في ليلة واحدة.. فقدت القرية أبناءها
15 عامًا على "مجزرة شارونة".. أطفال ناموا في أحضان أسرهم فلم يستيقظوا.. وأمهات ما زلن ينتظرن عدالة السماء والأرض المحكمة تقتص للمجني عليهم بإحالة أوراق الجناة الي فضيلة المفتي .
هناك جرائم تنتهي بإغلاق محاضر الشرطة، وأخرى يطويها الزمن مع مرور السنوات، لكن هناك جرائم استثنائية تظل حاضرة في الذاكرة مهما طال العمر، لأنها لم تقتل أشخاصًا فحسب، بل قتلت الطمأنينة في قرية بأكملها.
خمسة عشر عامًا مرت على تلك الليلة الدامية التي دوى فيها الرصاص داخل قرية شارونة التابعة لمركز مغاغة ، ليلة لم يفرق فيها الموت – وفق ما جاء بأوراق القضية – بين رجل وامرأة، أو بين شيخ وطفل، حتى أصبحت أسماء الضحايا جزءًا من ذاكرة المكان، يتناقلها الأهالي كلما مروا أمام البيوت التي فقدت أصحابها.
واليوم، تعود القضية إلى الواجهة من جديد، بعدما قررت محكمة جنايات المنيا، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الحميد قطب وعضوية المستشارين محمود نور وتامر مجدي وحسن بشير، وبحضور وكيلي النيابة بهاء زهران وأبو النجا نمر محمد، وأمانة سر علي العسلي وسكرتير التنفيذ خالد محمد عبد الغني، إحالة أوراق المتهمين أحمد حمدي إبراهيم وشقيقه محمود حمدي إبراهيم إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في تطبيق عقوبة الإعدام، وحددت المحكمة الدور الأول من يوليو للنطق بالحكم.
ليلة انطفأت فيها أنوار البيوت
كان الأول من يناير عام 2011 يومًا عاديًا بالنسبة لأهالي القرية عاد الجميع إلى منازلهم مع غروب الشمس، وأغلق الأطفال أعينهم استعدادًا ليوم جديد، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول الليل إلى كابوس لن تستفيق منه أسر كاملة.
وبحسب ما جاء في تحقيقات نيابة مغاغة الجزئية، التي أجراها بهاء زهران وكيل النيابة بإن مجموعة من المتهمين توجهت، بعد إعداد سابق، إلى منازل عدد من المجني عليهم وهم يحملون أسلحة نارية متنوعة، قبل أن تبدأ لحظات الرعب بإطلاق الأعيرة النارية داخل محيط المنازل.
في دقائق معدودة، تحولت القرية الهادئة إلى مكان يملؤه الصراخ والاستغاثات، واختلطت أصوات الرصاص ببكاء الأطفال، بينما هرع الأهالي لإنقاذ من يمكن إنقاذه، دون أن يدرك كثيرون أن بعض من كانوا بالداخل لن يخرجوا أحياء.
الموت لم يطرق بابًا واحدًا
لم تتحدث أوراق القضية عن ضحية واحدة، بل عن أسر كاملة فقدت أكثر من فرد في اللحظة نفسها.
سقط يوسف وهبة مسعود قتيلًا، ثم لحقت به زوجته عقيقة رشدي مسعود، ولم يكتفِ الموت بذلك، بل امتدت يداه – بحسب الاتهامات – إلى أطفال الأسرة.
كانت الطفلة كيرستين يوسف وهبة في بداية حياتها، وكذلك شقيقاها فادي وأميرة، أطفال لم يعرفوا من الدنيا سوى دفء الأسرة، لكن الرصاص أنهى أحلامهم قبل أن تبدأ.
في منزل آخر، فقدت أسرة مايز عددًا من أفرادها، فسقط صليب عيد مايز، وسماح مايز فوزي، وزكية فوزي أرمانيوس، بينما لقيت سنيورة فؤاد مصرعها هي الأخرى، لتتحول بيوت كانت تضج بالحياة إلى أماكن يسكنها الصمت.
الأطفال كانوا الضحايا الأصعب
أقسى ما تكشفه أوراق القضية أن بين الضحايا أطفالًا، لم يكونوا طرفًا في أي خلاف، ولم يعرفوا معنى العداوات أو الخصومات.
كانوا يحلمون بيوم جديد، وربما بملابس المدرسة أو بلعبة جديدة، لكن تلك الأحلام توقفت إلى الأبد.
وفي الجانب الآخر، نجا أطفال آخرون من الموت بأعجوبة، بعدما تمكنوا من الاختباء أو أسعفهم القدر بالعلاج في اللحظات الأخيرة، إلا أن ما عاشوه في تلك الليلة ترك جروحًا نفسية لا يمكن أن تمحوها السنوات.
لم تكن الجريمة مجرد واقعة قتل، بل واحدة من أكبر الجرائم الجماعية التي شهدتها محافظة المنيا خلال السنوات الأخيرة. فبحسب أمر الإحالة، مثل في القضية 11 متهمًا، نسبت إليهم النيابة ارتكاب جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، راح ضحيتها 9 قتلى، بينهم رجال ونساء وأطفال، إلى جانب 10 مجني عليهم في وقائع شروع في القتل، بعدما تعرضوا لوابل من الأعيرة النارية ونجوا بأعجوبة عقب إسعافهم، ليبلغ إجمالي المجني عليهم 19 شخصًا بين قتيل ومصاب.
فور وقوع الحادث، انتقل اللواء فيصل دويدار، مساعد وزير الداخلية لأمن المنيا آنذاك، إلى مسرح الجريمة لمتابعة تطورات الواقعة، فيما قاد اللواء الدكتور منتصر عويضة، مدير المباحث الجنائية، فريق البحث الذي باشر أعماله على الفور، حيث أسفرت التحريات وجهود الملاحقة عن ضبط عدد من المتهمين، كما تمكن الرائد أحمد صلاح رئيس مباحث مركز شرطة مغاغة من ضبط بعض الأسلحة النارية المستخدمة في تنفيذ الجريمة، لتبدأ واحدة من أكبر التحقيقات الجنائية التي شهدتها المحافظة، وانتهت بإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات، قبل أن تصل القضية اليوم إلى محطتها الأخيرة بإحالة أوراق اثنين منهم إلى فضيلة مفتي الجمهورية.
قرية ارتدت السواد
في صباح اليوم التالي، لم تكن شارونة كما عرفها أهلها.تحولت الشوارع إلى مواكب جنائز، وتعالت أصوات البكاء من أكثر من منزل، بينما كان الأهالي يتنقلون بين بيوت العزاء، وكأن القرية كلها أصبحت أسرة واحدة فقدت أبناءها.
لم يكن الحزن على شخص واحد، بل على عائلات كاملة تغيرت حياتها في ساعات قليلة.
أمهات فقدن أبناءهن، وأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وأسر لم يبق منها إلا الناجون الذين حملوا على عاتقهم ذكرى تلك الليلة.
خمسة عشر عامًا من الانتظار. منذ وقوع الجريمة، بقيت القضية تتداول أمام جهات التحقيق والمحاكم، بينما كانت أسر الضحايا تترقب كل جلسة، وكل قرار قضائي، أملاً في أن تصل القضية إلى نهايتها.
ومع مرور الأعوام، تغيرت وجوه كثيرة، ورحل بعض من عاصروا الواقعة، لكن أسماء الضحايا بقيت كما هي، محفورة في ذاكرة القرية، يتذكرها الجميع كلما مروا أمام البيوت التي غاب عنها أصحابها.
قرار المحكمة بإحالة أوراق اثنين من المتهمين إلى فضيلة مفتي الجمهورية عقب إعادة الإجراءات الجنائية بجانب آخرون سبق الحكم عليهم. لا يعيد من رحلوا، ولا يمحو سنوات الفقد، لكنه يمثل مرحلة مهمة في رحلة قضائية طويلة، انتظرتها أسر الضحايا لأكثر من خمسة عشر عامًا.
فالعدالة، مهما جاءت متأخرة، تبقى بالنسبة إلى ذوي الضحايا رسالة بأن دماء أحبائهم لم تُنس، وأن القضاء ظل ينظر في القضية حتى وصل بها إلى مراحلها الأخيرة.
ذاكرة لا تموت
ستظل "مجزرة شارونة" واحدة من أكثر القضايا قسوة في تاريخ المنيا، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، وإنما لأن الرصاص – بحسب ما جاء في أوراق الدعوى – اقتحم حرمة البيوت، وأصاب عائلات كاملة، وحوّل بداية عام جديد إلى ذكرى دامية لا تزال حاضرة في وجدان كل من عاشها.
وفي انتظار جلسة الأول من يوليو، يبقى الأمل معلقًا لدى أسر الضحايا بأن تطوى صفحات القضية بحكم قضائي نهائي، بينما تبقى صفحات الألم مفتوحة في قلوب فقدت أبناءها، لتؤكد أن بعض المآسي لا تنتهي بانتهاء المحاكمات، بل تعيش في الذاكرة جيلاً بعد جيل.