عروس اليوم
هنا فقط ... يتزوجها وحدها ، عروساً مفعمةً بالبهجة ، قلبها فرح بالامل وعقلها محشو بوعظ الامهات والقريبات بالطاعة والخنوع كي لا ترد إليهم خائبة الرجاء ... فتنفذ حرفياً ما درسته على أيديهن كي تنال شرف الزوجة الصالحة، ولكن في كل مرة تحاول ان تحافظ على هذا العش بما يضمه من فلذات قلبها ، كانت تواجه بإعصار شرس ووقح ممن أُمن على حياتها وسعادتها ...فيشعل النيران بين جنبات هذا العش لسوء طباعه وأفكاره الذكورية المشوهة عن معاملة المرأة وأنها لا يكرمهن الا ضعيف ولا يهنهن الا ( دكر) ... فإستحال العيش بينهما ... رماها ... طلقها بأولادهم ... بهمومهم ... بإحتياجاتهم ... بتربيتهم ...وكأنهم لم يكونوا يوماً من صلبه ...وكأنهم لم ينبتوا على أرض الحياة نتاجاً لتلك الزيجة ... وبدأت رحلة تلك ( العروس) بين المحاكم والقضايا بعد أن رسم القهر على ملامحها خطوطاً تحكي سنيناً من الصبر والصمود حتى لا تصل إلى ما وصلت إليه في النهاية من الوقوف امام قاضي لا يفقه الا قوانين رسمت بعيداً عن الواقع وقسوته ... فيتهرب ذاك ( العريس) الذي فوجئ بخبر انه قد رزق على مدار أعوام بأبناء معيلين منه شاء كان أم أبى ، وأن حقوقهم عليه لم تتبدل بفراقه عن أمهم ... فيوكل محامٍ يتدعي فقر المتدعي عليه وأنه لا يملك قوت يومه فكيف له بتحمل أعباء صغارٍ بالكاد يعرف أسمائهم ... ويظل يماطل عاماً بعد عام ودهراً بعد دهر بإستئنافٍ وراء إستئناف ... وأبنائه جوعى ...لم تجوع فقط بطونهم ... بل جاعوا الى الأمان ... إلى العيش بكرامة دون رؤيتهم ( لمرمطة) أمهم لإنتزاع أقل مقومات الحياة ممن كان يوماً أباهم ... جاعوا إلى العيش مثل أقرانهم دون الخوف من الغد بعد أن أيقنوا أنهم سيعيشوا أياماً قد لا يجدوا فيها لقمة خبز ... والأم على حالها ... تهرول بين قضية واخرى ... بين محامٍ وآخر ... وقد تداينت من كل معارفها أملاً أن تضمن لأبنائها نفقة قد تكفيهم لشراء وجبة الفطور ... فتحصل بالفعل بعد سنين على قرار المحكمة بنفقة هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع ... وتضطر لنقل ابنائها لمدارس أقل تكلفة وتستعين بملابس ابناء قريباتها وصديقاتها لتكسي ابنائها وتقدم على العمل في اي مجال شريف لكسب جنيهات لا تكفيها هي ولا ابنائها يومان ... وسط كل هذا الشقاء ... بدأت ( العروس) تلاحظ نظرات اللوم المكسورة في عيون أبنائها ... نعم اللوم على قلة احتمالها للعيش مع رجل كان مجبراً في يومٍ على وضعهم في نفس مستواه المادي حفاظاً على ماء وجه مرائياً امام الجميع ... فتعيش تلك( العروس) المنهكة اصعب لحظات عمرها في محاولة للرجوع لذاك الرجل البنكي ، فترتمي تحت قدميه باكيةً طالبةً العفو والسماح ، كي يقبل دخولها هي وابنائها جنته مرة اخرى ...فيقبل بغرور المنتصر ...وقد أقسم في نفسه على أن يعاقبها أشد العقاب ما بقي من العمر لأنها يوماً اختارت الحياة دونه ... وتعاود (العروس) تلك الحياة الكابوسية ... إهانة ... ذل ... سباب ... ضرب ...إصابات تنزف ...طرد بملابس النوم كل ليلة وأخرى ... ولكنها في كل مرة كانت تنظر في عيون ابنائها كي يطمئن قلبها ... أراضين عني يا صغاري؟ أتناولتم عشاءكم؟ إشتريتي دميتك يا صغيرتي التي طالما حلمتي بها؟ إرتديت قميصك المفضل يا صغيري؟ فتصبر وتصبر وتصبر ... حتى تموت كمداً ...