المفتي: بيع بيانات العملاء بدون علمهم خيانة للأمانة حرمها الإسلام
وضع الشرع الشريف القواعد التي تنظم علاقة الأفراد بعضهم البعض؛ في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وأرشد إلى طرق الكسب الحلال فيها، ونهى عمَّا يخالفها؛ رعايةً للحقوق، وتحقيقًا للمصالح، ودفعًا ورفعًا للظلم؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
في هذا السياق تلقت دار الإفتاء سؤالاً جاء فيه: "هناك أفراد يعملون في بعض الجهات التي تقدم خدمات لجمهور المتعاملين معها، ويقوم هؤلاء الأفراد بجمع أرقام هواتف العملاء وبياناتهم وعمل قائمة بها دون علم أصحابها، ثم يبيعونها لشركاتٍ أخرى تقدم خدماتٍ للجمهور، مقابل مبلغ مالي. فما حكم الشرع في ذلك؟"
أجاب الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية: "أرقام الهواتف وبياناتها تمثل اختصاصًا لأصحابها، ومن المقرر شرعًا أن كلَّ من اختص بشيء فهو له، ولا يجوز لغيره الاعتداء على ذلك الاختصاص والانتفاع به إلا بإذن صاحبه، وهو ما أَسَّسه حديث النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ» أخرجه الدَّارَقُطِني في "السُّنَن" مِن حديث أنسِ بن مالك رضي الله عنه، ووَرَد مِثْله مِن طريق حنيفة عَمِّ أبي حُرَّة الرَّقَاشي في مسند الإمام أحمد، والبَيْهَقِي في "الكُبْرَى" و"الشُّعَب".
ومن ثمَّ فقيام بعض الموظفين بجمع أرقام العملاء وبياناتهم وبيعها لجهات أخرى دون علم أصحابها -فعلٌ محرم شرعًا، ويؤكد ذلك ما يلي:
أولًا: أنَّ هذه البيانات من قبيل الأسرار لدى الجهة المستقبلة لها، فبيعها أو تسريبها للآخرين دون علم أصحابها يعدُّ إفشاء لهذه الأسرار، ومن المقرر شرعًا حرمة إفشاء الأسرار، وأخرج الإمام الطَّبَرَاني في "المعجم الكبير" بسنده، قال: كان عبد الله بن سَلَام رضي الله عنه جالسًا فتكلَّم بكلمة فسمعه رجل، لم يحب أن يَسمعه، فالتفت إلى أبي الدَّرْداء رضي الله عنه فقال: أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا لَا يُحِبُّ أَنْ يُفْشَى عَلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْتِمْهُ صَاحِبُهُ».
ثانيًا: أن قيام هؤلاء الأفراد بجمع هذه البيانات والعمل على بيعها خيانة لأمانة الجهات التي يعملون بها قبل أن تكون خيانة للعملاء. وحفظ الأمانة أمرٌ واجبٌ شرعًا، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وأكدت ذلك السنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رواه أبو داود، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» رواه البخاري،
ثالثًا: أنَّ بيانات العملاء ليست ملكًا للموظفين في الشركة المستقبلة لها، وإنما هي ملك للعميل، والموظفون أمناء على هذه البيانات، فبيعهم لها لا يصحُّ؛ لأنَّ المبيع غير مملوك للبائع، ومن المقرر شرعًا أنه يشترط لصحة البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع وقت البيع؛ وذلك لما رواه أصحاب "السنن" عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي، أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
بناءً على ذلك: فإن قيام بعض الأفراد الذين يعملون في جهة ما بعمل قائمة بأرقام هواتف العملاء وبياناتهم وإعطائها لجهة أخرى مقابل مبلغ من المال دون إذن أصحاب تلك البيانات -فعلٌ محرم شرعًا وممنوع قانونًا، فهذه الأرقام والبيانات من جملة الأسرار والأمانات التي يجب حفظها، كما أنها ليست ملكًا لهؤلاء الأفراد حتى يصحَّ بيعها.
والله سبحانه وتعالى أعلم