فتح النوبة عام 31 هجرية
على مدار 1400 عام ظل شهر رمضان الكريم منهلا للمسلمين ينهلون منه الروحانيات التى تقويهم وتعينهم على أمور الدين والدنيا.. ومن الملحوظ ان رمضان ظل قاسما مشتركا فى العديد من الانتصارات المدوية لدولة الإسلام على أعدائها.. فالصيام الذى يمنع المسلم عن الطعام والشراب يعطيه طاقة روحية هائلة قادرة على تحريك الجبال.
ومن ضمن المعارك والفتوحات العظيمة التي حفل بها شهر رمضان المبارك معركة فتح النوبة التي حدثت في العام الحادي والثلاثين من الهجرة النبوية المباركة، والتي كان من أهم آثارها معاهدة القبط التي كانت فاتحة خير على المسلمين في البلاد الأفريقية.
لما قام عمرو بن العاص بفتح في مصر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أرسل عمرو بن العاص حملة عسكرية بقيادة عقبة بن نافع لفتح بلاد النوبة التي تقع في جنوب مصر، لكن المسلمين فوجئوا في هذه المعركة بأن النوبيين يجيدون رمي السهام، فقد أصاب النوبيون من المسلمين عددا كبيرا بتلك السهام، وأصيب كثير من المسلمين في حدق عينهم من جراء النبل، فسموا (رماة الحدق).
وكان من نتيجة هذه الحملة أن تم التوافق على هدنة بين المسلمين والنوبيين، واستمر الصلح حتى كان عصر خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وكان قد عزل عمرو بن العاص عن مصر وولى مكانه عبدالله بن أبي السرح، فنقض النوبيون الصلح وهاجموا صعيد مصر، فما كان من ابن أبي سرح إلا أن خرج في جيش تعداده عشرون ألف مقاتل، وسار إلى دنقلة عاصمة النوبيين وحاصرها وضربها بالمنجنيق حتى استسلموا وطلبوا الصلح.
وتصالح المسلمون والنوبيون في شهر رمضان من العام الحادي والثلاثين بعد الهجرة على بنود من أهمها:
حفظ من نزل بلادهم من مسلم أو معاهد حتى يخرج منها، ورد من لجأ إليهم من مسلم محارب للمسلمين وإخراجه من ديارهم، وحفظ المسجد الذي بناه المسلمون في فناء المدينة وألا يمنعوا منه مسلما، و أن يدفعوا للمسلمين كل عام ثلاثمائة وستين رأسا من أوسط رقيق بلادهم، وكان القوم مشهورين بكثرة الرقيق عندهم، في مقابل ذلك لهم عند المسلمين أمان فلا يحاربونهم ولا يغزونهم.
ولقد كان لهذا الصلح أثر عظيم في انتشار الإسلام في بلاد السودان وجنوبها، لقد استغل المسلمون الأوائل هذه المعاهدة في نشر الإسلام في تلك البلاد، وكان المسجد الذي بناه المسلمون في فناء دنقلة مركزا لنشر الإسلام في بلاد النوبة وجنوبها، وإن هذا الصلح ليؤكد كذب الذين يدعون بأنه انتشر بحد السيف فليخبرونا إذن كيف أسلم أهل النوبة والسودان وتلك البلاد النائية في إفريقيا التي لم تصلها جيوش المسلمين في أي عصر من العصور؟