خافت
بقلم: د. مي عبد السلام
خافت ... بل سقطت تصرخ مستنجدة في بئر الخوف المظلم .. ظلت تسقط وتسقط دون الوصول لقاع النهاية ، فيلتهمها خوفها كي تمسي هيكلاً إنسانياً يفتقر لكل معالم الحياة ...
خافت غير مدركة أن ذاك الخوف هو منال سجانها كي تستكين مطيعةً مايلةً لأوامره، مكومةً في إحدى جوانب حبسه ، زاهدةً في ما لها من حقوقٍ ... فيتجلى جبروته ، وتتضاءل آدميتها حتى تختفي ،فتمسي شبحاً ذابلاً يأبى أن يراها الجميع إلا آلةً منهكةً صممت للخدمة والطاعة ...
آلة تدور دون الحاجة إلى موصل عاطفي أو إنساني ... فإن هلكت تلك الآلة وجب عليها مداواة نفسها بنفسها ، فلا يوجد من يهبها من وقته وهمته لكشف ما بها من كسر ... فتصرخ مختبئة بين جدران حزنها ، محاولةً تسكين ما ألم بقلبها من ألم في عزلة عن أعين الجميع ، فلا ينكشف لهم ضعفها وهوانها حتى على نفسها ...
فبعض السجون تمتلك مسجوناتها مفتاح قفلها ، لكنها لا تجترئ على الاقتراب من اقفال بواباته والفرار منه ، فالفرار احدى خيارين كلهما مر ...
الفرار يعني التخلي في المقابل عن كل ما يستر جسدها من قطع بالية رثة لتخرج للعالم ... عارية ...
فتهمز وتلمز عيون ترقبت بها وبكل من شابهتها من مسجونات ، فيرجموها بظنونهم وألقابهم النابية ، ويلاحقها بعض الضباع الشرهة لإلتهامها ، بعد ان نصبت لها المصائد في كل بقعة تمر بها ، فتهرول هرباً من هؤلاء وهرباً من هؤلاء ... حتى تسقط مغشيةً بعد صدمتها في كل من استنجدت بهم ممن خالتهم يوماً أهلاً وملجأً ، فيلفظها الجميع وكإنها طاعون يودي بهم ان اقتربت ...
فتفيق وقد تملك الدوار من رأسها والجوع من أحشائها لترى قدماً وقد أقبلت عليها ببطئٍ وثباتٍ منتصر ، فترفع رأسها كي تجد سجانها وقد ضم ذراعيه زهواً وهو يملي عينيه بما حل بها ...
فتحاول النهوض وهي في حالٍ يرثى لها وقد امتلأ جسدها العاري بالجروح النازفة ، لتخط الارض عرجاء مطأطأةً رأسها خلف سجينها ،فتلج ذاك السجن ملتقطةً عبائتها المهترئة كي تستر ما استطاعت من جسدها ، فيغلق سجانها البوابة خلفهما .. كي يلقنها درساً جديداً في حياة العبودية ...