رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

يوميات عمال السد العالى.. حفلات الست.. وعمال "ضاربهم السلك"

بوابة الجمهورية
السد العالي، أكبر مشروع مائى شيد فى ستينيات القرن الماضى وتحديدا فى ٩ يناير ١٩٦٠ وانتهى


السد العالي، أكبر مشروع مائى شيد فى ستينيات القرن الماضى وتحديدا فى ٩ يناير ١٩٦٠ وانتهى بناؤه عام ١٩٦٨ وافتتح رسميا ١٩٧١ وشارك في بنائه ٣٤ الف عامل ومهندس من أبناء مصر سطروا مقتطفات من التاريخ الإنساني للسد العالي يرويها الروائي الأسواني يوسف فاخوري.

قال فاخورى من بين كل من قابلتهم ممن عملوا فى السد العالى لم يضعنى فى مأزق سوى عامل تراحيل.. هذا الرجل تجسيد لرحلة طويلة من التاريخ التحتى المسكوت عنه، بكل ما يحويه من قهر واستخفاف بالإنسان

.

هو وقد عمل فى الوسية بالسخرة خلال أربعينيات القرن الماضى، تسيطر عليه روح السخرة بكل ما تحمله من مشاعر متضاربة.. وكعادة المصريين إما أن يحولها إلى سخرية أو يحيلها إلى الأسطورة. عربى أبو عبد الله؛ عامل التراحيل علمنى أنا الحاصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ معنى جملة وليم فوكنر الروائى الأمريكى "التاريخ لايموت".. هذا الرجل وعبر تراحيله تنقل مشياً على قدميه – كان عمال التراحيل الصعايدة ينتقلون من ترحيلة إلى أخرى مشياً على الأقدام – من الأقصر إلى العريش ومنها إلى السودان، ومنها إلى أسوان رحلته الأخيرة حيث عمل فى السد العالى كعامل حجار؛ كان عمله يبدأ بعد التفجير حيث يتم ربطه من وسطه بالحبال وعليه معالجة الاحجار التي تشرخت ولم تسقط، وذلك بواسطة وضع سن العتلة فى الشرخ والضغط إلى أن يسقط الحجر أسفل الجبل

.

هذه المهنة كانت من أشق المهن، فمن يسقط من ارتفاع خمسين متراً مصيره محتوم، وقد سقط العديد من العمال، المأزق الذي وضعنى فيه أنه تكلم كثيراً عن الرئيس جمال عبد الناصر، ولم يكن هدفى جمع تاريخ الحاكم فهو متوفر بكثافة كما لم يكن مناسباً أن أقاطعه أو أفرض رأيى عليه.

كانت الأمانة تقتضى أن احترم ما يراه دون حذف أو إضافة بعد تأمل وجدت أن لديه ولو بعض الحق على الأقل، فلولا الإرادة السياسية الصلبة لما تحقق المشروع. ودون القدرة على التحدى من القيادة السياسية ما انتقل هذا التحدى إلى العمال الذين كانوا يصارعون الزمن لإتمام العمل فى موعده.

لفت نظرى أيضاً إلى: كيف يرى الرجل البسيط العادى معنى الزعامة بعيداً عن سفسطة المثقفين.. كانت كلماته التى ستأتى إليها فيما تبدو ساذجة، لكن لو تأملناها قليلاً فسنجد أنها عميقة الدلالة.

فى أول الحوار قال لى: " هما فى الأول لما ابتدوا فى السد كانوا عايزين يعملوه بالكرابيج ". وحين سألته: هل رأيت الكرابيج ؟. أكد أنه رآها فى المخازن. ثم انتفض وقال: " بس الرئيس جمال عبد الناصر الله يفتح عليه قال : لا متضربوش الناس، كتروا الورادى وكتروا الفلوس والناس حتشتغل"..رحت اتقصى الأمر لكن الجميع أكدوا أن ذلك لم يحدث.

وفى حوار مع أحد الموظفين الذين عملوا فى العلاقات العامة فى السد قال لى: أنا رأيت فعلاً هذه الكرابيج فى المخازن، لكنها لم تكن للعمال. قبل أن يبدأ العمل أثناء فترة الرفع المساحى كان المهندسون يستخدمون البغال لأن الطرق الممهدة لم تكن موجودة.

هنا توقفت طويلاً أمام ثقل التاريخ، فالرجل بمجرد أن رأى الكرابيج قفز إلى ذهنه تاريخ طويل من السخرة، خاصة أن المشروعات الكبرى منذ عصر محمد على تمت بالسخرة .

قال العربى:"إحنا يوم ما اتعينا فى السد، اتعينا تقريباً سنة 61 كان أول الشغل ابتداء واحد واخد الشارع من الشيخ هارون اسمه روبير الشامى كنا شغالين معاه. يجينا واحد اسمه برسوم من عزبة الصياغ (فى الأقصر) كان مدة الطلاينه، كان كومندا النحاتين. لما جه روبير الشامى والجماعة دول وجت شركة عثمان طلبت برسوم دا للحجّارة برسوم جانا كنا ساكنين بيت فى ميدان الساعة. جانا عند قهوة واحد اسمه بَحَر وقال عايز جميع الناس اللى من لقصر (الأقصر) عايزينكم تاجو، شركة عثمان وصلت وعايزه عمال. ورحنا كانت أغلب الكشوكه (الأكشاك) قاعده فوق الجبل جنب ضغط الهواء. دى تكتب الناس، مكنش فى مبانى لسه كتبونا ايه حجّارة. أول التعيين كان 35 قرشا فى اليوم، وراحوا كتبوا جماعة لمكان التخريم وجماعة للتفجيرات وجماعة لتصليح الطرق وجماعة لنظافة الكراكات يعنى يشيل الكابل ويمشي وراها وجماعة للكمبرسارت وجماعة لرش الميه وجماعه ورا عربيات البوركيشن إن كان حجر يقع قدام عربية. قول كتبنا كلنا واتوكلنا على الله. احنا الحجّاره راح نعمل إيه؟ راح نتربط بالحبال، وواحد وراك يمسكك. الكراكات تشتغل تحت، الحجارة اللى تعصلج فوق ماترضاش تنزل للكراكة داجره (ممسكة) فى الجبل احنا ننزلها بواسطة العتل. كان مرار مرار. مادين ورانا مواسير ترمى ميه علشان متعملش غباره للكراكه تحت. الميه تنزل مع الحجر، كان الغوط بتاع الكراكه تحت فى الجبل يعمل سيبان ورا منحسش به. مين كان يوعى للسيبان دا. سواق الكراكه يبص من المنافذ بتاعة الكراكه. الجبل كان يعمل سحايب لما يجى فاتح يطلع غبارة، بتاع الكراكه يدى اشاره. يا إشارته سبقت ولحقنا نفسنا، ياإشارته محصلتش وخدت الناس كلها ونادر اللى يطلع".

ومن شهادة عبد الراضي عبد الصبور:" انا فاكر لما وردية السد بتنزل أسوان ، الشوارع لو رميت الرز مينزلش، في ميدان في شارع باتريس لومومبا اسمه ميدان الزلابيه سموه الاسم ده لانه فيه فوق ال٥٠ عربيه بتبيع الزلابيه....العمال بتوع ورديه الصبح كل واحد يشتري قرطاس بتعريفه او قرش.. الشارع بيفضي في عشر دقائق ما بين عربيّات بتفضي وتعبئ .. الحركه النصف شهريه لما العمال تقبض في حركة رواج بتحصل،الجزارين تكتر دبايحهم،الفواكه في انواع مكناش نعرفها بس جات بعد كدا زي البرقوق والتفاح،كان في حجتين تحصل شهريا يوم حفلة ام كلثوم ويوم ما العمال تقبض.مكنش في عمر افندى وصيدناوى ،كان شركه بيع المصنوعات وبنزايون والمحلات اللي تبيع الملابس والترزيه .. في ناس من كتر السيولة كانت تشتري راديو جديد على حفلة ام كلثوم.. ظهر في الفترة دي التليفزيون،كان في أكشاك في الميادين كل كشك فيه تليفزيون وفي ولد من الاتحاد الاشتراكي بيشغله...كانت أسوان فيها سينماتين وجنبهم محلات الخمور ،طبعا السيولة دي خلت ناس كتير تشرب خمور وتخش سينمات وتآكل كويس وظاهره الجواز كترت... المخدرات افيون وحشيش بس اغلب المتداول الأفيون والماكس،الحشيش يشربوه في البيوت ... ناس كتير اتعورت وهي مسطوله او سكرانه ويقولك دا ضربه السلك وهو ماشي يتشنكل في السلك يتكهرب، وبعد كده يطلق على المفلس طبعا مفيش فرق بين المتكهرب والمفلس الاتنين مدروخين".


ومن شهادة أحد العمال وقد عمل في السد طفلا ضمن عمال مقاول الباطن قال "رحت اشتغلت في السد لان كان نفسي اشتري قميص. في الوقت دا كان القميص بربع جنيه ويوميتي ربع جنيه بياخد منها المقاول قرشين صاغ..كنا بنقبض كل ١٥ يوم..في اول قبض اشتريت كل اللي نفسي فيه وبقي معاي فلوس، بس الأهم ان أبوي بقي يعاملني كراجل بعد ماكنت مهمل. صمت قليلا قال تعرف لما اشتغلت في السد اخواتي البنات عرفوا الألوان قلت ماذا تعني ؟ قال يعني الفقيرة تقضي السنه كلها بجلابيه سوده ، الاسود ستار... الألوان فضاحه".





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة