البحرين و"خصوصية التجربة" في مكافحة البطالة
في أي تجربة اقتصادية معاصرة أو حتى سابقة، تظل خصوصية التجربة أهم بكثير من التجربة نفسها، ذلك أن النظرية في إطارها العام إنما وضعت لتلائم مجتمع أو دولة بعينها، لكن بعد نجاحها في التطبيق تتحول إلى نظرية عالمية، وقد تحاول الدول استيرادها وتطبيقها في صورتها الأولى ولكن يكون مصيرها الفشل، لأنها لم تراع خصوصية التجربة في تطبيق النظرية التي قد تكون صحيحة بالنسبة للتطبيق في دول أخرى.
وعلى سبيل التوضيح فإن التجربة الاقتصادية للزعيم الراحل جمال عبد الناصر في الستينيات، وإن كانت اعتمدت على المبادئ العليا للنظرية الاشتراكية، إلا أن الرئيس الراحل راعى خصوصية التجربة ما بين السوفييت والمصريين، فنجحت التجربة في التطبيق وحقق الاقتصاد المصري وقتها معدل نمو يفوق دول النمور الآسيوية على سبيل المثال.
وعند محاولة القراءة في تجربة مملكة البحرين الاقتصادية، لاسيما ما يتعلق بإطلاق البرنامج الوطني للتوظيف، في خطوة لمكافحة مشكلة البطالة وهي ظاهرة عالمية، تشغل بال العديد من الحكومات حتى في الدول ذات الوفرة الاقتصادية، نجد أن الحكومة البحرينية، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، راعت خصوصية التجربة الاقتصادية لها منذ انطلاقها قبل عقود، إذ يبدو ذلك واضحا بمقارنة التجربة البحرينية بنظيراتها الإقليمية أو الدولية.
ففي حين تراهن العديد من الدول على الاستثمار في ثرواتها وإمكانياتها ومواردها قبل أن تلتفت إلى الاستثمار في الشعوب، وهي الرؤية التي أكد خطأها رئيس البنك الدولي يونج كيم في مقال كتبه منذ عامين حيث اشار إلى أن "بعض الدول تقول لنا سنحقق نموًا لاقتصادنا أولا ثم نستثمر في شعوبنا، لكن الحقيقة أن الاستثمار في البشر هو استثمار في النمو الاقتصادي، بل أصبح أهم كثيرًا من ثروة الأمم المتعارف عليها. فالبشر هم ثروة الأمم" وهذا هو ما فعله رئيس وزراء البحرين بإطلاق هذا البرنامج الذي يحقق الاستثمار في المواطن البحريني بجعله على رأس سلم اهتمامات الدولة لتمكينه من الوظائف الهامة، مع الاعتماد على القطاع الخاص "الأجنبي" في تدريب الموظفين البحريني وتزويده بالخبرات اللازمة، ليكون جديرا بشغل كل الوظائف.
وبالعودة للتاريخ نقف عند نموذج لواحد من أعظم الاقتصاديين في التاريخ وهو طلعت باشا حرب، مؤسس الاقتصاد المصري الحديث، إذ فطن مبكرا لأهمية توطين الوظائف، فعمد إلى جعل الموظف المصري يتبوأ كل الوظائف العليا في الشركات المصرية التي أنشأها ورفض أن يعتمد فيها على أجنبي واحد، وهذا هو أحد الأهداف المهمة التي يسعى برنامج التوظيف الوطني في البحرين لتحقيقها.
أيضا بالقراءة السريعة في اقتصاديات دول العالم بالعصر الحديث، نجد أنها عادت مرة أخرى إلى فكرة الاستثمار في البشر وليس الآلة فقط، كما حدث بعد الثورة الصناعية في أوروبا، كما أصبحت الدول لا تقيم اقتصاداتها في التصنيفات المعتمدة برأسمالها المادي فقط، بل أصبح رأس المال البشري يقيم كأصل من أصول الاقتصاد وليس مجرد عامل من عوامل الإنتاج، وبالتالي تبدو هنا أهمية الاعتماد على العمالة الوطنية التي ستكون أحرص من غيرها على نجاح التجربة لصالحها ولصالح الأجيال المقبلة.
وفي هذا السياق، نجد أن هناك نماذج كثيرة لدول نامية، تحديدا في جنوب شرق آسيا، تمكنت من تحقيق طفرات وقفزات اقتصادية غير مسبوقة، فقط من خلال التركيز على مواردها البشرية. مثل تجربة كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج واليابان، وجميعها دول بدون موارد سوى البشر.
وهنا نأتي إلى خصوصية التجربة البحرينية في سن القوانين وإطلاق البرامج، إذ إن الحكومة البحرينية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان، رئيس الوزراء، ولدى إطلاق برنامج التوظيف الوطني، راعت جيدا خصوصية البحرين كدولة محدودة الموارد الطبيعية، وليست كباقي دول الخليج لديها وفرة من النفط والغاز، تؤمن للمواطن نصيبا في الدخل القومي، كما يشهد سوق العمل في البحرين مزاحمة من الأجانب للبحرينيين، وبالتالي جاء القرار لحماية العامل الأهم والمورد الأغلى لأي دولة في العالم ، وهو العامل الوطني.
ولو تمعنا في أسباب هذه الرؤية السباقة والنظرة الثاقبة من رئيس وزراء البحرين ومعالجته الموضوعية لقضية البطالة سنجد لها تفسيرا واضحا في سياسته الدائمة التي تعتمد على الزيارات الميدانية لجميع مناطق البحرين ولأماكن إقامة المشروعات المختلفة وكذلك المجلس الأسبوعي الذي يعقده ويكون مفتوحا لمختلف جموع الشعب البحريني دون أي تفرقة ولهذا تتوافر لرئيس الوزراء أطر وآليات كثيرة تجعله مطلعًا على نبض الشارع وقريبا من احتياجاته وتطلعاته وهمومه، وقادرا على اتخاذ البرامج والسياسات الكفيلة بتحقيقها وما المشروع الوطني للتوظيف الذي أطلقه مؤخرا إلا مثالا ونموذجًا على ذلك.