أول نائبة برلمانية عربية
د/عمر محمد الشريف.
في 19 ابريل عام 1926م ولدت راوية عطية أول نائبة برلمانية مصرية وعربية، والتي كان لي الشرف أن سطرت بعض السطور عن حياتها وكفاحها في كتابي "شموس لا تغيب" الصادر عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع.
نشأت راوية عطية في بيت سياسي، حيث كان والدها يشغل منصب سكرتير عام لمحافظة الغربية، وصديقًا حميمًا للزعيم الوفدي مصطفى باشا النحاس، كما سُجن بسبب أرائه السياسية.
في طفولتها التحقت بمدرسة الأميرة فوزية الثانوية، وقادت مظاهرة قامت بها طالبات المدرسة ضد الاحتلال الإنجليزي بعد توقيع معاهدة 1936 مباشرة، حيث طفن بجميع أنحاء القاهرة، ثم توجهن إلى المدرسة السنية للبنات لتنضم إليهن تلميذاتها، وعندما وصلت المظاهرة شارع القصر العيني أصيبت بشظية، وحملتها هدى شعراوي على ذراعيها وأدخلتها مقر الاتحاد النسائي العام لتداوي جراحها وكان عمرها 10 سنوات فقط، فكان مثلها الأعلى في صغرها هدى شعراوي وصفية زغلول أم المصريين.
بعد حصولها على التوجيهية كان مجموعها يؤهلها للالتحاق بكلية الطب، لكنها فضلت أن تلتحق بكلية الآداب لتدرس تاريخ الثورات، وأصبحت عضوًا في اللجنة التنفيذية للطلبة بالجامعة، ثم حصلت على شهادات مختلفة فحصلت على شهادة معهد التربية العالي بالزمالك عام 1947م، كما حصلت على ماجستير الصحافة عام 1951م، ودبلوم دراسات إسلامية، وعملت في حقل التدريس خمسة عشر عامًا، كما أشتغلت بالصحافة لمدة عشر سنوات بعد أن تدربت على يد الكاتبين الكبرين مصطفى وعلي أمين، لكنها تركت كل ذلك للتفرغ للسياسة والعمل الاجتماعي.
كانت راوية عطية أول ضابط اتصال برتبة يوزباشي وذلك بعدما حصل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، فانتقلت إلى منطقة بورسعيد وما حولها تخدم الضباط والجنود، تساعد المقاومة الشعبية والفدائيين، تمدهم بالسلاح والأغذية والملابس، كما قامت بتدريب 4000 امرأة على الإسعافات الأولية والتمريض لجرحى الحرب، واستقبلت مهاجري بورسعيد الذين فقدوا بيوتهم أثناء العدوان الثلاثي.
وهي أول امرأة عربية تدخل البرلمان، فعندما منح الرئيس جمال عبد الناصر حق التصويت والترشح للمرأة المصرية بموجب دستور 1956، وفتح باب الترشح عام 1957م، تقدمت 8 سيدات لانتخابات مجلس الأمة، ففازت سيدتين فقط تنافستا في دوائر عامة للرجال.
الأولى هي راوية عطية وكانت عضو باللجنة التنفيذية العليا بالاتحاد الاشتراكي، وفازت في 4/7/1957م عن قسم ثان الجيزة حيث حصلت على 11807 صوتًا، بينما حصل منافسها أحمد فؤاد على 6748 صوتًا، والثانية أمينة محمد أبو العز شكري فازت في 14/7/1957م عن دائرة قسم باب شرق الإسكندرية، وحصلت على 9025 صوتًا بينما حصل منافسها ناشد جرجس على 2954 صوتًا، لتحصل المرأة المصرية على مقعدين فقط من أصل 350 مقعد بنسبة 0,57% وهي نسبة متواضعة في أول تجربة نيابية لها.
وتحت قبة البرلمان شاركت في عضوية كثير من اللجان البرلمانية، وقدمت الكثير من الاقتراحات وتقدمت بالعديد من المطالب، فطلبت من وزير الشئون الاجتماعية تنفيذ المشروع الخاص بإنشاء مكاتب التوجيه الأسري، وذلك لحل مشكلات الأسرة الاجتماعية والنفسية، وأن تتولى الوزارة الإشراف عليها، كما تقدمت بمشروع قانون حول تنظيم الأسرة وطالبت بإنشاء دور حضانة للأطفال للتخفيف عن المرأة العاملة، وطالبت بتعديل مشروع لائحة الجامعات لتطويره.
كما قامت بزيارة لسجن ليمان طرة بعد أن زارت بعض السجون في الصين وشاهدت النظم المتبعة لمعاملة المساجين، فأرادت أن تطبق تلك الأفكار في السجون المصرية، وصعدت إلى الجبل القريب من ليمان طرة حيث ينفذ المساجين عقوبة الأشغال الشاقة وهي تحطيم الاحجار وتفتيت الصخور، وألتف حولها نزلاء السجن يشرحون لها شكواهم ومطالبهم، وجربت راوية عطية بنفسها الأشغال الشاقة فأمسكت بالمعول وفلقت حجرًا، وطالبت بإلغاء تلك العقوبة لأنها تنافي الإنسانية، وقالت:
"يجب أن نعتبر القاتل مريضًا، وعلينا أن نعالجه من مرضه بوسائل أخرى غير هذه، وأن نتركه ليعيش مع ضميره أيامًا طويلة كثيرة... فهذا أجدى كثيرًا من قطع الأحجار وتفتيت الصخور".
وفي السجن طلبت زيارة الوزير عبد الفتاح باشا حسن أحد أقطاب حزب الوفد ومن الرجال الوطنيين المخلصين، وكان مسجونًا في ليمان طرة بعد أن حُكم عليه عام 1957م بالأشغال الشاقة لمدة 12 سنة حيث وجهت له تهمة محاولة قلب نظام الحكم، واطمئنت راوية عليه بدوافع إنسانية نبيلة.
ووجهت كلامها إلى مدير السجن قائلة: "عبدالفتاح حسن اللي شغل ثمانين ألف عامل كانوا في المعسكرات البريطانية يدخل الليمان".
في عام 1958م ألفت لجنة نسائية لتباشر النشاط السياسي في الجيزة تكون تابعة للاتحاد القومي، كما كونت لجنة رياضية من الشباب والشابات في دائرتها، وفي انتخابات مجلس الأمة عام 1959م خسرت راوية عطية في تجديد عضويتها للبرلمان نتيجة انشغالها في نشاط حقوق المرأة.
عندما حلت نكسة 1967م كانت في استقبال الجنود والضباط العائدين من جبهة القتال فضمدت جراحهم، ولعبت راوية عطية دورًا مهمًا في تجهيز الجنود والضباط نفسيًا خلال حرب الاستنزاف فكانت تشارك في حل مشاكل أبناء المقاتلين في الجبهة الداخلية حتى توفر الراحة النفسية للمقاتلين على جبهات القتال، وأنشئت جمعية نسائية لرعاية أسر المقاتلين والشهداء، كما قامت بـ 1750 زيارة إلى الجبهة من وقت النكسة وحتى تحقق نصر أكتوبر المجيد عام 1973م.
شاركت في المؤتمر العالمي الشعبي بالعراق بصفتها رئيس الجمعية النسائية المصرية لرعاية أسر المقاتلين والشهداء، وتم اختيارها الأم المثالية لعام 1976م، كما حصلت على نوط الواجب من الطبقة الأولى من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، تقديرًا وتكريمًا لها على العمل التطوعي طوال سنوات الحرب.
عادت للعمل السياسي عن طريق الانضمام للحزب الوطني الديمقراطي ورشحت نفسها لعضوية مجلس الشعب في انتخابات عام 1984م في فترة حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وفازت في السباق الانتخابي لتصبح عضوًا بالبرلمان للمرة الثانية.
ومن أجل أعمالها الإنسانية عندما دخلت القوات العراقية أراضي الكويت، واندلعت الحرب في تسعينات القرن الماضي، جاء إلى مصر كثير من سيدات الكويت، فقامت راوية عطية بدورات إسعاف وتمريض ودورات دفاع مدني للسيدات الكويتيات، وأرسلت معهم الهدايا إلى الجنود في مدينة حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية وإلى الجنود الكويتيين في الكويت.
في عام 1993م حصلت على منصب رئيس المجلس القومي للأسرة والسكان، وتوفيت راوية عطية في 9 مايو 1997م عن عمر يناهز 71 عامًا، بعد رحلة طويلة من النضال، وتقديرًا لدورها الوطني في خدمة الجيش المصري مُنحت ثلاثة جوائز عسكرية : شعار الجيش الثالث الميداني ووسام 6 أكتوبر، ووسام القوات المسلحة.