أسبوع الذكريات لنجوم الزمن "اللى فات"
بليغ الألحان.. عبقري الموسيقي
حسن فايق صاحب الضحكة الذهبية
سراج منير نجم "الأدوار المركبة".. ومن رموز الجيل الذهبي
ناهد رشدي.. "سنية" لا تزال حاضرة في الأذهان
إبراهيم سعفان.. الكوميديان الفصيح.. وخفة ظله الجميلة
حسين الشربيني "الملك هو الملك"
نحتفل هذا الأسبوع بذكري رحيل عدد من الملحنين والفنانين من الزمن الجميل الذين أثروا الحياة الفنية بأعمالهم التي لا تزال خالدة رغم مرور عشرات السنين.. فقد قدم الموسيقار بليغ حمدي أكثر من 1500 لحن لكبار المطربين ونجم الكوميديا الفنان حسن فايق وإبراهيم سعفان وسراج منير الذي قدم الأدوار المركبة.. كما تألقت الراحلة ناهد رشدي في دور "سنية" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي".. وحسين الشربيني الذي رحل عن عالمنا في 2007 أثناء تناوله الأفطار خلال شهر رمضان الكريم.
تحل علينا هذه الأيام ذكري رحيل الموسيقار الكبير بليغ حمدي. أحد أبرز أعمدة الموسيقي العربية في القرن العشرين. وصاحب المدرسة المتفرّدة التي جمعت بين الأصالة والتجديد. النغمة الباقية في قلب كل عشاق الفن. وعبقري الألحان الذي ترك بصمته علي تاريخ الأغنية العربية الحديثة.
وُلد بليغ عبد الحميد حمدي سعد الدين مرسي في حي شبرا العريق بالقاهرة يوم 7 أكتوبر 1931. نشأ في بيت يزاوج بين العلم والفن» والده كان أستاذًا للفيزياء ويعزف علي البيانو. فيما كانت أجواء المنزل عامرة بجلسات موسيقية ضمّت كبار الملحنين مثل زكريا أحمد والقصبجي. ومنذ طفولته أبدي ولعًا بالموسيقي. فتعلم العزف علي العود وهو في التاسعة من عمره. وأهداه والده عودًا خاصًا في سن العاشرة. ليبدأ رحلة عشق مع الأوتار استمرت طوال حياته.
في عام 1954 ظهر اسمه للمرة الأولي كمطرب حين بثّت الإذاعة المصرية أغنية بعنوان "قلبي من الشوق يا جميل سهران". لكنه سرعان ما وجد طريقه الحقيقي في التلحين. وكانت أغنية "ليه لأ" لفايدة كامل بداية انطلاقته. تواصلت بعدها نجاحاته في بيروت ودمشق. حيث لحّن خلال أربعة أشهر 22 أغنية لمطربي سوريا ومطرباتها. ثم عاد إلي القاهرة ليثبت نفسه كواحد من أبرز الملحنين.
عام 1960. أصبح أصغر من لحن لكوكب الشرق أم كلثوم حين قدّم لها أغنية "حب إيه". لتغني له لاحقًا 11 عملًا. مثّل لقاء أم كلثوم وبليغ بداية عهد جديد. ليس في تجربتهما وحدهما. بل في مسيرة الموسيقي العربية كلها.
كما تعاون مع معظم عمالقة الطرب العربي. فلحن لعبد الحليم حافظ 31 أغنية. ولوردة الجزائرية أكثر من 80 عملًا. ولشادية حوالي 20 أغنية. ولفايزة أحمد. صباح. نجاة الصغيرة. محمد رشدي. سميرة سعيد. ميادة الحناوي. هاني شاكر. سيد النقشبندي. علي الحجار. عفاف راضي. وغيرهم. حتي تجاوز رصيده 1500 لحن.
لم يكن بليغ مجرد ملحنا للأغنية العاطفية. بل رائدًا في التجديد الموسيقي» أدخل إيقاعات جديدة علي الأغنية العربية. وابتكر في المزج بين القوالب الشرقية والغربية. فقدّم بليغ حمدي أغاني مستوحاة من التراث مثل "أنا كل ما أقول التوبة" و"سواح" لعبد الحليم حافظ. و"آه يا أسمراني اللون" لشادية. كما كان من أوائل من أدخلوا الكورس كعنصر درامي مؤثر في الأغنية.
تنوعت ألحانه بين القوالب الغنائية المختلفة: ففي العاطفية لحّن "بعيد عنك" و"سيرة الحب" لأم كلثوم. وفي الوطنية برز في "عدي النهار". و"عاش اللي قال" لعبد الحليم. و"يا حبيبتي يا مصر" لشادية. و"علي الربابة" لوردة الجزائرية. أما في الديني فقدّم تجربة رائدة مع الشيخ سيد النقشبندي في "مولاي".
كما أسهم في المسرح الغنائي بتقديم نحو سبعة أوبريتات منها "جميلة". "مهر العروسة". "الزفة". "الأرملة الطروب". "ياسين ولدي". "تمر حنة" و"حلاق بغداد". وحصل عنها علي جائزة الدولة التشجيعية عام 1966. وفي الفلكلور تعاون مع محمد رشدي وعبد الرحمن الأبنودي في أعمال مثل "عدوية". "ميتي أشوفك". "علي الرملة". "مغرم صبابة" و"طاير يا هوي".
أما في السينما والمسرح والتلفزيون. فقد وضع الموسيقي التصويرية لأفلام منها "شيء من الخوف". "أبناء الصمت". "العمر لحظة". "مسافر بلا طريق". "آه يا ليل يا زمن". و"أضواء المدينة". وفي المسرحيات "ريا وسكينة" و"زقاق المدق". وفي الدراما التلفزيونية "أفواه وأرانب" و"بوابة الحلواني" الذي كان آخر ما لحّنه في حياته.
ورغم المجد الفني. لم تخلُ حياته من المحن» إذ اضطر إلي الغربة في باريس ولندن في منتصف الثمانينيات بعد أزمة شهيرة. قبل أن يعود إلي مصر عام 1990 حاملًا مشاريع موسيقية كبري لم يمهله القدر لتحقيقها.
وفي 12 سبتمبر 1993 رحل بليغ حمدي عن عمر ناهز 61 عامًا. بعدما ترك للمكتبة العربية رصيدًا موسيقيًا ثريًا جمع بين مختلف الألوان. فلبّي الأذواق كافة. ورسّخ مكانته كأحد أبرز مجددي الموسيقي العربية في القرن العشرين.
كما تمر ذكري رحيل حسن فايق. أحد أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية. والذي ارتبط اسمه بالبسمة الصادقة والضحكة المميزة التي ظلت محفورة في ذاكرة أجيال من عشاق الفن.
ولد حسن فايق محمد الخولي في 7 يناير عام 1898 بمحافظة الإسكندرية. وبدأ مشواره الفني مبكرا. بعد وفاة والده الذي كان رافضا لعمله في مجال الفن حيث انضم إلي فرقة للهواة وهو في الـ16 من عمره. وفي عام 1914. بدأ مسيرته الاحترافية من خلال انضمامه إلي فرقة "روز اليوسف". وشارك وقتها في مسرحية "فران البندقية".. لاحقا. انضم إلي فرقة عزيز عيد. واستمر فيها حتي عام 1917. ثم قرر تأسيس فرقة مسرحية خاصة به. وشاركه فيها الفنان يوسف وهبي. وافتتح هذه الفرقة بعرض مسرحي من تأليفه بعنوان "ملكة الجمال""1919". ثم عمل مع فرق رمسيس وجورج أبيض ونجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفرقة التليفزيون المسرحية.
وفي عام 1919. بدأ حسن فايق تقديم المونولوجات التي كان يؤلفها ويلقيها بنفسه. وتميزت بطابعها الساخر والاجتماعي. كما كتب ولحن مونولوجات لفنانين آخرين.
أما في السينما. فقد بدأ مشواره في عام 1932 من خلال فيلم "أولاد الذوات". لتتوالي بعدها أعماله السينمائية. ومنها فيلم "عنتر أفندي".
ومع مرور السنوات أصبح من أبرز نجوم الشاشة وشارك في أكثر من 160 فيلما. ومن أشهر أفلامه: "عريس الهنا". "لعبة الست". "أبو حلموس". "العيش والملح". "قمر 14". "نشالة هانم". "حسن ومرقص وكوهين". "إسماعيل ياسين في جنينة الحيوان". "سكر هانم". "خطيب ماما". "الزوجة 13". "ليلة الدخلة". و"شارع الحب".
كون فايق مع النجم إسماعيل ياسين ثنائيا فنيا محبوبا. وشاركا معا في العديد من الأفلام الكوميدية التي حفرت في ذاكرة الجمهور.
ولم يقتصر حضوره علي السينما فقط. بل عرفه الجمهور أيضا من خلال أدواره الكوميدية علي خشبة المسرح. خاصة في الأدوار المساعدة التي أضفي عليها طابعا مميزا من خفة الظل. ومن أشهر مسرحياته : "حكم قراقوش". "الدنيا لما تضحك". "الستات ما يعرفوش يكدبوا". و"إلا خمسة".
تزوج الفنان حسن فايق مرتين في حياته» الأولي من السيدة نعيمة صالح. التي أنجب منها ابنتين. وظلت زوجته حتي وافتها المنية. وبعد وفاتها. قرر الزواج مرة ثانية من السيدة حورية صبور. وكان عمره آنذاك 62 عاما. بينما كانت تبلغ من العمر 30 عاما.
في سنواته الأخيرة. أصيب حسن فايق بجلطة دماغية أدت إلي إصابته بالشلل. ما اضطره إلي اعتزال التمثيل والابتعاد عن الساحة الفنية.
وظل يعاني من المرض لعدة سنوات. حتي وافته المنية في 14 سبتمبر 1980. عن عمر ناهز 82 عاما. تاركا وراءه إرثا فنيا خالدا في تاريخ الكوميديا المصرية.
تحل علينا ذكري وفاة الفنان سراج منير أحد رموز الجيل الذهبي للسينما المصرية. الذي جمع بين الموهبة الأصيلة والخلفية الثقافية الرفيعة. ليقدم أداءً ظل خالدًا في ذاكرة الفن العربي.
وُلد سراج منير عبد الوهاب في 15 يوليو 1904 بحي باب الخلق في القاهرة لعائلة ارستقراطية والده هو عبد الوهاب بك حسن. وكان مديرا للتعليم في المعارف. وهو شقيق المخرجين حسن وفطين عبد الوهاب.
درس سراج منير في المدرسة الخديوية. وكان عضواً في فريق التمثيل بالمدرسة. وقد نشأت لديه هواية التمثيل في سن مبكرة وبالتحديد عام 1922م ما إن أنهي سراج منير دراسته الثانوية وحصل علي البكالوريا حتي سافر إلي ألمانيا لدراسة الطب وتحققت أمنية أسرته.
انطلق في جولات بأستوديوهات برلين» ظهر خلال تلك الفترة في بعض الأفلام الألمانية الصامتة. وانجذب بشكل كبير إلي المسرح الأوروبي. قرر حينها ترك دراسة الطب. وانطلق إلي السينما فتغير مسار حياته إلي الأبد ثم عاد إلي مصر ليبدأ رحلته الفنية .
بعد عودته إلي مصر. عمل مترجماً في مصلحة التجارة. قبل أن ينضم لفرقة يوسف وهبي "فرقة رمسيس" .
بدأ سراج منير حياته الفنية من خلال العمل المسرحي. ومن ثم انطلق إلي عالم السينما. ولفت الأنظار بقدرته علي تجسيد الشخصيات المعقدة. خصوصًا أدوار الرجل الأرستقراطي أو الشرير صاحب النفوذ الذي يخفي قسوته وراء مظهر أنيق وثقافة واسعة. ورغم ذلك لم يُحصَر في نوع واحد من الأدوار. بل أبدع في الكوميديا والتراجيديا معًا.
شارك سراج منير في أكثر من 100 عمل فني ما بين السينما والمسرح. وقدم أول أدواره السينمائية في فيلم "زينب" "1930" الصامت. ثم توالت مشاركاته في أفلام تركت بصمة واضحة. ومن أشهر أفلامه عنتر ولبلب "1952". أمير الانتقام "1950". قلبي دليلي "1947". عنبر "1948".
تزوج سراج منير بميمي شكيب. من أنجح الزيجات في الوسط الفني المصري. تم زفافهما عام 1942. واستمر زواجهما قائما لخمسة عشر عاما حتي وفاة الفنان سراج منير.
وتوفي في 13 سبتمبر 1957 عن عمر ناهز 53 عامًا. إثر أزمة قلبية مفاجئة. رحيله كان صدمة للوسط الفني. إذ فقدت السينما أحد أعمدتها في فترة ما يُعرف بـ "الزمن الذهبي".
رغم مرور 68 عاما علي وفاته. لا يزال اسم سراج منير حاضرًا في ذاكرة الفن المصري والعربي. ولا تزال أعماله تعرض علي الشاشات وتُدرّس كمثال علي الأداء التمثيلي المتقن. فقد كان فنانًا مثقفًا وأنيقًا. لا في مظهره فقط بل في اختياراته وأدائه واحترامه للمهنة.
وتمر الذكري الأولي لرحيل الفنانة ناهد رشدي. التي غيبها الموت يوم ميلادها بعد صراع طويل مع المرض عن عمر ناهز 68 عاما. وبرحيلها فقد الوسط الفني واحدة من أبرز نجماته الهادئات اللاتي تركن بصمة واضحة علي الشاشة.
ولدت ناهد رشدي في 14 سبتمبر 1956. وتخرجت في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1982. بدأت مسيرتها الفنية أواخر السبعينيات. وشاركت في عشرات الأعمال المتنوعة بين السينما والدراما والمسرح. وقد لمع نجمها بوضوح في تسعينيات القرن الماضي. لا سيما من خلال شخصية "سنية" التي قدمتها ببراعة في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" عام 1996. وهي الابنة ذات الملامح الهادئة التي أصبحت جزءا لا ينسي من الدراما العائلية المصرية.
امتدت مسيرتها لأكثر من أربعة عقود. وقدمت خلالها حوالي 170 عملا فنيا تنوعت بين الدراما والسينما والمسرح والإذاعة من أبرزها : مسلسلات "ياسين وبهية" عام 1982. "طيور الزمن الجريح" 1989. "بنت سيادة الوزير" 1992. "أرابيسك" 1994. "إمراة من نار" 2004. "تفاحة أدم" 2014 و"الاختيار" 2020. وكانت آخر أعمالها الفنية مسلسل "الصندوق" الذي عرض عام 2023. و"نقطة سودا" "2024 - لم يعرض بعد".
ومن أشهر الأفلام "علاقة خطرة" عام 1981. "الكف" 1985. "لقاء في شهر العسل" 1987. "ثلاثة علي واحد" 1990. "الطريق إلي إيلات" 1993 و"الأخطبوط" 2000.
أما المسرحيات التي شاركت فيها النجمة الراحلة "عريس بالكريمة" عام 1980. "الزوبعة" 1986. "الحالمة" 1998 و"هي في حياة الرسول" 2012.
كما شاركت في العديد من السهرات التلفزيونية والإذاعية. مثل "رجل في محنة". "موعد مع الإنعاش". و"عصفور الجنة". إلي جانب مشاركتها في فوازير "ألف ليلة وليلة" بدور "سانهور" عروس البحور عام 1985. وبرامج رسوم متحركة مثل "المغامرون الخمسة" و "آله الزمن".
وفي بداية القرن الحادي والعشرين ابتعدت ناهد رشدي عن الأضواء لمدة 7 سنوات. بسبب ظروف صحية ورغبتها في التفرغ لتربية أبنائها. لكنها لم تبتعد عن المسرح. إذ واصلت تقديم العروض الدينية خلال شهر رمضان بالتعاون مع الدكتور أحمد الكحلاوي. ضمن أنشطة مسرح الدولة. لعدم حاجة الأمر للالتزام بمواعيد تصوير طويلة علي غرار المسلسلات.
تزوجت ناهد رشدي من المحاسب محمد سعد. وهو بعيد عن الوسط الفني. وأنجبت منه ابنيها دينا وأحمد. وكانت تؤكد دائما في أحاديثها الإعلامية دعم زوجها لها خلال مسيرتها الفنية. ولا سيما في فترة مرضها.
وكشف مصدر مقرب من الراحلة - أنها كانت تعاني من مرض السرطان لفترة طويلة. تجاوزت أربعة أعوام. وكانت تحرص علي تلقي العلاج. وقد قاربت علي الشفاء والتعافي. إلا أن المرض عاد ليهاجمها مجددا. وتفرغ زوجها لرعايتها ودعمها لمدة عامين.
وفي الساعات الأولي من صباح السبت 14 سبتمبر 2024 رحلت عن عالمنا الفنانة ناهد رشدي في نفس يوم ميلادها. لتطوي بذلك صفحة من صفحات الدراما المصرية الصامتة ذات البصمة الخفية. وأقيمت صلاة الجنازة عقب صلاة العصر في مسجد عبد الرحمن الكواكبي بمنطقة العجوزة. ودفنت بمقابر العائلة بصلاح سالم.
برحيل ناهد رشدي. تفقد الساحة الفنية المصرية نموذجا نادرا لفنانة آثرت الخصوصية علي الأضواء. والصدق علي الاستعراض. وقدمت أدوارا صامتة التأثير. صادقة الوقع. ستظل محفورة في ذاكرة المشاهد العربي. لا سيما من خلال شخصية "سنية". الابنة الوديعة التي كانت مرآة صادقة لأحلام ووجدان الأسرة المصرية.
كما تمر علينا ذكري رحيل الفنان إبراهيم سعفان. الذي اشتهر بأدواره الكوميدية المبهجة. وما زالت ملامحه وصوته وخفة ظله وبلاغته الفريدة حاضرة في ذاكرة جمهوره. فقد كان واحدًا من القلائل الذين استطاعوا أن يحوّلوا اللغة العربية الفصحي إلي أداة كوميدية مرنة.
وُلد إبراهيم سعفان عام 1924 بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية. والتحق بكلية الشريعة في جامعة الأزهر. لكنه سرعان ما اكتشف أن ميوله الحقيقية تتجه نحو الفن. فتقدّم عام 1951 للدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية. حيث بدأت رحلته الحقيقية مع خشبة المسرح.
في بداياته العملية عمل مدرسًا للغة العربية بوزارة المعارف. ثم اتجه إلي الفن فانضم إلي فرقة نجيب الريحاني. وتتلمذ علي يديه فترة قصيرة قبل رحيل الريحاني في أواخر الأربعينات. بعدها تنقّل بين فرق مسرحية مختلفة. وأثبت نفسه كأحد عمالقة الكوميديا في المسرح المصري.
اشتهر بتجسيد شخصية المحامي حتي لُقّب بـ"المحامي الفصيح". بفضل إتقانه اللغة العربية وخفة ظله وحضوره المميز. حتي صنّفه بعض النقاد ضمن أفضل عشرة ممثلين جسّدوا شخصية المحامي علي المسرح.
وكان يعتبر المسرح بيته الأول وأساس النجاح لأي فنان. ولا تزال بعض جمله الشهيرة محفورة في ذاكرة الجمهور. ومنها عبارته في مسرحية "الدبور": "أنا مبسوط كده.. أنا مرتاح كده".
شارك في عشرات المسرحيات منها: "الدبور". "سنة مع الشغل اللذيذ". "حركة ترقيات". "مين ما يحبش". وكان آخرها "الأستاذ مزيكا" مع سمير غانم.
أما في السينما. فقد قدّم عشرات الأعمال الناجحة مثل: "30 يوم في السجن". "أونكل زيزو حبيبي". "عفريت مراتي". "عريس بنت الوزير". "المجانين التلاتة". "أنت اللي قتلت بابايا". "أضواء المدينة". "عماشة في الأدغال". "جفت الدموع". "العش الهادئ". "عالم عيال عيال". "خدعتني امرأة". "أذكياء لكن أغبياء".
وفي التلفزيون. شارك في عدد من المسلسلات أبرزها: "مليون في العسل". "الهاربان". "وجهان للحب". "اللقاء الأخير". "المصيدة". وكانت من أمنياته الكبري أن يشارك في مسلسل "محمد رسول الله" لإتقانه اللغة العربية التي درّسها لطلاب الثانوية قبل احترافه الفن.
ومن المواقف الإنسانية اللافتة في مسيرته. أن الشاعر عبد الرحمن الخميسي طلب منه تعليم الفنانة سعاد حسني القراءة والكتابة في بداياتها. فقام سعفان بمساعدتها لمدة ستة أشهر. مما ساعدها علي الانطلاق بثقة في حياتها الفنية.
لكن حياته لم تخلُ من المآسي. إذ فقد أربعة من أبنائه في عام واحد بسبب إصابتهم بالجفاف. ثلاثة أولاد وبنت. غير أن القدر عوّضه لاحقًا بأبناء آخرين. فأطلق علي ابنته الجديدة اسم "رضا" شكرًا لله. ثم رُزق بعد ذلك بأربعة أبناء آخرين.
وفي 14 سبتمبر 1982. رحل الفنان إبراهيم سعفان إثر أزمة قلبية أثناء تصوير أحد أعماله في إمارة عجمان. تاركًا وراءه إرثًا فنيًا خالدًا. ولسانًا فصيحًا يضحك القلوب.
في مثل هذا اليوم من عام 2007. ودع الفن المصري أحد أعمدته. الفنان القدير حسين الشربيني. الذي رحل عن عالمنا أثناء تناوله الإفطار مع أسرته في أولي ليالي شهر رمضان المبارك. في لحظة امتزجت فيها الروحانية بالوداع الصامت. وفي ذكري رحيله. تستحق مسيرته الفنية والإنسانية وقفة تأمل لما تركه من بصمة مميزة خالدة في وجدان جمهوره.
ولد حسين الشربيني في 16 نوفمبر 1935 بالقاهرة. وتعود أصوله إلي مدينة شربين بمحافظة الدقهلية. درس علم النفس والاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة وتخرج عام 1958. ثم التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بناء علي نصيحة أستاذه بالجامعة والمشرف الفني وقتئذ الدكتور رشاد رشدي.
كان حلم الشربيني كما كان يقول. العمل في مهنة التدريس. إلا أنه فوجيء بقرار تعيينه في هيئة السكة الحديدية بمدينة أسيوط في صعيد مصر. ما دفعه إلي ترك العمل بعد يوم واحد فقط من استلامه. ليعود إلي القاهرة. حيث التحق بالعمل صحفيا في جريدة "الجمهورية". ثم مذيعا في التلفزيون المصري عند افتتاحه مطلع الستينيات. قبل أن ينتقل إلي العمل الفني بين المسرح والسينما والتلفزيون.
قدم خلال مسيرته الفنية نحو 459 عملا. وكانت انطلاقته السينمائية مع فيلم "المارد" عام "1964". ثم توالت مشاركاته في نحو 90 فيلما. من أبرزها: فيلم الجاسوس عام "1964". الليالي الطويلة "1967". سفاح النساء "1970". لا عزاء للسيدات "1979". السادة المرتشون "1983". الرجل الذي عاش "1997". وفيلم حارة البنات "2005".
أما علي الشاشة الصغيرة فقدم أعمالا مميزة مثل: أحلام شحاتة عام "1972". رحلة المليون "1984". هند والدكتور نعمان "1984". حلم العمر "2000". عائلة الحاج متولي "2001" وأريد حلا "2005".. أما في المسرح فقد تألق في أعمال مميزة منها: وابور الطحين عام "1966". الدنيا لما تضحك "1979". فوازير المناسبات "1988". وكان آخر أعماله في مسرحية الملك هو الملك عام "2006".
حصل الشربيني علي لقب "فنان قدير" من المسرح الحديث. وكرمه فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق. كما نال جائزتين سينمائيتين لأفضل ممثل دور ثان عن فيلمي "الرغبة" و"جري الوحوش" في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. بالإضافة إلي جائزة أحسن ممثل في مهرجان القاهرة الـ12 للإذاعة والتلفزيون. وتم تكريمه أيضا في مهرجان ذكي طليمات.
وقد روي الشربيني بداياته في أحد اللقاءات التليفزيونية قائلا: "بمثل وأنا من أولي إبتدائي. وكان نفسي أمارس التمثيل كهاوي. وكان حلمي أبقي مدرس. وبعد عودتي للقاهرة. قريت في الجرنال. إن الفندق اللي كنت قاعد فيه في أسيوط وقع. فحمدت ربنا.. اشتغلت مدرس في مدرسة خاصة بمصر الجديدة. وملقتش نفسي وتركتها. وبعدها اتجهت للتمثيل".
في عام 2002. ابتعد عن الساحة الفنية بعد إصابته بكسر في مفصل القدم اليسري. إثر اختلال توازنه أثناء استعداده لأداء الصلاة. كما كان يعاني من مضاعفات السكري والأطراف العصبية في قدمه اليمني. وأمضي سنواته الأخيره في منزله مع أسرته. متفرغا للعبادة والتقرب إلي الله.
تزوج الفنان حسين الشربيني مرة واحدة. ولديه ابنتان هما "نهي" و"سهي". وحين سئل عن سبب ابتعادهما عن مجال الفن؟ أجاب: "لم يهتم بناتي بالفن ولم يستهووه أصلا. وأنا نفسي كنت أحاول دائما إبعادهم عنه.. مازحا: "كنت عايز أكون الممثل الوحيد والشهير في العيلة".
وفي الجمعة الأولي من رمضان عام 2007. جلس الشربيني إلي مائدة الإفطار مع أسرته. تناول بضع تمرات. وارتشف الماء. ثم استند إلي كرسيه. رافضا مساعدة أحد. وقاوم بهدوء. وتمتم بكلمات مسموعة بصعوبة. ثم أراح رأسه للخلف قليلا. ليفارق الحياة عن عمر ناهز 72 عاما. وشيعت جنازته 15 سبتمبر 2007 من مسجد رابعة العدوية بالقاهرة.
لم يكن حسين الشربيني مجرد ممثل ترك بصمة في السينما والدراما. بل كان إنسانا يضع الأخلاق فوق كل اعتبار. يري أن الفن رسالة لا تؤدي إلا بالصدق والضمير. وبرحيله. لم تفقد الشاشة نجما فحسب. بل فقد الجمهور قدوة فنية وإنسانية ظلت أعماله وتصريحاته تعكس جوهره النقي. سيبقي حاضرا في الذاكرة. فنانا قديرا عاش مخلصا ورحل في سكينة. تاركا إرثا يخلد اسمه جيلا بعد جيل.