عناقيد الغضب
بقلم - هبه مرجان:
في عام 1939 كتب جون ستاينبيك أشهر روايات الأدب العالمي "عناقيد الغضب" ،والتي وصفت كيف بدأت أمريكا إمبراطوريتها ، تخيلوا رواية حصلت علي جائزة بوليتزر بعد عام واحد فقط من كتابتها ، كيف تكمن أهميتها ،ما الشيء المميز فيها ؟!! ،علي غلاف الرواية كتب ستاينبيك "لقد فعلت كل ما في وسعي لأحطم أعصاب القارئ إلي أقصي حد ،وذلك لأني لا أريده أن يكون راضياً " ، وهذا بالفعل ما يفعله ترامب الآن لا يدخر جهداً أو قولاً لسحق كل من يقف علي الجانب المخالف لمصالحه ،لا أريد الإطالة عليك عزيزي القارئ ،رواية عناقيد الغضب كانت تتحدث عن أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين ،وتناولت أحوال أسرة بسيطة قررت الهجرة من أوكلاهوما لكاليفورنيا ،نتيجة اضطهاد رجال الأعمال لهم وطردهم من أرضهم ،بعد أن رسموا لهم صورة للحياة الوردية التي تنتظرهم في الغرب الأمريكي ،فذهبوا بأرجلهم لتبدأ مأساة الرواية ،وهنا أكتفي فقط بجملة قالها الفلاحين في الرواية "نحن خلقنا فقط للضرب والمهانة" ،من المؤلم بالنسبة للفلسطينيين الآن أن يروا أنفسهم أبطال تلك الرواية التي كتبت منذ 80 عاماً ، أمريكا الآن تعامل الفلسطينيين بالضبط كما عانت عائلة "جود" في عناقيد الغضب ،الفرق الوحيد أن سبب بؤسهم في الرواية أسباب اقتصادية وماديه بحته ،لا علاقة لها بالأرض و لا بمصطلح الجيوسياسية الذي ظهر حديثاً لتسويغ وتبرير تدخل الدول في شئون بعضها بعضاً .
بعد الحرب العالمية الثانية انقلبت موازين القوي في العالم وأصبحت بريطانيا تبحث عن سند لها بعد أن خارت قواها الاقتصادية وخرجت مفلسة جراء الحرب ، وبعد مؤتمر بلتيمور في مايو 1942 ،أو ما يطلق عليه الكيان الصهيوني "وعد بلفور 2" ،في هذا المؤتمر تم تأسيس قواعد الاستعمار الصهيوني علي الأراضي الفلسطينية ، ومن وقتها توغل اليهود في الكونجرس الأمريكي وزاد نفوذهم ،لدرجة أن اللوبي اليهودي حالياً هو من يحدد مصير أمريكا ،ولا أدل علي كلامي هذا من قرارات ترامب ،بداية من القدس عاصمة لإسرائيل ،ووصولاً إلي ضم الجولان ،بالإضافة إلي تصريحاته العنصرية الأخيرة ضد الفلسطينيين ،و المتملقة لليهود ،"ندعم إسرائيل 100%.. وأهل غزة لن ينالوا سوى البؤس" ،إذن الأمور واضحة تماما يا سادة ،القضية ليست نظرية مؤامرة أو مجرد وهم أن إسرائيل تمسك بزمام أمريكا كالإخطبوط ، الأمر كله تبادل مصالح ،ترامب يدلل إسرائيل لثقته الكاملة أنهم أهم خطوة لتخطي عقبة انتخابات 2020 ،وإسرائيل تدعم ترامب بكل ما أوتيت من قوة لأنها تعلم علم اليقين أن لا يوجد مجنون سواه قادر علي إعطائهم بلفور جديد ، أتذكرون فيلم السفارة في العمارة ؟!! ،في نهاية الفيلم السفير الإسرائيلي طلب من عادل إمام استعاره شقته لاستضافة ضيوف السفارة ، دخل القليل ،ثم بدأ العدد يزداد ويزداد حتى وجد عادل إمام نفسه خارج الشقة تماماً ،وفي اللحظة التي خرج فيها وقف الحراس لسد طريق دخوله من جديد ،هذا المشهد بالتحديد هو ما حدث ومازال يحدث في فلسطين ،في البداية كانت الأرض ملكهم ثم تشاركوها بالقوة مع آخرون لا حق لهم فيها ،والآن يتآمرون لطردهم نهائياً من أرضهم .
ترامب يستعد لــ 2020 بأكثر من خطة ،أولاً يسعي لخفض العجز التجاري بينه وبين كل من الصين والمكسيك وألمانيا واليابان ،من خلال السياسات الحمائية و الرسوم الجمركية ،ثانيا فنزويلاً ،مساعي ترامب لمساندة غوايدو ،زعيم المعارضة ، ليست فقط للحفاظ علي صداقة دولة من أهم دول الأوبك ؛لكن بسبب دحض كل اتفاقيات الصين مع فنزويلا ،ضرب عصفورين بحجر واحد ،وأخيراً ،وأهم خطة علي الإطلاق ،خطة نقاط الضعف والقوة ، استغلال نقاط الضعف لإسرائيل "فلسطين "، وتقديم السبت حتى إذا جاء الأحد ،وأن غداً لناظره قريب، وقفت قوة اللوبي اليهودي في صفه ورجحت كفته في 2020 .