"عروس البحر المتوسط".. تفقد بريقها
القمامة تملأ الشوارع .. والروائح تخنق الأنفاس
الأهالي:
زيادة الصناديق وملاحقة النباشين ضرورة..
للحفاظ علي المظهر الجمالي
رغم التصريحات الرسمية والجهود المُعلنة لتحسين منظومة النظافة في محافظة الإسكندرية، لا تزال أزمة القمامة تؤرق سكان المدينة الساحلية وتُلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، وسط مشاهد يومية من التكدّس، والروائح الكريهة، وانتشار النباشين، ما أفقد المدينة جانبًا كبيرًا من مظهرها الحضاري، وأثار تساؤلات مشروعة حول قدرة الأجهزة المحلية على السيطرة على الموقف.
في جولة ميدانية داخل حي المنتزه، وتحديدًا في مناطق مثل العصافرة، شارع ملك حفني بحري، وأبو قير، تتجلى الأزمة بكل وضوح: صناديق ممتلئة، أكوام من القمامة على الأرصفة، وروائح خانقة تتصاعد مع ارتفاع درجات الحرارة، في مشهد يتكرر بشكل يومي ويؤثر على صحة المواطنين ونفسيتهم، خاصة الأطفال وكبار السن.
يقول عم محمود، أحد سكان شارع 30: "العربية بتاعة النظافة بتيجي كل يومين أو تلاتة، لكن الشارع بيتملى في ساعات، بقالنا شهور بنطلب سلة زيادة محدش بيرد، وإحنا اللي بندفع التمن".
وفي سيدي بشر قبلي، تُلقى القمامة أسفل كوبري المشاة بجوار محطة القطار، في منطقة تعج بالمارة والمرافق الحيوية مثل المدارس والمستشفيات، ما يزيد من خطورة الموقف.
من جهته، يؤكد الخبير السياحي نبيل رحمي، وعضو المجلس المحلي السابق، أن هناك بالفعل حملات يومية لرفع القمامة، ووردية ليلية إضافية في المناطق المزدحمة، إلى جانب تدشين منظومة مراقبة تعتمد على الكاميرات والتطبيقات الإلكترونية لتلقي الشكاوى والبلاغات عبر "الواتس".
لكن العاملون بمنظومة النظافة يرون الأمر بشكل مختلف، حيث يشكون من نقص حاد في العمالة والمعدات، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل باكوس، اللبان، والمندرة، وهو ما يُعرقل عملهم ويُضاعف حجم الأزمة.
قنبلة موقوتة
من أخطر الظواهر التي تضاعف حجم الأزمة، ما وصفه المواطنون بـ"كارثة النباشين"، الذين ينقضّون على القمامة قبل رفعها، ويفتشونها بعشوائية، ثم يتركونها ممزقة في الشوارع، دون تدخل من الأجهزة التنفيذية أو المحلية، وسط مخاوف من انتشار الأمراض، والبلطجة، وغياب الرقابة.
يقول أحد سكان منطقة باكوس:"النباشين عارفين مواعيد رفع القمامة أكتر مننا، بييجوا قبليها بساعات، ويسيبوها كأن مفيش شغل نضافة أصلًا، ومحدش بيقدر يكلّمهم!".
المهندس عبدالله صلاح أشار إلى أن الأزمة لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل إن سلوكيات بعض المواطنين تعمّق المشكلة، من خلال إلقاء القمامة في غير الأوقات والأماكن المخصصة، وعدم الالتزام بالضوابط، ورغم حملات التوعية مثل "نظّف قدام بيتك"، التي أطلقتها جمعيات أهلية، إلا أن الاستجابة لا تزال محدودة.
وفي السياق نفسه، يرى المهندس البيئي شريف حسن أن الحل الجذري يبدأ من اللامركزية في جمع القمامة، بحيث تُخصص خطط تفصيلية لكل حي، وفق احتياجاته، مشيرًا إلى أن "الحي الشعبي ليس كالمناطق الراقية، ولا يجوز نسخ نفس الخطة على الجميع".
إجراءات حاسمة
يطالب المواطنون وجمعيات البيئة بـتكثيف حملات الجمع والتطهير وزيادة عدد صناديق القمامة وفرض غرامات فورية على المخالفين وتخصيص عربات صغيرة لجمع القمامة من المنازل في الشوارع الضيقة والتصدي لظاهرة النباشين بحسم من الأجهزة الأمنية والمحليات.
الإسكندرية التي تغنّى بها الشعراء وزارها الملايين، تختنق اليوم تحت أنقاض الإهمال وتلال القمامة.
الأزمة باتت واضحة للجميع، ولا تحتاج إلى مزيد من التقارير، بل إلى إرادة تنفيذية حقيقية، ومشاركة مجتمعية جادة، وربط مباشر بين الأداء والمحاسبة.
فهل تتحرك الأجهزة المعنية لإنقاذ المدينة؟
وهل تعود الإسكندرية كما عرفناها: نظيفة، جميلة، وعروسًا حقيقية للمتوسط؟
الشارع ينتظر الإجابة، والمشهد لا يحتمل التأجيل.