الملك الذي دعا له النبي وصلي عليه غائبا
من القصص الإسلامي
النجاشي أول من أسلم مِنْ ملوك العجم. وقد توفي في حياة النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره. وهو أصحمة بن أبحر النجاشي ملك الحبشة. واسمه بالعربية عطية. والنجاشي لقب له. أسلم علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولم يهاجر إليه. وكان معينا للمسلمين وقصته مشهورة في المغازي. في إحسانه إلي المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام..
تولي الحكم وهو ابن 9 سنين بعد موت عمه بصاعقة. وبعد سنوات من حكمه. انتشر عدله. وذهبت سيرته الطيبة إلي كل مكان.
وفي السنة الخامسة للدعوة نصح الرسول المسلمين بترك مكة والهجرة إلي الحبشة لأن فيها "ملك لا يُظلم عنده أحد وعادل في حكمه كريماً في خلقه". وهناك يستطيعون العيش في سلام آمنين علي أنفسهم وعلي دينهم. وكان عددهم في ذلك الوقت 80 رجلاً غير الأطفال والنساء. ويقال إن الهجرة قد تمت بين 610 ــ 629م. وعندما علمت قريش بذلك انزعجت. فأرسلت إلي النجاشي عمرو بن العاص. وعبدالله بن أبي ربيعة بالهدايا حتي يسلمهما المسلمين. فرفض النجاشي ذلك إلا بعد أن يسمع الطرف الآخر.
فدعاهم النجاشي. فلما حضروا. صاح جعفر بن أبي طالب بالباب - يستأذن عليك حزب الله -. فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل. قال نعم. وليدخلوا بإذن الله وذمته. فدخلوا ولم يسجدوا له. فقال: ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قالوا: إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك. وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقا. وأمرنا بالتحية التي رضيها الله. وهي - السلام - تحية أهل الجنة. فعرف النجاشي أن ذلك حق. وأنه في التوراة والإنجيل. فقال: أيكم الهاتف يستأذن؟ فقال جعفر: أنا. قال: فتكلم. قال: إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم. وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي. فأمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما. فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم. فقال جعفر للنجاشي: سله أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم. فقال عمرو: بل أحرار كرام. فقال: هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا؟ قال عمرو: ولا قطرة. فقال: هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟ فقال عمرو: ولا قيراط. فقال النجاشي: فما تطلبون منه؟.
قال: كنا نحن وهم علي أمر واحد علي دين آبائنا. فتركوا ذلك واتبعوا غيره. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه. وما الذي اتبعتموه؟ قل وإصدقن. فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فتركناه وهو دين الشيطان. كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له. فقال: تكلمت بأمر عظيم فعلي رسلك. ثم أمر بضرب الناقوس. فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فقال لهم: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل علي عيسي. هل تجدون بين: عيسي وبين يوم القيامة نبيا؟ قالوا: اللهم نعم. قد بشرنا به عيسي. وقال من آمن به فقد آمن بي. ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟. فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ويأمرنا بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم. ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ مما يقرأ عليكم. فقرأ سورتي العنكبوت والروم. ففاضت عينا النجاشي من الدمع. وقال: زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يغضب النجاشي. فقال إنهم يشتمون عيسي وأمه. فقال: ما تقولون في عيسي وأمه؟
فقرأ عليهم سورة مريم. فلما أتي علي ذكر عيسي وأمه رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقذي العين. فقال: والله ما زاد المسيح علي ما تقولون نقيرا.
أسلم النجاشي رضي الله عنه. وصدَّق بنبوة النبي صلي الله عليه وسلم. وإن كان قد أخفي إيمانه عن قومه. وتوفي سنة 9 هـ وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لأصحابه: "اخرجوا فصلوا علي أخي لكم مات بغيْر أرضكم". فخرج بهم إلي الصحراء وصفهم صفوفًا ثم صلي عليه صلاة الغائب. وكان ذلك بسبب أنه مات بين قوم نصاري. ولم يكن عنده من يصلي عليه.