ديجافو
من لا يَقْرَءُونَ التاريخ محكوم عليهم أن يعيدوه مراراً وتكراراً حتى يتعلموا الدرس ،مقولة يعرفها الجميع ولا يطبقها أحد ،لذلك كُتب علينا أن ندور جميعا في دوائر مغلقة لا نستطيع الخروج منها أبدا.
بقلم - هبه مرجان:
من لا يَقْرَءُونَ التاريخ محكوم عليهم أن يعيدوه مراراً وتكراراً حتى يتعلموا الدرس ،مقولة يعرفها الجميع ولا يطبقها أحد ،لذلك كُتب علينا أن ندور جميعا في دوائر مغلقة لا نستطيع الخروج منها أبدا.
في عام 1914 دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولي ،أعلنت ذلك من خلال إطلاق النيران علي موانئ روسية من سفنها الحربية ،وكان سبب دخولها الحرب شعورها بالرهبة من روسيا وفرنسا وبريطانيا ،و وصفهم للإمبراطورية العثمانية بــ"الرجل المريض علي البوسفور" ،بالإضافة إلي جدالهم حول تقسيم الأراضي العثمانية فيما بينهم .
وقتها لم تجد الدولة العثمانية أمامها سوي التحالف مع ألمانيا لحماية أراضيها ،خاصة بعد ما وعدتها الأخيرة بتقديم دعم واسع إلي العثمانيين في حال آلت الأمور لصالح النازية ؛ولكن حدث ما كانوا يخشونه.
وفقدت الدولة العثمانية معظم أراضيها ،بعد أن دخلت في معارك مع روسيا في شرق تركيا ،و مع بريطانيا في الجنوب ،وانتهت الحرب بسقوط الدولة العثمانية ،وما أشبه الليلة بالبارحة ،فتركيا حالياً ،وبحجة الحفاظ علي أمنها القومي ،ومواجهة الأكراد المسلحين دخلت سوريا.
و استقرت في إدلب و عفرين ،وبالذريعة نفسها هدد أردوغان بدخول القوات التركية إلي شمال العراق للقضاء علي العناصر الكردية في قضاء سنجار ،و لو فهم أردوغان سبب سقوط إمبراطورية بلاده ،في الماضي، لتأكد أن مصيره سيكون كسابقيه ،وأن "مصارع الرجال تحت بروق الطمع" .
في مصر تاريخ ممتد لأكثر من الآلاف السنين ،لهذا كنا نأمل أن نعِتَبِر من الماضي و آلا نكرر أخطائه ؛ولكن ما حدث هو العكس تماماً،فبالرغم من مرور المصريين بعصور اضمحلال كثيرة إلا أنهم لا يتعلمون الدرس أبدا ،ودائما ما تقوم الثورات في مصر ويتغير نظام الحكم في كل مرة بسبب نفس الظروف،انتشار الفقر والأمراض ،انهيار الزراعة والصناعة ،اتساع نفوذ رجال الدين وتدخلهم في السلطة ،..الخ ،لدرجة أن طلاب التاريخ يعشقون سؤال عصور الاضمحلال لهذا السبب .
فلا داعي أن تكون علي علم بالإجابة لتجيب عليه ،يكفي فقط أن تصف حالة البلد قبل ثورة يوليو أو يناير أو حتى يونيو ؛لكني أتمني أن تنتهي تلك المأساة وأن يعي الجميع الدرس قبل أن يقوم المصريين بثورات أخري.
وقبل أن يمر علينا عام نحتفل فيه بعيد الثورة كل ثلاثين يوم ،وقبل أن يحفظ أبنائنا الآية 92 من سورة يونس ،علي أنها قيلت لفرعون مصر ،والفراعنة الذين حكمونا من بعده ،حتى لا يأتي يوماً نسأل فيه أنفسنا ،متى سيغرق الله فرعون هذا العصر كما أغرق فرعون موسي من قبل ،و من سيكون الفرعون الأخير ،إلي متى سنكرر علي حُكامِنا تلك الآية "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً".
السيناريو الكوري : كانت شبه الجزيرة الكورية تعيش في أجواء انعزالية ،لدرجة أطلق عليها الغرب اسم "مملكة الناسك" ،ثم احتلتها اليابان حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، وتدخل الاتحاد السوفيتي وأمريكا لإنهاء الاحتلال الياباني ،وخضع الشمال لحكم الاتحاد السوفيتي ،والجنوب لحكم الجيش الأمريكي ،وبدأت الحرب الباردة بين المعسكرين ،حتى قامت الحرب الكورية "الحرب الأهلية" في عام 1950 وانتهت بانفصال الكوريتين في عام 1953 ،و حتى هذه اللحظة لم تفلح أي مساعي دولية في توحيد الكوريتين من جديد ؛ولكن بعد الانقسام حظيت كلا منهما علي الدعم الخارجي فقامت الصين بدعم كوريا الشمالية ، و كوريا الجنوبية حصلت علي الدعم الأمريكي ، و لكن لو أيقن الكوريين أن ما حدث لهم منذ القدم كان بسبب الاستعمار الخارجي ،وأن حربهم الأهلية نشأت بسبب الحرب الباردة التي قامت علي أراضيهم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي ،وأن مصلحتهم تكمن في الوحدة عوضاً عن الدعم الصيني أو الأمريكي ؛لأصبحت شبه الجزيرة الكورية الآن بمعزل عن صراعات الشرق والغرب .
بالنسبة لأمريكا لا داعي أن نقارنها بالتاريخ ؛فلقد شهد عليها شاهداً من أهلها ،في مقالته بصحيفة (بوسطن غلوب)،حيث قال الكاتب الأمريكي "ستيفن كينزر" : واشنطن هي روما هذا العصر ؛فعلي الرغم من أنها كانت من أعظم الدول في التاريخ إلا إنها انهارت بسبب إهمالها لمواطنيها في سبيل أطماعها الاستعمارية ،وبناء علي ما قاله كينزر في مقالاته وكتابه ،العودة إلي الصفر، لعل التاريخ يخبئ لنا مفاجأة أخري ،وتستمر أمريكا في السير علي خطي الإمبراطورية الرومانية حتى تواجه المصير نفسه في نهاية المطاف .
ديجافو ،هي ظاهرة "حدث من قبل" ،ظاهرة يتخيل فيها الإنسان أنه زار هذا المكان أو تعرض لنفس الموقف ،ونفس المشاعر من قبل ، فيما سبق تناولت معك عزيزي القارئ ظاهرة ديجافو من منظور مختلف ،منظور تاريخي سياسي ،لم تثبت المقالة شيء سوي أن من يصلح لحكم البشرية من الآن فصاعدا هم أباطرة التاريخ ،هؤلاء أحق من الجميع في تولي زمام القيادة ،هم لن يحتاجوا لمعرفة أي حيل سياسية ،أو قراءة الاستراتيجيات في كتاب فن الحرب؛لأنهم يملكون أقوي سلاح عرفته البشرية ،يملكون خبرات السابقين علي مدار مئات السنين ،حياتهم مرت في دراسة كل عِبر ودروس الماضي من حروب وثورات ،انتصارات وهزائم ، سلاحهم لن يردعه قوي اقتصادية أو سياسية ، أو حتى نووية وكيميائية .. لأنه ،سلاح زمني يري ملامح المستقبل من حكايات وقصص الماضي ، سلاح "التاريخ" .