رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ذوو الاحتياجات الخاصة في مصر من عبد الملك بن مروان إلى شريف إسماعيل

بوابة الجمهورية
إذا أردت الدخول في متاهة حقيقية حاول أن تعرف كم يبلغ عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر، وهل تم تصنيف هذه الأرقام حسب نوع الإعاقة سمعيه بصرية

الأرقام والسياسات الرسمية تكذب وتتجمل والتجارب الناجحة بعيدة عن التفكير

تطبيق النموذج الألماني بوحدة دعم المجتمع بالجامعة الألمانية

إذا أردت الدخول في متاهة حقيقية حاول أن تعرف كم يبلغ عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر، وهل تم تصنيف هذه الأرقام حسب نوع الإعاقة سمعيه بصرية ذهنية حركية...الخ، الواقع يؤكد أن الأرقام في بلدنا لا تكذب ولكنها قد تتجمل لتوحي أن هناك نظاما دقيقا وعملا، لكن سرعان ما تكتشف أننا غارقون في بحور من العشوائية في أكثر الملفات أهمية وإنسانية وعلى قدر الاهتمام بها يقاس مدى تقدم وحضارة الأمم.

رئيس وزراء مصر السابق المهندس شريف إسماعيل لا يعلم كم عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر وآخر تصريح له في هذا الشأن أن عددهم 15 مليون تقريبا، في حين يؤكد خالد حنفي عضو مجلس النواب ومسئول الإعاقة والتمكين بالمجلس القومي للإعاقة انه لا يوجد في مصر بيان رسمي بأعدادهم لكن التقديرات الحكومية 453 ألفا وهذا في تقرير وإحصاء رسمي ورقم آخر صادر عن التضامن الاجتماعي وهو 750 ألفا، في حين ذهبت منظمة الصحة العالمية أن العدد بين 10 إلى 12 مليونا.

وسواء كان العدد أكبر من 453 ألفا أو اقل من 15 مليونا رغم الفارق النوعي غير المنطقي الكبير بين الرقمين، فإن عشوائية تقدير الأرقام تعكس أيضا عشوائية التعامل الرسمي مع هذا الملف الإنساني الكبير.

ميزانية الدولة التي تتبع سياسة تقشفية عامة حتما لن تكون عادلة ومنصفة خاصة مع عدم دقة أرقام وبيانات هذا الملف، ومع ذلك هناك انخفاض بالفعل وبنسب كبيرة من عام لآخر في المخصصات المالية لذوى الاحتياجات الخاصة.

وتنعكس أيضا في سياسة وزارات الدولة الحائرة بين مفهومي الدمج أو العزل، وكل وزارة تعمل في جزيرة منعزلة عن الأخرى؛ التربية والتعليم تتأرجح بين قرارات الدمج المتغيرة من وزير لآخر، التطبيق الشكلي لنسبة الـ 5 % في التوظيف وكم من معارك قضائية وقانونية يخوضها هؤلاء من أجل تحقيق حلم حياة كريمة، وغالبا ما يتم التنفيذ بلا روح أو قيمة حقيقية لمفهم العمل أو احترام آدمية المعاق واكتشاف قدراته التي غالبا ما تكون خارقة نظرا لحالة التحدي التي تسكن أعماقه، حتى الاستراتيجيات التي تعتمدها الدولة، براقة مفعمة بالبنود والمواد مثل استراتيجية الحماية والتمكين لوزارة التضامن الاجتماعي والتي تهدف إلى إقرار تشريعات، وقواعد بيانات وأهداف عدة تتحقق حتى عام 2019.

في الوقت الذي يشهد التاريخ أن أول مؤسسة أقيمت لرعاية ذوى الاحتياجات الخاصة كانت عام 707 ميلادية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، أقامها لرعاية وحماية ذوى الاحتياجات الخاصة وأغناهم عن سؤال الناس وخصص لهم من يقوم على مساعدتهم في تسيير شئون حياتهم، ومن قبله كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه خصص لهم من بيت المال، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين.

قانون مرتقب:

ومع الارتباك الرسمي والأداء غير المؤسسي، إلا فيما ندر، ترك هذا الملف الإنساني البحت لاجتهاد الجمعيات الأهلية والتي تراوحت بين 336 جمعية عام 2001 إلى ضعف هذا العدد حتى 2016، وكلها جمعيات بدأت بتجربة حقيقية لأسرة أهداها الله ملاكًا يحيا بين جنبات بيتها وكانت قادرة على التفاعل والعطاء واتخذت من عطية الله بداية لطريق جديد تساعد به الآخرين، من غير القادرين ماديا أو غير المؤهلين علميا فتعثروا في الطريق وتعاملوا مع عطية الله وكأنها بلاء كبير.

وبعيدا عن المناقشات والمسار القانوني المعقد، وتوقعات بقرب صدور أول مشروع قانون لذوي الاحتياجات الخاصة بعد مناقشته في الجلسة العامة لمجلس النواب والذي يركز ضمن بنوده على بطاقة ذكية لكل معاق وتخصيص نسبة لا تقل عن 10 % للإقامة في المدن الجامعية وتخفيض 50 % على تذاكر وسائل المواصفات المكيفة ومساعدات شهرية لغير القادرين على العمل والحق في الجمع بين معاشين وإلزام وزارة الإسكان بتخصيص مساحات ملائمة من أراضى الدولة للجمعيات الأهلية المعنية بذوي الإعاقة.

تجارب ناجحة:

مشروع القانون المقترح ربما يحقق مكاسب قانونية أو مادية وربما يحقق بعض من آمال ذوى الاحتياجات الخاصة، لكن الأمانة تفرض علينا إلقاء الضوء على تجارب ناجحة في الداخل والخارج مرتبطة بمفهوم مختلف يعامل ذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارهم أشخاصا طبيعيين لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات بما يتناسب مع حالة كل منهم.

هناك في مدينة (أولم) جنوب ألمانيا كانت لنا زيارة إلى مؤسسة تاننهوف لتأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي حظينا بزيارتها منذ عدة سنوات، بمناسبة توقيع اتفاقية تعاون بينها وبين الجامعة الألمانية بالقاهرة لنقل التجربة إلى مصر من خلال الجامعة التي أنشأت مركزا لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة خصيصا لتنفيذ التجربة الألمانية على ارض مصرية يستفيد منها أبناء مصر.

تجربة حية مازالت عالقة في الأذهان لمؤسسة عريقة يبلغ عمرها الآن نحو 47 عامًا، مدينة متكاملة بلا أسوار مساكن مجهزة للسكن وملاعب ومطاعم تأهيل جسدي وفني ونفسي عن طريق مدربين متخصصين في كل المجالات و208 ورشة في كل المجالات مرتبطة بخطوط إنتاج ماركات عالمية.

المؤسسة تعمل بدعم من الدولة تقدمه وزارة التضامن الاجتماعي هناك حيث يكفل الدستور الألماني قيمة الدعم الذي يستحقه كل معاق حسب درجة إعاقته، إلى جانب دعم تقدمه الشركات المتعاملة مع مؤسسة تاننهوف بما يوازى 200 يورو عن كل معاق ذهنيا يتم تدريبه داخل المؤسسة، وفى ذلك بديل محترم لفكرة توظيف الـ 5 % التي يتمسك بها القانون المصري رغم كونها فارغة من المضمون الحقيقي لقيمة العمل التي جبل عليها المواطن الألماني مهما كانت درجة ثقافته أو إعاقته.

هناك يتم التدريب لمدة 37 شهرا، العام الأول للتعرف على القدرات والتأهيل النظري لما يمكنه القيام به، وفى العام التالي يتم دخول الورش في صناعة الأخشاب والمعادن والمعدات الزراعية والقدرات الإبداعية والفنية وكلها ورش مرتبطة بخطوط إنتاج عالمية، مثل قطع غيار فرامل سيارات عالمية متخصصة في عمل كرافانات السكن الملحقة بالسيارات ويتم إنتاج 7500 قطعة أسبوعيا ونسبة الخطأ صفر في المائة، إنتاج حزام الأمان لسيارات مرسيدس ولديهم براءة اختراع واحتكار لإنتاج هذا الجزء في السيارة، ويقومون بإنتاجها منذ ثلاثين عاما، وجميع منتجاتهم تخضع لمعايير الجودة التي تتطلبها الصناعة الألمانية، عمل متواصل غير مرتبط بسن شاهدنا معاقين ذهنيا يعملوا حتى سن السبعين والابتسامة لا تفارق وجوههم.

التجربة المصرية

مركز دعم ذوى الاحتياجات الخاصة بالجامعة الألمانية والذي تأسس عام 2009 باتفاق تعاون مع مؤسسة تاننهوف الألمانية، ترأسه "سامية بديع" مؤسس ومدير المركز، كان يحتفل الأسبوع الماضي بالمعرض السنوي لمنتجات أبنائه المتدربين من ذوى الاحتياجات الخاصة والذين تم تدريبهم بإشراف ألماني مصري، بهدف اكتساب قدرات عملية لمساعدة المعاق على الاندماج في المجتمع وإعادة بناء علاقة وثيقة تمكنه من تكوين فريق عمل مع أقرانه أو بمفرده لتنفيذ مشروعه الصغير بعد انتهاء فترة التدريب التي تبدأ في سن السابعة عشر تقريبا مما يتيح فرص الكسب وحياة كريمة، ومنهم من التحق بالفعل للعمل في وظائف ثابتة بالجامعة الألمانية مثل "كريم" المسئول عن وحدة التصوير والطباعة للطلاب ويستخدم أحدث آلة كمبيوتر في هذا المجال.

أكدت سامية بديع أن المركز يضم نحو مائة شاب من ذوي الإعاقة الذهنية البسيطة والمتوسطة جميعهم لديهم إصرار على التعلم و التدريب والإبداع واستيعاب ما يقدم لهم من خلال البرامج التدريبية التي تمكنهم من الإحساس بقيمة أنفسهم وتنمية قدراتهم وكسر الحواجز النفسية من أجل الاندماج في المجتمع.

كثير من رواد معارض المركز لا يعلمون أن المنتجات التي تحظى بإعجابهم وبها لمسات فنيه بديعة ويقبلون على شرائها من صنع ذوى الاحتياجات الخاصة وتم تنفيذها بالكامل داخل الورش المتخصصة التي أقامتها الجامعة خصيصا لتنفيذ برنامج تشغيل الأشخاص ذوى الإعاقة وتغطية متطلبات سوق العمل من خلال عمالة مدربة على أسس علمية انطلاقا من إيمان الجامعة بأن التعليم والتدريب حق لكل فئات المجتمع.

جميع المنتجات تتميز بالدقة والإتقان، مشاعر الرضا والحب والاعتزاز بالنفس طاغية على المكان وعلى المنتجات والكلمات البسيطة المنقوشة بفن ورقي على الصواني وأدوات المائدة مثل عبارة "أحن إلى خبز أمي"، أو المشتل الذي أصبح مركز تسوق رائع لشتلات نادرة.

يوم رائع مع أشخاص أكثر روعة وجدوا ضالتهم في مشروع يحترم إمكاناتهم وقدراتهم الجسدية والنفسية بعيدا عن نسبة الـ 5 % التي مازال القانون يبحثها، يوم خارج الصندوق صحبتنا فيه سامية بديع التي لم تنس توجيه كلمات الشكر والعرفان لمعلمتها الأولى د. إيفيلين مصطفى شاكر رائدة العمل الخيري في الإعاقة الذهنية والتي وضعت قدمها على الطريق الصحيح.

وكما استفادت مصر من التجربة الألمانية استفادت أيضا مؤسسة تاننهوف بالتجربة المصرية وبدأت الدفع بذوي الإعاقة للعمل خارج حدود المؤسسة في وظائف هامة تتعامل مع الجمهور مثل المطارات.

صحيح أن القانون المرتقب مازال يسير في طريق تقليدي رتيب وكذلك كل المؤسسات الرسمية إلا إن هناك أماكن مضيئة وتجارب مصرية حقيقية شبت عن الطوق وسبقت بخطوات كل الفكر العقيم.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة