غضاضة في الاعتذار سريعًا لهم ودون تركهم يقعون فريسة للحزن والهم أو الغم الناتج عن خطأكم في حقهم، فطول الوقت يولد الجفاء حقًا، وثانيهما أنْ لا تجعلوا من العُذر مبرر لتكرار الخطأ في حق من تحبون، فسيأتي يومٌ عليهم لن يقبلوا منك حرف واحد فيه أسف، ستخسروهم في كلا الحالتين، وأصدقكم القول هذه الخسارة لن تُعوض، فأن ينتظرك من يُحبك لتقول له "آسف" ليمحي بذلك أي أثر لحزن بداخله تجاهك؛ لهي نعمة كبرى يجب المحافظة عليها وعدم استغلال الكلمة كعُذر تُبرر به كثرة غلطاتك، هو وعيٌ منك بأهمية ذلك الشخص في حياتك ستُحمد عليها طول العمر.