الجعفراوى.. الغرب يعانى أزمة روحية.. ودورنا تقديم النموذج الإسلامى الصحيح
د. صلاح الجعفراوى.. بعد نصف قرن من العمل الدعوى والتطوّعى:
مزجت بين المصرية والألمانية فى الأعمال الخيرية.. تحت مظلة خليجية
الغرب تقدَّم بـ"نُخبة" الدول النامية.. وفاتورة ديونه بالمليارات
وكان المؤتمر الرابع للجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية، الذى عقد أكتوبر 2018 بمدينة دهب، بجنوب سيناء، فرصة لتواجده بعيدا عن ازدحام الأعمال والمشاريع، فكان هذا الحوار الموسَّع.
د. الجعفراوى معروف كمفكر إسلامى وناشط دعوى، لكنك فى الفترة الأخيرة اتجهت منحى العمل الاجتماعى التطوعى، فما هو الارتباط بين الاتجاهين؟
** لا أعتقد أن هناك اختلافا، فالعمل الدعوى والإسلامى بل الإنسانى عامة يهتم بل يحث على العمل التطوعى والاجتماعى، فضلا عن أن التربية التى تربَّاها جيلنا قد تكون مختلفة عن الجيل الحالى بشكل ما، فوالدى كان المُعلِّم المثالى فى محافظة البحيرة، وكان دائما ما يصطحبنى معه فى "مشاويره" ويعطينى إشارات مهمة جدا فى كيفية التعامل مع الناس، وكيف أستطيع خدمتهم أو أن أوصِّل رسالتى، وكثير من القيم كان يعلِّمها لى من خلال الاحتكاك والتعامل المباشر، وكل يوم تقريبا كان يُسمعنى وصايا لقمان لابنه، ويصطحبنى فى زياراته لبعض المسئولين أو الأقارب والأهل، وكنت أشعر بأننى أتعلَّم كثيرا، كلماته دائما فيها شعر وأدب ومعانٍ استفدت منها كثيرا، فنشأت على أن يكون الإنسان صالحا فى المجتمع ويخدم نفسه ووطنه وأسرته، فالتربية لها أساس كبير، ولأن والدى كان مدرسا فقد استلمنى منذ الصغر وتعهّدنى بالتربية حتى وفاته، وعندما أصبحت فى عمر 10 سنوات كان يأخذنى معه لحل بعض مشاكل الأسر العائلية، ويشركنى فى بعض قضايا الصلح العائلى وأنا ابن 18 سنة، وكان يوجّهنى لتلافى الأخطاء ويشجعنى على الإيجابيات، وقد توفى- رحمه الله- وعمرى 24 سنة، هذا ما أثَّر فىَّ بشكل كبير، وكان يسخِّر وقته فى المدرسة صباحا، وبعد انتهاء اليوم الدراسى يعطى التلاميذ دروسا بدون مقابل، لدرجة أنه كان يمرض فى الإجازة الصيفية لأنه غير متعوِّد على الراحة، إلى أن فكّر واقتطع غرفة من سكننا الخاص، وكان 4 غرف، وخصَّصها كفصل دراسى مجهَّز بالتخت والصبورة ليعطى الأبناء غير القادرين ماديا، دروسا فى الصيف، حتى يظل مستواهم جيدا ويستطيعوا استكمال تعليمهم، وهو يقول: هؤلاء خسارة ألا يتعلموا.
وهذا جعلنى أحب الخير للناس، وكان يذهب- من رشيد إلى دمنهور- على نفقته الخاصة إذا كانت هناك مشكلة مع أحد زملائه أو معارفه لإنهائها حيث المصالح الحكومية، فزرع فى نفوسنا حب الخير، رغم أنه كان شديدا وقاسيا جدا فى البيت مثل "سى السيد" لكن قلبه ضعيف جدا، فمثلا مرة سيارة "خبطت" قطة أمام البيت، فأخذها وعالجها وكان يضع لها اللبن فى قطَّارة ويُطعمها، ولما ماتت بكى عليها.
وكان يُحسن للفقراء والمحتاجين، وكان يقول لى: هؤلاء لا يقِلّوا شيئا عنا، فغرس فىَّ حب الخير والتكافل منذ الصغر.
وعندما كانت والدتى تطبخ يقول لها: إذا اشتم الجيران رائحة الأكل فلابد أن جميع من شمه تعطيه منه، ونادرا ما كنا نأكل بمفردنا، فدائما لدينا ضيوف، وكانت الحياة جميلة وكلها حب وتكافل وتعايش طيب بين الناس.
طبعا هذه المعانى جعلتنى أحب عمل الخير، وكان يدفعنى دوما لمثل هذه الأعمال، ولما وقع العدوان الثلاثى عام 1956 على مصر، كان عندى سنتين تقريبا لأننى من مواليد يناير 54، ألبَسنى وأخى الأكبر أحمد- رحمه الله- ملابس الجيش وصوَّرنا ونحن نحمل المدفع.
وفى نكسة 67 أخذنا وأخى وتطوعنا فى الدفاع المدنى، لأنه لا ينفع تطوعنا فى الجيش الشعبى، لصغر سننا، وكنا نقوم بطلاء البيوت أو الزجاج حتى إذا سقط بفعل الصواريخ أو العدوان الإسرائيلى لا يصيب أحدا، وغيره من الأعمال التطوعية فى فترة الحرب، وتقديم النصائح إذا وقع طيار يهودى، كيف نحافظ عليه كأسير، وهذه قيم دينية أولا، ثم لاستبداله بغيره من الأسرى المصريين، وهكذا.
وفى حرب 73 مباشرة بعثنا للتطوع فى الدفاع الشعبى وتدرَّبنا على حمل السلاح وجلسنا على الثغر فى الحدود، وعندما حدثت الثغرة فى الحرب سجَّل اسمى وأخى أول المتطوعين، وقال لنا: رغم أنكم أعز علىَّ من نفسى، لكن ليس أعز من الوطن. (وهنا يبكى د. صلاح)
نقل الخبرات
وكيف تسعى حاليا لغرس هذه القيم والمعانى فى أبنائك الصغار، والأجيال المعاصرة؟
** لقد قضيت 30 عاما من عمرى فى ألمانيا، ولدىّ أبناء كبار موجودين هناك، وكنت دائما بفضل الله أغرس فيهم هذه المعانى والقيم التى تربيت عليها حتى خرجوا- ولله الحمد- صالحين فى مجتمعهم ولأنفسهم.
هذا فضلا عن أن عملى فى مؤسسات المجتمع المدنى، منذ عقود عندما كنت فى ألمانيا، كالاتحاد الإسلامى للطلاب، والمجلس الإسلامى الذى أسَّستُه فى شقتى السكنية، ثم اتسع بانضمام أتراك وتونسيين، فأصبح أكبر مجلس فى ألمانيا.
فالعمل الخيرى أساس فى حياتى، ولحسن سُمعتى فى الخليج عامة- الإمارات، قطر، الكويت، وغيرها- ساهمت فى الكثير من الإنشاءات الخيرية، منذ الثمانينيات، حتى أن كثيرا من الأشخاص الذين كانوا يطلبون منحا ومساعدات خيرية من جهات خليجية، كانت تلك الجهات تطلب منهم تزكية خاصة منى شخصيا، لمعرفتهم بشخصى وأننى لا أجامل أحدا ولا أعطى تزكية إلا بعد رؤيتى على الطبيعة لكل الأعمال الخيرية، لدرجة أن طالبى المساعدات كانوا يُلِحّون علىّ لإعطائهم التزكية أو يوجِّهون لى الدعوات للحضور ورؤية المشاريع، وأنا أرفض وأخبرهم أننى آتى فجأة ودون انتظارهم، لأرى على الطبيعة ودون رتوش أو استعداد مسبق منهم، وحتى لا يوجّهونى لرؤية ما يريدون من إيجابيات فقط دون السلبيات، وعلى سبيل المثال اكتشفت وجود جمعية خيرية فى برلين كانت تتلقى تبرعات كثيرة جدا، ولما ذهبت إليها وجدتها عبارة عن شقة لأحد الأشخاص، ويستغلها كجمعية ويجمع التبرعات تحت غطائها! وكتبت تقريرا كشفت فيه الحقيقة، لأن أمثال هذه التصرفات هى التى تُسيئ للمسلمين عامة، وقد تسببت فى الإساءة إلينا من قِبل الغربيين تجاه الإسلام والمسلمين، نتيجة الخلط بين مثل تلك التصرفات غير المسئولة وبين الدين نفسه.
وبفضل الله سخّرنى المولى كسبب للمساهمة فى بناء مئات المساجد والمشاريع الخيرية فى أوروبا عامة، منها أكبر مسجد وأعلى مئذنة فى أوروبا الغربية، فى روتردام، هولندا، وهو مسجد آل مكتوم، وكنت قد عرضت على سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم- نائب حاكم دبى، وزير المالية، راعى هيئة آل مكتوم الخيرية- وكنا قد جمعنا 2 مليون دولار، وطلبت منه مليون دولار فقط، فإذا به يطلب منى وضع الـ 2 مليون دولار كوقف للمسجد، وتبرع هو بتكاليف البناء كاملا، على أن تكون نفقات المسجد سنويا من حسابه الخاص، وبفضل الله تم إنشاء المسجد وقد تكلَّف 12 مليون يورو وليس دولار، فقد تمَّت توسعة المساحة وإنشاء بارك وتجميل المنطقة المحيطة، ولم يبخل سمو الشيخ حمدان بشئ على المسجد حتى يومنا هذا، من رواتب على الموظفين والعاملين بالمسجد، ومن الأشياء التى تُذكر للشيخ حمدان، ولسعادة ميرزا الصايغ، أنه اشترط أن يكون الإمام مصريا ومن الأزهر الشريف تحديدا، حتى يطمئن على سلامة رسالة المسجد وألا ينحرف فكريا أو خلافه، وبالفعل المسجد الآن يعد منارة من منارات الإسلام والمسلمين فى أوروبا.
الإسلام وأوروبا
هذا ينقلنا للحديث عن الإسلام والمسلمين فى أوروبا، ولأنك عشت فترة طويلة من حياتك فى ألمانيا، كيف ترى وضع الإسلام والمسلمين هناك؟
** لقد كتبت أبحاثا ودراسات كثيرة شاركت بها فى مؤتمرات مختلفة، عن الإسلام فى أوروبا، وقلت: إن أوروبا يأتيها أنواع من البشر، رقم واحد: طالب العلم، إما جاء بمنح من دولنا أو بمفرده وعلى نفقته، يدرس ويعمل فى نفس الوقت، وهنا أونوّه إلى أن كثيرا ممن يذهب عن طريق المنح من الدول العربية أو الإسلامية، للأسف عندما يجد الساحة والوضع مريحا جدا، يتركون بلادهم ولا يعودون إليها مرة ثانية، ويتناسوا ما تم صرفه عليهم طوال مراحل تعليمهم المختلفة منذ صغرهم حتى كبروا! وهذه التكاليف كبيرة جدا وتستفيد بها الدول الغنية من الدول النامية، لأنها تستنزف "النخبة" من الدول النامية، وقد كتب أحد الأصدقاء عن الديون التى يجب على الغرب تسديدها للدول النامية ورصدها بالمليارات، فى هذا الإطار فقط!
والنوع الثانى: طالب المال، وهذه هجرة اقتصادية نتيجة الظروف التى تعانيها بعض الدول، المغاربة والأتراك والمصريين وغيرهم.
الثالث: نتيجة الضغوط السياسية، وهذه مهمة جدا وخطيرة، فيخرج المهاجر بسبب بأفكاره وانتمائه، وكنا نعانى منه كأقلية فى العرب كثيرا جدا، فالمواطن المسلم أو العربى الموجود فى الغربة عليه واجب التمسك بهويته ودينه وتقاليده ونقل هذا التراث لأبنائه، وأعلِّم أبنائى: أنتم مواطنون ألمان، لكن لا تنسوا أن أباكم مصرى وأمكم سورية، فليكن انتماؤكم للوطن الذى ولدتم فيه لكن لا تنسوا أصولكم وهويتكم ووطنكم الأصلى، ولا تتخلوا عنها، وإذا خُيّرتم فليكن الاختيار للهوية والأصل، ولكنكم يجب أن تكونوا عناصر صالحة فى الوطن الذى تعيشون فيه، لأنكم جزء أصيل منه.
لكن للأسف هذا الصنف الثالث يتخلى عن كل القيم ويبدأ فى الطعن والتهجم على وطنه، وهذا لا يشوّه بلده فقط بل يفقد الاحترام من الآخر، وهذا الصنف يروّج الشائعات، مثلا ينشر أخبار الحوادث البسيطة ويُضخِّمها، فمصر بلد سياحى وإذا وقعت بها حادثة صغيرة يتم تضخيمها وتصويرها وكأنها غير آمنة، مع أنه قد تقع أحداث أضخم وأصعب منها فى بلاد الغرب ولا أحد يتحدث عنها! وإنما يقدمون الصورة الناصعة، بعكسنا نحن فى الفضائيات غير المسئولة تظل تردد وتضخم من بعض الحوادث، فيتلقفها أمثال أولئك الموجودين فى الغرب وينشرونها على نطاق أوسع!
وهذا يشتت جهد الأقليات الموجودة فى الغرب، حتى وإن كانوا فى مجلس إسلامى واحد، مثلا المجلس الإسلامى الأوروبى الذى كنت أترأسه يضم فى عضويته أكثر من 47 جنسية، فلو كل جنسية سعت لفرض قضاياها ومشاكلها فى بلدها الأم لتشتَّت جميع الجهود الإسلامية ولما أصبح لها وجود!
حتى أننى قلت لهم ذات مرة: ربنا سيسألنى عن أبنائى الذين ضاعوا أو تمتلئ بهم سجون أوروبا قبل سؤالى عن تحرير القدس! فهل أنا أستطيع تحرير القدس من أوروبا؟! صحيح أتعاطف معها كقضية محورية للمسلمين جميعا، والعاصمة الأبدية لفلسطين، أحب فلسطين وأعشق ترابها وأتمنى تحريرها، لكن هل هذه مهمتى رقم واحد؟! ووقتها اتهمونى بالخيانة والعِمالة، فللأسف هذه الجماعات والتيارات بارعة فى إلصاق التهم، وبفضل الله سرت على منهجى، وجنَّبت المجلس الخلافات،
حتى لو وُجد حاكم أو زعيم غير راض عن أسلوبه فى الحكم أو غيره، فمن العيب أن أهاجمه عن بُعد، أنا لو عندى رجولة وشهامة وشجاعة أذهب وأنتقده علنا فى بلدى، وأنصح دون تشويش أو إثارة لأن التشويش والإثارة يسبب بلبلة غير محمودة ولن يتحقق أى شئ، وإنما بالأسلوب الراقى الهادئ سيتحقق الهدف، وأعرف أنفع بلدى.
ولا يقتصر هذا على مصر فقط بل إننى كنت أرفض النيل من أى دولة أو حكومة عربية أو إسلامية، حتى لا تُشتت جهود المجلس الإسلامى، فضلا عن عدم اتساق هذا مع القيم والمبادئ المفترض أننا ندعوا لها ونطالب الغربيين باتباعها! حتى لو كان هناك خلاف بيننا وأى دولة أخرى، فغرست ورسّخت فى المجلس أن منهجنا ومهمتنا هى الحفاظ على الجالية والأقلية والكيان المسلم داخل المجتمع الغربى وليس تشتيته وتمزيقه، وكان هذا يحظى باهتمام واحترام المسئولين الغربيين بشكل كبير جدا، فهم يحترمون من يحافظ على هويته ووطنه وبلده، أما أن أفعل العكس كى أُجاملهم فأشتم بلدى فهذا لا يليق، رغم أن كثيرا منهم لا يحب العرب ولا المسلمين، فهل أساعدهم على هذا أو أكون أداة يستخدمونها لضرب دينى ووطنى؟! هذا لا يمكن أن يكون، وهذا ما تم توطين المجلس الإسلامى الأوروبى عليه منذ كنت أتولى مسئوليته.
ثم إن الإمكانات والموارد المادية التى من الممكن جمعها من الأقلية المسلمة- وهى بفضل الله ليست فقيرة فى الغرب- لبناء مدارس أو مساجد أو أى كيانات وخدمات للأقلية، وللأسف تحوّلت إلى أبواق ونشرات ومجلات تهدم وتشوِّه صورة بلداننا العربية والإسلامية.
وهذا السلوك غير السوى من البعض يجعل الغرب يسقط عنه الاحترام، لأنه إذا كان الإنسان يشتم ويتطاول على بلده فماذا سيفعل ببلد غيره؟! ثم إن أمثال هذا يتم استخدامه وتسخيره وتجنيده لأغراض أخرى دنيئة ضد بلده!
فإذا كان الأوروبى لا يرضى على نفسه فعل هذا السلوك المشين ضد بلده، فهل نرضاه نحن الذين نمتلك المبادئ والخُلق والقيم التى نعتز بها من ديننا ومجتمعاتنا؟!
وهناك نوع من الناس يذهب إلى الغرب للعمل والاستثمار بأمواله، وهؤلاء صنفان: الأول: نهب من بلاده وراح يضعها للأمان على نفسه وحتى لا تُسترد منه، فوفى الغرب لا يهمهم من أين أتى بأمواله! وهذا تدمير لاقتصادنا.
الثانى: وهم الشرفاء الذين لديهم أموال يريدون استثمارها والتوسع فى تجاراتهم، وهذا الصنف أدعوه للمزيد من الاستثمار فى البلد الأم أكثر، وإذا استثمر فى الخارج فليكن هذا دعوة وترويج بأن الاستثمارات فى بلادنا كثيرة وزائدة وتدعو الآخرين للاستثمار فيها باعتبارها أرضا خصبة لكل رجال الأعمال والمستثمرين فى العالم، وألا تكون الأنانية أو الشخصنة هى الغالبة بجمع المال وفقط، وكنت دائما أتحدث عن هذه الأمور مع رجال أعمال بل وسفرائنا- وكلهم للأمانة قمة فى الأمانة والانتماء التقيتهم فى ألمانيا- وكنت أقول: لو أن المستثمر أو رجل الأعمال المصرى فكّر بنسبة 10% فقط لبلده والـ90% لصالح جيبه الخاص، لتغيّر وضعنا الاقتصادى كثيرا.
لكن للأسف الأغلبية لا تفكّر إلا لمصلحتها بنسبة 100 % أما البلد التى ربّته وعلّمته وسخّرت له لكل الإمكانيات لا ينظر إليها إطلاقا! بل العكس يحاول التهرب من الضرائب ويسعى للواسطة للحصول على القروض!
وعلى سبيل دار حديث بينى وابنى الصيدلى المقيم فى ألمانيا عن الضرائب وأنه يتم خصم مبالغ كبيرة منه، بالرغم من أنه يقدم تبرعات للجمعيات الخيرية والتنموية فى ألمانيا ولا يُسجّلها فى دفاتره حتى يتم تخفيض الضرائب عليه، وعندما سألته عن سبب عدم تسجيلها، قال: ولماذا لا أدفع الضرائب والتبرعات؟! فالحمد لله أنا أكسب كويس، والضرائب تعود علىّ فى صورة خدمات متعددة؟! من تأمين صحى وتعليم وطرق وخلافه؟!
لو أن هذا المفهوم غُرس وترسّخ فى ضمائرنا نحن هنا فى بلادنا العربية والإسلامية، ولو كل المليارديرات دفعوا حق الدولة كاملا لتغيَّرت أحوالنا كثيرا وتقدمت دولنا أكثر من كل الدول الأخرى، إنما نجلس نلقى بالمسئولية على الحكومة فى عمل كل الخدمات، فهل تستطيع؟ ثم إن الحكومة منا نحن الشعب فإذا لم نكن مخلصين لبلدنا فماذا تفعل لنا الحكومة؟ وكيف ستغرس فينا الحس الوطنى والانتماء؟! فيجب أن نغيِّر نحن من أنفسنا، إذا كنا نؤمن حقا بديننا وقرآننا الذى يقول: "إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم".
وأذكر هنا رجلا لبنانيا اسمه "أبو عصام" كان يقيم فى باريس ولديه مستشاره القانونى فرنسيا، أخبره أنه سيُقلِّل من أرباحه حتى يُخفِّض من الضرائب المطلوبة منه، فاعترضه اللبنانى ورفض قالا: لماذا أتهرَّب من الضرائب والدولة تمنحنى التيسيرات وأرباحى جيدة؟ ودينى يمنعنى من التهرب من الضرائب؟ فتعجَّب المستشار القانونى وقال له: أنا محاسب لأكثر من شركة وأول مرة أجد إنسانا مثلك، وطلب التعرف على دين الإسلام وبالفعل أسلم.
وواقعة أخرى فى مدينة "ليل" الفرنسية، حدثت فى الثمانينيات، أن عاملا مغربيا بسيطا اشترى احتياجاته من السوبر ماركت، وعندما عاد إلى بيته وجد مبلغ "80 فرانك" زائدة أخطأت فيها "الكاشير" فعاد اليوم الثانى يبحث عنها ولم يجدها، وعرف أنها أجازة أسبوع، وبالفعل حضر لها بعد أسبوع وأخبرها بما حدث معه وأعطاها المبلغ، وسألته: لماذا عدت ولا أحد يعرفك؟ فأجابها: هذا المبلغ حرام، ودينى يأمرنى أن أعيده إليكى، فعرفَتْ أنه مسلم فتعجبّت، وبعد عشر سنوات وجدناها فى المسجد، وحكت قصتها مع هذا المغربى، وقالت: كنت أكره الإسلام كرها شديدا، ولا أطيق سماع أى شئ عنه ولا عن المسلمين، وبعد هذا الموقف كلما جاء ذكر الإسلام أحاول إبعاد الموقف وألا أذكره، حتى وجدتنى أبحث عن الإسلام وأتعمّق فيه أكثر وأسلمت بسبب هذا الدرس للمغربى وسلوكه.
مواقف إنسانية
إذن، د. صلاح الجعفراوى، ليس بالجديد على العمل الخيرى التطوعى، فقط تغير المكان من أوروبا وألمانيا إلى مصر، فما هى أكثر المواقف التى أثرت فيك إنسانيا؟
** قبل ذهابى لأوروبا وكان عمرى 16 سنة، منذ 49 عاما، وقبل ذلك منذ أيام جمال عبدالناصر، التحقت بمنظمة الشباب الاشتراكى، لأن سنى لم يسمح لى بالالتحاق بالاتحاد الاشتراكى، كانت بدايتى كأقرانى من الشباب أننا كنا نفكر فى بلدنا ونريد جعلها أجمل بأفكارنا نحن الشباب الصغير، بحيث لا نجلس فى المكاتب، والحقيقة أن الكبار شجّعونا، وجمعنا التبرعات من مصروفنا الخاص، قرش صاغ وهكذا، واشترينا "مكنسة" وذهبنا للمناطق العشوائية التعبانة اجتماعيا، نكنس الشوارع ونحن مجموعة شباب من عائلات معروفة، والناس كانت تستغرب، ماذا يفعل هؤلاء الشباب، وبعضهم كان يساعدنا، والبعض يواجهنا بـ"التريقة" فيقول: البلدية شغَّلت عيال صغيرة؟! ولم نهتم، وكنا نذهب للأماكن التى فيها مياه راكدة ونجفِّفها بالرمل، وندخل البيوت وننظف الحوش ونصحهم بجمع الورق والزبالة فى أماكن محددة- كل هذا منذ عام 1968 وهى نفس الأعمال التى يقوم بها بعض الشباب اليوم فى العمل التطوعى- وسعادتنا كانت لا توصف حينما نجد الناس الذين شاهدناهم والكآبة والذباب على وجوههم كيف تحولت أوضاعهم بعد أسبوع واحد وجوههم "منوَّرة" بالسعادة والفرحة والنظافة، وهذا ما أحاول غرسه فى مؤسستى، فلا نكتفى بتقديم المساعدات فحسب بل نُغيِّر سلوك الناس، كيف يحافظوا على أنفسهم ونظافتهم ويربّوا أولادهم، وكيف تجعل المرأة من نفسها "ملكة جمال" أمام زوجها حتى لا ينظر لغيرها، فالحقيقة فى بعض البلاد التى نزورها أوضاعها "مُذرية" للغاية، وكيفية تعامل الأم مع أولادها.
أنا أستحى وأزعل جدا عندما يُحدّثنى أحد الأخوة العرب ويسألنى: لماذا فى مصر القذارة مرتبطة بالفقر؟ ففى المغرب مثلا أو السودان وتركيا ولبنان والجزائر، تدخل بيت الفقراء تشم الرائحة الجميلة!
لذا ربطنا بين المساعدات التى تقدمها مؤسستنا، بمساعدة عربية خليجية، وتحديدا من مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الإنسانية وهيئة آل مكتوم الخيرية، وبين النظافة أو السلوك الشخصى، فالله تعالى علّمنا هذا من خلال القصص القرآنى، مثلا فى قصة سيدنا يوسف وكيف أنه بلّغ رسالته بأسلوب هادئ لأصحابه فى السجن، ونفس الشئ مع كل الأنبياء والرسل، ولذا عرضت وقوفى بكل ما أستطيع مع وزارة التضامن فى مشاريعها التنموية لخدمة الناس طالما التزم صاحب المساعدة، مثلا حضور فصول محو الأمية أو الاستجابة لحملات التوعية الصحية أو التعليمية المختلفة، أو حملات منع التسرب من التعليم، ولذا انضم معنا فى قوافل المساعدات علماء من الأزهر الشريف، بحيث أصبحت القافلة متكاملة، والقرية التى ندخلها يشعر أهلها أن هناك تغيّرا حدث فى حياتهم وتعاملاتهم وسلوكياتهم مع بعضهم البعض، مثل قضايا الثأر ومبادرة صاحب السمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم- نائب حاكم دبى، وزير المالية، راعى هيئة آل مكتوم الخيرية- بدعم ورعاية كل الأسر المتصالحة فى قضايا الثأر برحلات عمرة لتوثيق الصلح فى الأراضى المقدسة، وهذا شجَّع كثيرا إنهاء قضايا الثأر، فضلا عن أنه دعم لبلدنا وهى تسير فى اتجاه نهضة ومشاريع كبيرة جدا، وخصوصا الطرق التى أشعر بها وألمسها جيدا بحكم تحرّكاتى كثيرا بين المحافظات، لدينا نقلة كبيرة جدا، من القاهرة لكفر الشيخ كنا نستغرق أكثر من 3 ساعات ونصف، الآن أقل من ساعتين، ولمسنا هذا حينما نظَّمنا حملة "نبضات" بالتعاون مع جامعة كفر الشيخ، والتى ترعاها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الإنسانية، أيضا بالتعاون مع الهلال الأحمر الإماراتى.
ولنتأكد أن التغيّر للأفضل فى السلوك البشرى وسط المجتمعات والتجمّعات التى تحظى بالدعم والرعاية من الحكومة أو منظمات المجتمع المدنى يساعد فى مزيد من استخراج طاقات المسئولين والمتطوعين لأنهم يشعرون أن جهودهم أثمرت ولم تضع هباء، فالواجب على الأهالى الاستجابة والإيجابية فى التفاعل مع تلك الحملات لأنها فى الأول تراعى مصلحتهم ثم مصلحة البلد كلها.
فالمواطن العادى إذا كان مخلصا فى عمله ولبلده، يدفع المسئول لمساعدته، حتى لو كان هناك مسئول لديه نوع من الانحراف سيعدِّل من مساره، فبيد المواطن تغيّر أسلوب وتصرف المسئول.
والحقيقة أننا نجد مساعدات من كل المسئولين، مثلا محافظ أسيوط عندما وجد 25 تروسيكلا فى انتظار التوزيع ضمن مشاريعنا طلب مقابلتى وقال: هذه قوة ضاربة وأنا على استعداد لتأمين وظائف دائمة لهؤلاء الشباب الذين سيحصلون على المساعدات، من خلال تعاونهم مع مراكز "أمان" وجهاز خدمات القوات المسلحة، بحيث يتسلموا منتجاتهم ويوصلوها للأماكن البعيدة التى لم نصلها نحن، بحيث يتم تأمين فرص عمل لهم، وتحقيق هامش ربح مناسب والبيع بسعر مناسب أيضا للمستهلكين، وأيضا خدمة لأهالينا فى المناطق النائية والبعيدة لتخفيف الضغط على الناس.
والحقيقة أن هذا تحديدا ما تنشده مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الإنسانية والخيرية، وهيئة آل مكتوم الخيرية.
العلاقات العربية
التواجد الخيرى المكثف من قبل مؤسسة محمد بن راشد وهيئة آل مكتوم، هل هو تعبير وتجسيد للعلاقة الأخوية والقوية بين الإمارات ومصر؟
** أنا بحب وأعشق الإمارات بشعبها وشيوخها، وهم يعرفوننى جيدا، لا نفاق ورياء، فالحمد لله، لست فى حاجة من أحد إلا الخالق سبحانه وتعالى، وأنا مجرد وسيط خير لإسعاد الناس، فعلا هؤلاء الناس، يحبون مصر من قلوبهم، ويعترفون بفضل مصر على الجميع، بل عندما أقول للشيخ حمدان: أحمل لكم الكثير من شكر أبناء الشعب المصرى، مباشرة يرد علىّ: على ماذا تشكروننا؟ كل ما نفعله هو جزء بسيط من رد الجميل لمصر وأهلها، فنحن تعلّمنا فى مصر التى أقامت لنا دولة ومؤسسات مختلفة، فى التعليم والقضاء وخلافه.
وهم يحبوننا حبًّا لله، وهذا ما يجعلهم يعطون بقلب وسخاء، ويقولون: والدنا الشيخ زايد بن سلطان- رحمه الله وطيّب ثراه- وصَّانا على مصر وأهلها خيرا، والشيخ زايد ليس أبا لخلفائه وذريته فقط بل هو أب لكل شيوخ وأبناء الإمارات، بل يعاملون المصريين بكل حب واحترام، هؤلاء الناس لديهم أصل ومعدن أصيل، لا أقول من كبار السن والشيوخ فقط بل كل الشعب الإماراتى يحترم مصر والمصريين احتراما شديدا ويعرفون معنى الشهامة والعروبة والنخوة، والكبار يربون أبناءهم على حب مصر.
ولذا نحن نبادلهم الحب والاحترام، وأذكر أول علاقة لى مع مؤسسة محمد بن راشد- منذ ستة أعوام- بدأنا بتوزيع ألف سلَّة غذائية فى رمضان، والعام التالى طلبت مضاعفة الكمية لألفين، وكان مستشار المؤسسة السيد إبراهيم أبو ملحة- النائب العام فى الإمارات- يمر داخل المؤسسة، وأخبره مديرها بطلبى، فرد عليه فورا: الشيوخ قالولنا ما تبخلوا على مصر، وإذا كانوا قد أخذوا العام الماضى ألف سلَّة غذائية ويطلبون مضاعفتها لألفين، فلتكن 10 آلاف.
وعندما حضر المستشار "أبو ملحة" عام 2011 برئاسة وفد لتقديم مساعدات إلى ليبيا عبر مصر، سخَّر لهم المجلس العسكرى الأعلى- الذى كان يدير شئون البلاد وقتها- كل السبل، وكان المستشار أبو ملحة يأتى إلى مكتبنا بشارع عباس العقاد، مدينة نصر- والوضع غير آمن وقتها، حتى أننا نحن المصريين لا نأمن على أنفسنا داخل البيوت، وأُخبره بوجود السيارة لانتقاله الآمن- من مقر إقامته بفندق سيتى ستارز- فكان يرفض ويقول: أنا أحب أمشى وسط أهلى وناسى، فقد تعلّمت هنا فى جامعة الأزهر وأتذكر الأيام الجميلة فى المنطقة.
فمعظم الإماراتيين لديهم ذكريات جميلة فى مصر ومع المصريين، لكننى للأسف أنا حزين، لوجود بعض المصريين الذين لا يدركون قيمة بلدهم، ولا يحبونها كما يحبها أشقاؤهم العرب مثلا!
فمنهم من يشوّه صورتها فى الخارج أو الملياردير الذى يبخل عليها ويتهرَّب من سداد الضرائب المستحقَّة عليه، أو يخرج للتنزه والمصايف فى أوروبا، فى حين أن مصر لديها أماكن ساحرة جدا، وفى أماكن عديدة، صيفا وشتاء، غير موجودة فى أوروبا، ولن ينفق ولا 10% مما ينفقه فى الخارج، وهذا ما يؤثر علينا سلبيا، ويعطى انطباعا سيئا عن بلادنا وأوضاعنا، ويجعل الآخرين يتخوَّفون من الوفود إلينا!
فالحمد لله بلدنا آمنة أكثر من دول كثيرة فى أوروبا وأمريكا، لكن من يشوّهون الصورة صوتهم عالى، والإعلام الغربى وبعض إعلامنا يساعد فى ذلك للأسف! لدرجة أن بعض الدول تتبرأ من مسئوليتها فى حماية الزائر إذا لم يلتزم بخط السير المحدَّد له! وهناك مناطق فى أعظم الدول الأوروبية لا تستطيع الشرطة نفسها الدخول إليها! فهل نحن بهذا الوضع حاليا؟!
نحن والحمد لله أفضل كثيرا منهم، فقط عانينا ذلك أيام الانفلات الأمنى والثورة، لكن بعدها الأمور استقرت، والآن أكثر أمنا واستقرارا.
منظمات عميلة!
المنظمات التى تعمل خارج السرب وضد البلد، كيف تراها؟
** أرى فيها خطورة كبيرة جدا، وقد عانينا من ذلك فى أوروبا، وهى جمعيات مرتزقة تتستر تحت غطاء العمل الإسلامى، وقد تحدثنا عن ذلك، وهذه يجب أن تُحارب ويكون فى حزم وحسم فى مواجهتها، ووزراة التضامن بدأت تتخذ الإجراءات ضدها.
وإن كان العبء على الناس كبيرا، لكننى متأكد أنه مهما كانت هناك من ضغوط وتحديات، إلا أنها مرحلة مخاض وسنخرج منها أفضل حالا إن شاء الله، فليكن فى يقيننا أنها مرحلة وإن شاء الله تعدى، لو استوعبنا الواقع الذى نعيشه، وتعاملنا مع إمكاناتنا بوعى مثل الترشيد فى استهلاك الكهرباء والمياه وعدم الإسراف والبذخ، فهذا حرام وعلينا الوعى والإدراك، وهذه مسئولية كل مؤسسات البلد من إعلام وأزهر وأوقاف وتعليم وثقافة وغيره، لتغيير واقع وسلوكيات سيئة فى حياتنا، والعودة إلى أيام زمان بكلمات ومعانى بسيطة.
لابد من غرس حب الوطن فى قلوب الناس بداية من الأبناء، اغرس العلم والسلام الجمهوري بتوفير الخدمة والتيسير على الناس، والتركيز على الاحتكاك المباشر بين المسئول والجمهور وعدم الانفصال عنهم، ياريت ينفذوا تعليمات الرئيس عبدالفتاح السيسى، فالبلد ماشية فى مشاريع قومية ونهضة كبيرة، ولنتراحم فيما بيننا.
تخيّل هناك غارمات وتدمير للبيوت على مبلغ 300 جنيه فقط، أسر مدمَّرة بسبب غارمات على مبالغ تافهة! ومبادرة السيسى بإخلاء السجون من الغارمات جيدة جدا وتمنع الاحتقان بين أبناء البلد.
وأضرب مثلا بضرورة المشاركة الشعبية الإيجابية، الحكومة طوّرت شارع عباس العقاد وعملت حساب ذوى الإعاقة فى الأرصفة صعودا وهبوطا، لكن للأسف أصحاب السيارات يركنون أمامها! والمشاة يلقون بالقمامة فى كل مكان ولا يضعونها فى أماكنها، فأين الوعى الجماهيرى؟!
لذلك طلبت من العاملين معى فى المكتب ارتداء "تى شيرتات" مؤسسة محمد بن راشد ونزلنا الشارع للنظافة، وقدّمنا نموذجا لما ينبغى أن يكون عليه المواطن، فنحن الذين علينا عبء الحفاظ على النظافة.