الحوار أم الصراع
بقلم/ محمد اسماعيل
الناظر في احوال الناس علي مر العصور يجد ان هناك اختلاف فيما بينهم في مواطن متعددة وقد تسبب ذلك الاختلاف الي التعصب الذي به قامت بينهم المعارك الاهلية اذا كانوا من وطن واحد او بين الدول وبعضها... بل هناك خلافات نشات بدافع العصبية والطائفية والتي ادت الي نبذ المخالف ورفض فكره ومعتقده وسادت الكراهية والبغضاء مجتمعاتهم والتاريخ القديم والحديث مليء بالأمثلة.
رغم ان كل الناس يعيشون علي كوكب واحد وفي عالم واحد وقد يكون المصير واحد في حال خراب وطن مشحون بالكراهية والبغضاء ونبذ المخالف... ورغم تعددية الافكار والقضايا الا ان هناك من الناس من يريد ان يستأثر بالحقيقة المطلقة وعليه فكل المخالفين له انما هم محض باطل يجب التخلص منه... وهذا وان كان موجودا في كثير من الأفكار والقضايا المختلفة الا انه موجود بكثرة في اولئك المتكلمون بالديانات. .حتي صار منهم من قال بأنه الشعب المختار من الله ولا شعب غيره يستحق العيش بكرامة.. ومنهم من ادعي انه الجنس الاعلي ولا ينبغي لمساواته بغيرهم حتي وان تشبهوا بهم وسيبقي هؤلاء كالعبيد لأسيادهم...
وكثرت علي اثر ذلك حروب مات فيها ملايين البشر وخربت فيها مجتمعات وتأخرت أمم عما كانت عليه... رغم ان الدعوة الي الحوار من قبل الأديان توضح ان هناك قناة اخري حضارية افضل من الصراع وهو الحوار... والحوار هو تواصل بين شخصين او اكثر محكوم بالمنطق ويستهدف النقاط المشتركة لتكون ارضية ثابته بينهم فيتفاعلون فيما بينهم من اتفاق ولا شك اكثر مما اختلفوا فيه... وان يكون الهدف هو العمل الجماعي في اطار يستهدف النهوض بالأمة ونبذ الخلاف جانبا.. والهدف هو التعايش والمواطنة والعيش المشترك في امن وسلام دون صراع مدمر... وما كان من خلاف يتعلق بالدين والمعتقد فامر الكل الي الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون... وكل امرء بما كسب رهين وهو حجيج نفسه... كما دلت بذلك نصوص مقدسة في القرآن والسنة الصحيحة... وان ثقافة الحوار هي دعوي للخروج من الخلاف بنبذ مواطنه جانبا.. وان الاختلاف له حكمة الهية كما ذكرت في مقال سابق ان الاختلاف وسيلة للتجديد والابداع.
وعلي الرغم من ان القران الكريم دعا الي الحوار وقنن الحوار بأسلوب موضح كالحوار بالحكمة والموعظة الحسنة وكذلك الدفع بالتي هي أحسن والجدال بالتي هي احسن الخ
الا ان هناك من فهم ان الحوار هو اقناع الاخر بالتنازل عن معتقده وفكره... فيكون حوارا مسبوق النتيجة والتي بالكاد يرفضها الاخر ليكون الحوار بلا فائدة... لا شك ان هذه الطريقة هي جائزة في اطار الدعوة بين اشخاص جلسوا للمناظرة... وهنا اخذ الحوار شكلا محددا متفق عليه من الجميع.. وحتي لو لم يؤت الحوار ثمرته فهو لا ينتقل الي المجتمع بسوء... لكن هناك من يكون شغله الشاغل هو التجريح في الاخر بشكل عدائي يثير حفيظة الاخر ويكون ذلك مدعاة للضغينة والشحناء والكره بين ابناء الوطن الواحد وعليه تتوالي سلوكيات تسبب في خراب وفساد المجتمع بعد ان فسد معني العيش المشترك... لأن أحدهم لا يريد الآخر لأنه لا يتفق معه في معتقده!!
وانما كي يؤتي الحوار ثمرته ويضيق الخناق علي أي دعوي للصراع فيكون الحوار مبنيا علي امرين مهمين جدا وهما :
الاحترام المتبادل بين أصحاب العقائد المختلفة والأفكار... وضع خطوطا تحت كلمة احترام بما تحمله من معاني محددة.
ثانيا وهو ان يمارس كل منهم فكره وعقيدته دون تجريح في الآخر.. وهذا الأمر الأخير مهم جدا وينبغي التركيز عليه بين أصحاب العقائد المختلفة من أبناء الوطن الواحد كي يستطيع الكل العمل والانتاج بانتماء لهذا الوطن... والا فسيتركون اعمالهم ويجلسون للتنافر والتباغض ايهم أصح عقيدة وعليه يجب نبذ واقصاء الاخر!!!
رغم ان هناك دول بها مئات من المعتقدات وتظل في تقدمها وانتاجها وتلك من وسائل المواطنة التي هي أهم مايميز الدولة المتقدمة المتحضرة... بالطبع هذا هو مافعله المسلمون الفاتحون بان جعلوا غيرهم يعيش... حتي لما شعر اهل البلد بالأمان في ظل وجود الفاتحين شعروا بالانتماء وشاركوا معهم فتوحاتهم في بلاد أخري وهذا سبب نجاح تلك الفتوحات... فلم يبيدوا مخالفا او يقصوهم ويمنعوهم ممارسة حقوقهم من حرية وكرامة وعيش مشترك في وطن واحد طالما هناك سلام بينهم جميعا... وفي كتاب مترجم بعنوان ( الفتوح العربية الكبري وكيف غير الاسلام العالم الذي نعيش فيه) تأليف كاتب اسكتلندي يسمي هيبو كنيدي... قال فيه :
ان المسلمين الأوائل طبقوا مبدأ عيش واترك غيرك يعيش وهذا هو سبب نجاح فتوحاتهم... ووصفهم كنيدي بأنهم اصحاب دين حقيقي.
الاختلاف في العقيدة لا يجب ان يكون سببا للصراع بين ابناء الوطن الواحد بل الحوار بديلا للصراع وهو كما قلت ان نتخلي عما نختلف فيه ونعمل من ارضية مشتركة مما نتفق فيه سيما قال الله ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة) المائدة 48