رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طفولة

بوابة الجمهورية
تثمر روح الإنسان إبداعًا، كلما اقترب من خيال الطفولة، وعانقه في أحلامه التي هي أزلُ خياله، حين يرى الكون منظومات من الأساطير

بقلم:محمد حسن عبد الحافظ.

تثمر روح الإنسان إبداعًا، كلما اقترب من خيال الطفولة، وعانقه في أحلامه التي هي أزلُ خياله، حين يرى الكون منظومات من الأساطير، وسلاسل من الصور والمشاهد، وعناقيد من الرموز والعلامات، ويطير بسرعة الحلم في نفقٍ مظلمٍ صوبَ فوهةِ نورٍ أخَّاذ، ويرى الشمس طائرًا مجنحًا، والقمر قاربًا بأشرعةٍ من ملائكة، يسمو إلى لُجَّةٍ في ظلمةٍ موحيةٍ بمخبوء، يتبع الضوءَ في قلب الظلام باحثًا عن المطلق بلا انتهاء.
يتحرك ويرى ويشم ويلمس ويتخاطب، بإيقاعات اللون والصوت والرائحة والحركة، تلتبس الروح بالجسد، ويلتبس الجسد بالروح، وتلتبس الحقيقة على الحائر بين النفس والهيولى.
السماء تزرع الأرض بهواءٍ وماءٍ ونور. والأرض تُمطر السماء بخيالٍ وإبداعٍ وفلسفة.
الإنسان بألف وجه، والوجه بألف أنف، والأنف تدنو لألف عين، والعين تعلو على ألف لسان، واللسان يتوسط بين ألف أذن، والروح واحدة، والوجود واحد.
القباب نهود العمارة في القصور والمعابد والقبور، وهي استدارات النفس الحبيسة. والمسلات أقضبة الحضارة كالفنارات والمنارات والمآذن، وهي صواريخُ دمار، ومجامرُ مدافع، وأنصالُ قَطْع، ومِزَقُ وصلِ السماء بالأرض.
الغرابُ يومئ بأنباء الغيب؛ ليقيم في النفس مملكة المشاعر من الخوف إلى الحرية.
الفأر ذو عيونٍ باعثة لألوان وأصوات وإيماءات تمزج انفجارات الحروب بوحشية الإبادة، بمشاعر الكره، بأنفاس العداوة، بالاعتداء على الطبيعة.
الثعبان المرقَّط ذو القرنين المتدلى منهما جرسان ينذران بضجيج ما ينبئ عنه الفأر.
هناك يقف الطاووس المرشوق ريش ذيله الطويل بعيون "الأرجوس" في تعالٍ صامت - يحسبه الناظرُ خيلاء – ليوازن بين ريش ذيله الساكن، ورأسه الصغير – المكتنز بالأسرار والأسئلة - المتوَّج ببضع ريشاتٍ من نرجس.
يرى الحالم رأسه محل القمر، ويرى قمره محل الرأس. يرقب الناس التي ينفلت من مؤخراتها أذيالُ عقارب ملتوية ومسنونة الأذناب، أو أولئك الذين يستحيلون ثعالب وسحالي وغيلان. الأصوات مخالب رمادية، والأنياب صليل سيوف، والألسنة ثعابين تدور، والعيون براكين تتقافز، والمشاعر آلهة تتشاجر، والنفوس تحوي ما لا تعيه العقول.
في الأحلام وحدةُ وجود، وأزمنةٌ أزلية، وأصواتٌ صامتة، وبيوتٌ من طينٍ قديم، وملامح من رخام ودخان، وموسيقى بلون الماء.
يعيش الطفل الحلمَ يقظةً، والأسطورة واقعًا، والمستقبل ماضيًا، واللاشعور شعورًا، على نحوٍ لا نظير له عند الرُّشَّد، إلا الفنانين الغوَّاصين في أحلامهم، الحافرين في عوالم طفولتهم، الخالقين من ماء الخيال كل شيء جميل.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة