من نعم الله..الأرض
من نعم الله تعالي علي عباده نعمة الأرض التي فرشها الخالق بين أيديهم وجعلها قرارا. وأجري في مناكبها عيونا وانهارا. فأنبتت زروعا وثمارا. بعد أن أرسل الله السماء مدرارا.
ومن العلوم أن الله الحكيم الذي جلت حكمته. لم يخلق الإنسان علي وجهه هذه البسيطة عيثا. وإنما خلقه وفضله علي كثير من خلقه. ليقوم برسالة سامية في هذه الحياة. فقد استخلفه في الأرض وكرمه بالعقل. وحمله مسئولية عمارة الأرض والحفاظ علي خيراتها. واستثمار غلاتها. بعد أن زوده بطاقات روحية. ومؤهلات فكرية. وخلق له هذه الأرض ذلولا سهلة ليتمكن من السيطرة عليها. وتسخيرها لخدمته.. ولا يمكن للإنسان الذي شرفه الله باستخلافه في الأرض. وحمله مسئولية عمارتها أن يعيش فوقها إلا إذا قام بهذه الرسالة السامية. وذلك بالعمل المتواصل علي استخراج كنوزها وخيراتها واستغلال مكنوناتها.
وقد وردت عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية ونصوص فقهية تحث كلها علي الانشغال بالزراعة والغراسة. وتبين فضلها ومكانتها في الشريعة الإسلامية التي أتت لخير الدارين. والتي دعت إلي التوازن بين مطالب الروح ورغبات الجسم في وسطية يتميز بها النظام الاقتصادي الإسلامي..
قال ابن كثير: "يذكر الله نعمته علي خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليلها لهم. بأن جعلها قارة ساكنة لاتميد ولاتضطرب بما جعل فيها من الجبال. أنبع فيها من العيون. وسلك فيها من السبل. وهيا فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار. ولهذا يجب المشي والسفر في أقطارها. والتردد في ارجائها في انواع المكاسب والتجارات. بحثا وسعيا في طلب الرزق. إلا أن هذا البحث والسعي لاينفع إلا أن ييسره الله لكم. ولهذا قال تعالي: "وكلوا من رزقه وإليه النشور" فالسعي واتخاد السبب لاينافي التوكل كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لو أنكم توكلتم علي الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" .
ونعمة تسخير الله الأرض للإنسان يجب أن يقابل بالشكر. وذلك بالمحافظة عليها. بعدم تلوثها وإتلاف منافعها حتي تظل- كما أرادها الخالق- صالحة للاستغلال والانتفاع. قال تعالي في سورة "الأعراف" : "ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" .. ولايمكن للإنسان الذي حمل هذه الأمانة الثقيلة والمسؤولية الكبري أن يقوم برسالة عمارة الأرض واستخراج كنوزها. والمحافظة علي هذه البيئة نقية صالحة من هواء ومياه وأشجار ونباتات.. إلا إذا واصل شكره العملي علي هذه النعمة لعله يضمن المزيد من خيراتها وبركاتها.
وحَرِيّى بِالْمُؤْمِنِ -وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ- أَنْ يَنْتَبِهَ لِكَثَافَةِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا امْتِنَانُ اللَّهِ تَعَالَي عَلَي الْإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ تَذْلِيلِ الْأَرْضِ. وَتَسْخِيرِ مَا عَلَيْهَا لَهُ» لِيَتَفَكَّرَ فِيهَا. وَيَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَي عَلَيْهَا. وَاللَّهُ تَعَالَي يَقُولُ: "وَفِي الْأَرْضِ آيَاتى لِلْمُوقِنِينَ" ûالذَّارِيَاتِ: 20. "أَيْ: عِبَرى وَعِظَاتى لِأَهْلِ الْيَقِينِ. وَهُمُ الَّذِينَ يَقُودُهُمُ النَّظَرُ إِلَي مَا تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ. وَيَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ". "وَالْمُوقِنُونَ هُمُ الْعَارِفُونَ الْمُحَقِّقُونَ وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهِمْ. وَصِدْقَ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ. خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الْآيَاتِ وَتَدَبُّرِهَا".
ومِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَي أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ وَمُلِئَتْ بِالْأَرْزَاقِ لِمَصَالِحِ الْبَشَرِ أَنَّهَا تَنْتَهِي بِنِهَايَتِهِمْ عَلَيْهَا» "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا" ûالْكَهْفِ 7-8 . قَالَ ابْنُ عَبَّاسي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يَهْلَكُ كُلُّ شَيْءي عَلَيْهَا وَيَبِيدُ". وَهَذَا يَسْتَوْجِبُ شُكْرَ الْبَشَرِ لِلَّهِ تَعَالَي عَلَي مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ. وَإِسْكَانِهِمْ فِيهَا. وَتَذْلِيلِهَا لَهُمْ. وَإِيدَاعِهَا بِمُقَوِّمَاتِ حَيَاتِهِمْ مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ وَمَلَابِسَ وَمَرَاكِبَ. وَكُلِّ شَيْءي يَحْتَاجُونَهُ فِي حَيَاتِهِمْ» لِيَعْبُدُوا اللَّهَ تَعَالَي. وَيُقِيمُوا شَرِيعَتَهُ.