حكمة عمر بن الخطاب في إدارة الأزمات
من القصص الإسلامي
في عام 18 هـ أصاب الجفاف منطقة الحجاز. ودام ذلك تسعة أشهر. وسمي ذلك العام بعام الرمادة. لأن الريح كانت إذا هبت حملت معها ترابا كالرماد. أو لأن الأرض صارت سوداء كالرماد.. فأجدبت البلاد. وهلكت الماشية. وجاع الناس وهلكوا. حتي كانوا يستفون الرمة. وبحثوا عن اليرابيع والجرذان لأكلها.. وكان ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أصاب الناس الجهد والبلاء والجوع. وترك ذلك أثره عليه حتي قال مولاه أسلم: "لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هما بأمر المسلمين"
فرض عمر رضي الله عنه علي نفسه برنامجًا صارمًا. فعايش الناس في أزمتهم حتي لا ينسي ولو للحظة حالهم ومعاناتهم. فهو المسئول عنهم جميعا. وعلي عاتقه وحده يقع عبء معالجة أزمتهم هذه. بل إن الصرامة التي فرضها علي نفسه شمل بها أهل بيته أيضا. فقد كان لابنه عبيد الله بهيمة صغيرة. فذبحت وجعلت في التنور. فإذا رائحتها تداهم أنف عمر رضي الله عنه. فقال: ما أظن أحدا من أهلي يجترئ علي. فأمر مولاه أسلم أن يستعلم الأمر. فلما علم أسلم الحقيقة. قال له عبيد الله: استـرني سترك الله. قال أسلم: قد عرف حين أرسلني أنا لن أكذب عليه. ثم ما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن منعها عنه وجعلها للمسلمين.
كما اتخذ سلسلة من الإجراءات لمعالجة هذه الأزمة منها تشكيل خلية أزمة ضمت عددا من الأشخاص الأكفاء. ووزع بينهم الأعمال. ثم كانوا يلتقون بعمر رضي الله عنه عند كل مساء لإطلاعه علي ما قاموا به.. كذلك قام بإطعام الناس مما هو متاح. فقد سارع إلي جمع ما أمكن جمعه من طعام من السوق المحلية والأسواق القريبة لإطعام الناس. ولاسيما الأعراب منهم الذين نزلوا أطراف المدينة.. كذلك قام بالكتابة إلي الأقاليم بإمداده بالطعام. فقد كتب إلي عمرو بن العاص رضي الله عنه عامله علي مصر: "بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين .... سـلام عليك. أما بعد. أفتراني هـالكا ومن قبلي. وتعيش أنت ومن قبلك. فيا غوثاه. ثلاثا" فكتب إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه إنه سيغيثه بمدد من القوافل أولها في المدينة وآخرها في مصر.. وكتب بمثل ذلك إلي الأقاليم الأخري.
ثم خطط عمر رضي الله عنه لإجراء آخر وهو أن يجعل مع كل أهل بيت من أهل المدينة مثلهم من الأعراب إلي أن يفرج الله عنهم فيقتصد الجميع في العيش علي أنصاف بطونهم "فإنهم لن يهلكوا علي أنصاف بطونهم".. كما أخر جباية الزكاة في عام الرمادة. فلما كانت السنة التالية. ورفع الله الجدب عن الناس. أرسل السعاة للجباية. وأمرهم بأخذ نصيبين من الزكاة. فيقسمون نصيبا ويأتوه بالآخر. ليكون ذلك احتياطيا عنده للحاجة.
وأنشأ دارا لتخزين الدقيق والسويق والتمر والزبيب. وما يحتاج إليه من طعام يمكن تخزينه إعانة للمنقطع وابن السبيل.. ومنع الاحتكار عندما حاول بعض التجار استغلال هذا الظرف الطارئ من أجل التربح علي حساب إخوانهم من المسلمين. فتصدي عمر رضي الله عنه. وقال: "لا حكرة في سوقنا". ومنع أصحاب الأموال من الاجتماع علي بضاعة والمضاربة عليها دون سائر الناس. وقال: "لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلي رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا. ولكن أيما جالب جلب علي عمود كبده في الشتاء والصيف. فذلك ضيف عمر. فليبع كيف شاء الله. وليمسك كيف شاء الله.
بعد ذلك كما خرج عمر رضي الله عنه ومعه صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي صلاة الاستسقاء وخرج معهم العباس رضي الله عنه. فخطب وأوجز. ثم صلي. ثم حنا علي ركبتيه وقال: "اللهم إياك نعبد. وإياك نستعين. اللهم أغفر لنا وارحمنا وارض عنا ثم انصرف. فما بلغوا منازلهم حتي خاضوا في الغدران.