رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بريكست.. وقف حمار الشيخ في العقبة !

بوابة الجمهورية
ما لم تكن تعيش في إحدى الكهوف ؛ فمن المُرجح أنك قد سمعت عن مصطلح "بريكست" ، بريكست Brexit، هي اختصار لــ "British exit"

بقلم - هبه مرجان:

ما لم تكن تعيش في إحدى الكهوف ؛ فمن المُرجح أنك قد سمعت عن مصطلح "بريكست" ، بريكست Brexit، هي اختصار لــ "British exit" ، وتستخدم للإشارة إلي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. السؤال هنا لماذا قررت المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد ،و من أين بدأت قصة بريكست ؟! . بداية تمرد بريطانيا كان في عام 1957 ،حيث تم وضع حجر أساس الاتحاد الأوروبي كتكتل اقتصادي ،في بادئ الأمر رفضت بريطانيا الانضمام إليه ،ولكن بعد 16 سنة وتحديداً في (1 يناير عام 1973 ) وافقت الانضمام للاتحاد الأوربي ؛لكن في عام 1975 ،و رغم تأخر قرار الانضمام إلا أن بريطانيا توجست خيفة من فكرة الانخراط في العالم الأوروبي فأقامت استفتاء علي الخروج منه كما يحدث حالياً ؛لكن رجحت كفة مؤيدي البقاء بنسبة 67 % ،و ظلت بريطانيا تحت مظلة الاتحاد ،والشيء الذي أفسد علي البريطانيين خروجهم من الاتحاد في بريكست الأولي ،هي مزاعم البعض بشأن تأثر الاقتصاد البريطاني ،و إمكانية زعزعته إذا ما تم الخروج ،تماما كما هدد أبو جعفر المنصور رعيته حينما خطب بالمدائن ،وأخبرهم : " إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبي هذا الغمد" ،فبالنسبة لهؤلاء التسليم بالأمر الواقع هو أفضل وأسلم الطرق للحفاظ علي الاقتصاد ؛ولكن رغماً عن نتائج استفتاء 75 إلا أن فكرة الانفصال عن الاتحاد ظلت تداعب الوجدان البريطاني طيلة العقود الماضية ،وأكبر دليل علي ذلك تشبث بريطانيا بعملتها حتى الآن ،الجنية الإسترليني، ورفضها الانضمام لدول اليورو ، وعدم قبولها لاتفاقية "شنغن"،والتي تسمح لمواطنين الدول التي وقعت علي الاتفاقية بحرية التنقل بين البلدان الأخرى التي شملتهم الاتفاقية أيضاً ،وذلك بدون تفتيش أو جواز سفر .

لابد وأنك تتساءل الآن عزيزي القارئ عن الأسباب التي أشعلت شرارة الانفصال مرة أخري في بريطانيا ،الإجابة تكمن في السؤال دائما ،فإذا أمعنا النظر سنجد أن الاتحاد الأوروبي عبارة عن اتحاد سياسي واقتصادي مؤلف من 28 دولة تتاجر مع بعضها بعضا وتسمح لمواطنيها الانتقال بسهولة بين دول الاتحاد للعمل أو للاستقرار ،و انطلاقاً من مبدأ " السيئة تعم والحسنة تخص" ،فأي كارثة سياسية أو اقتصادية تواجه أي دولة من دول الاتحاد ،علي الدول الأخرى ،شريكتها في اللقب ،أن تشمر عن ساعديها وتقف معها لمواجهة تلك الكارثة ،وهذا ما حدث فعلا فمنذ نهاية 2009 أطاحت بأوروبا أزمة اقتصادية عرفت باسم "أزمة الديون أو أزمة منطقة اليورو "، و التي اندلعت مع انهيار بنك ليمان براذرز، وبدأت تلقي بظلالها علي دول جنوب المنطقة كالبرتغال واليونان وقبرص ،قبل أن تشمل أسبانيا وإيطاليا بشكل أقل حدة. ورغم مرور سنوات على اندلاع تلك الأزمة و طرح العديد من الحلول لإنقاذ الدول التي كانت ضحيتها وخاصة اليونان والبرتغال، فإن شبحها ما يزال قائما،بمعني أكثر وضوحاً ،الديون الحكومية لكل من ( اليونان و البرتغال و أيرلندا و أسبانيا وقبرص ) أصبحت عبء علي باقي دول الاتحاد الأوروبي ،وهذا بالإضافة إلي أزمة اللاجئين التي لم يفلح المجتمع الأوروبي في معالجتها .

كل تلك الأسباب دفعت بريطانيا لإجراء استفتاء أخر للخروج ،وبالفعل قام الاستفتاء في 23 يونيو 2016 ،وجاءت نتيجة الاستفتاء هذه المرة مؤيدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي بنسبة 52 % ،ومنذ تلك اللحظة و حتى الآن وبريطانيا داخل صراعات ومباحثات حول كيفية الخروج من الاتحاد بسيناريو أقل ضرراً لدول الاتحاد ،فبالرغم من التحديات التي يواجهها الاتحاد والتي ذكرناها أنفاً إلا أن خروج بريطانيا يحمل في طياته هزة اقتصادية عنيفة يترقبها العالم الأوروبي في صمت وحذر يشوبه شيء من القلق ، فأسوأ سيناريو يخشاه الجميع أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون أي صفقة تنقذ الاتحاد من غَيَابَتَ الجُبِّ ،فإذا قارنا بين الكفتين سنجد أن مهما تأثر الاقتصاد البريطاني لن يصل في خسائره لحد الخسارة التي ستلحق بالاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا ،وهذا بناء علي لغة الأرقام ،فبريطانيا تمتلك أكبر اقتصاد في أوروبا بعد ألمانيا وفرنسا ،و هي سادس أكبر اقتصاد علي مستوي العالم ؛لكن إلي أين سيؤول مصير الاتحاد بعد خروج بريطانيا ،خاصة أنه مازال عالقاً مع شبح أزمة الديون حتى الآن .

ما يحدث بين بريطانيا و الاتحاد الأوروبي علي مدار الثلاث سنوات الماضية هو تماما ما يحدث في محاكم الأسرة في مصر ، ما بين قضايا الطلاق والنفقة ،تأجيل يعقبه تأجيل حتى ينسي الزوج والزوجة عن ماذا كانت القضية من الأساس ،عن تحديد قيمة النفقة أم عن النطق بالحكم (يا الدفع ، يا الحبس) ، شر البلية ما يُضحك ، حتى الطلاق أصبح موضة بين الدول ،الآن مثلاً ماذا سيحدث مع الأولاد بعد النطق بالحكم ، لا أعني الأولاد بالمعني الحرفي ؛لكني أعني أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا ،فالأولي تتبع المملكة المتحدة ،والأخيرة جمهورية مستقلة بحد ذاتها وكلتاهما تجمعهم نفس الحدود و نفس اللقب "دولة اتحاد أوروبي" ،ماذا سوف يحدث لهؤلاء بعد الانفصال ؟!

الآن تيريزا ماي ،رئيسة وزراء بريطانيا ، في موقف لا تحسد عليه ،بالضبط كحمار الشيخ الذي وقف في العقبة ،بعد مساعي مضنية استطاعت وبكل جدارة أن تشكل قاعدة جماهيريه عريضة من الأعداء ،أكثر من أعداء ترامب نفسه ، لدرجة أنها قررت التنحي عن منصبها ،والاستقالة مقابل موافقة مجلس العموم علي اتفاقها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي ،دفاعاً عن سُمعتها السياسية ،وإنقاذا للبريكست ،وذلك بعد أن تم اتهامها بالفشل بسبب رفض مجلس العموم اتفاقها الذي عرضته للخروج من الاتحاد مرتين ، وبنفس مقولة "حمار الشيخ" ،نجد أن موقف الاتحاد لا يقل صعوبة عن موقف تيريزا ماي فاستقالتها بالنسبة له مكسب عظيم ،فهي السبب الأول في تجديد فكرة الانسحاب ؛ولكن في نفس الوقت وعلي الرغم من مقتهم الشديد لها ، إلا أن الموافقة علي اتفاقها يعد هزيمة ساحقة للاتحاد ،الذي وقع بين شقي الرحى ،بين خيارين يحملان القدر نفسه من المكسب والخسارة .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة