رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

شعبنا رفض النكسة وتمسك باستعادة الأرض والعرض والشرف

اللواء محمد عبدالقادر
اللواء محمد عبدالقادر

اللواء محمد عبدالقادر:

سامي راغب وعاطف مكرم

كنت أول من وطأت قدماه أرض سيناء الغالية .. بعد العبور العظيم

بدأ اللواء محمد عبد القادر أحد أبطال حرب أكتوبر. حديثه قائلا: إن الأجواء في مصر عقب نكسة 1967. في الأيام الأربعة الأولي بعد النكسة كان الجميع في حالة ذهول. يتساوي في ذلك القيادة السياسية والقيادة العسكرية وعامة الشعب المصري. غير مصدقين لما قد حدث. إذ كان خطبا جللا. وكان الشعب في الأيام السابقة لها يعيش حالة من الزهو والخيلاء واليقين انه لو أقدمت اسرائيل علي عمل عسكري فان مصيرها أن تلقي في البحر. هذا ما كان يقال لنا وقتها. وهذا ما بثته القيادة السياسية في أذهاننا ونحن شباب لم يتخط السبعة عشر عاما في هذا الوقت.لذا كان وقع حرب الأيام الستة قاسيا وأليما علي كل المصريين.


كنت وقتها طالبا بالثانوية العامة وكان يوم الهجوم "الخامس من يونيو 1967" هو اليوم الأول لامتحان الثانوية العامة. ويومها قيل لنا عودوا إلي منازلكم فقد قامت الحرب وتأجل الامتحان لمدة شهر.

فور استيعاب الشعب للصدمة وإعلان الرئيس جمال عبدالناصر تنحيه عن الحكم ليترك الفرصة لآخرين لادارة البلاد. خرج الشعب المصري كله يطالبه بالبقاء حتي التخلص من ذلك الكابوس وتحرير الأرض. في أول إشارة لرفض الهزيمة. والرغبة في استعادة الأرض والشرف والعرض. إذ كانت الطعنة شديدة وكان محلها الشرف والكرامة.

وحصلت علي الثانوية العامة في يوليو 1967. وقبلت باحدي كليات القمة في هذا التوقيت. وقد كنت قد قدمت أوراقي للالتحاق بالكلية الحربية. إذ كان الالتحاق بها أملا لكل ناجح في الثانوية العامة رغم العلم المسبق بأن الحرب قادمة لا محالة. ويؤكد هذه الروح الوطنية أن من تقدموا لهذه الدفعة "الدفعة 55 تخطي عددهم إثني وعشرون ألفا.

في يوليو 1969 تخرجت من الكلية برتبة ملازم وبالتحديد في 20/7/1969. محققا بذلك أملا ظل يراودني.. حيث كان عمري وقتها أقل من عشرين عاما.

فور تخرجي في الكلية التحقت باحدي كتائب المدفعية ذات العيار الثقيل بل هو أثقل عيار مدفعية في القوات المسلحة المصرية في هذا التوقيت "155مم" والتي كان يجري تشكيلها في المنطقة المركزية علي طريق القاهرة/ السويس. ومن ثم بدأت حياتي العملية وبدأت في تطبيق المعلومات النظرية التي تعلمتها خلال سنوات الدراسة بالكلية الحربية. ولم يمض شهرين حتي رشحت للحصول علي عدة دورات تدريبية بمعهد المدفعية تؤهلني لشغل إحدي الوظائف الهامة بالكتيبة. وحصلت عليها بنجاح وعدت إلي الكتيبة التي كانت تعد العدة للتحرك إلي خط المواجهة بالاسماعيلية بعد أن استكملت تشكيلها الأساسي.

ومن أبرز الأحداث التي كانت علامة في حياتي خلال فترة الاستنزاف: انني وقد كنت ضابطا للاستطلاع كان مقر مركز الملاحظة الخاص بي هو البرج الزجاجي أعلي مبني الارشاد بالاسماعيلية المطل علي بحيرة التمساح مباشرة ونظرا لارتفاعه الشاهق كان كاشفا لكل القطاع أمامنا من سيناء. وكنا وقتها في فترة "وقف اطلاق النار" الصادر به قرار من مجلس الأمن والموافق عليه من مصر والعدو الإسرائيلي. وكان كلانا يحترم هذا القرار الدولي كما كان ذلك مراقبا من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.. وكان عمل أفراد مركز الملاحظة هنا محدد في تسجيل كل صغيرة وكبيرة تحدث في مواجهتنا علي الضفة الشرقية للقناة. وبدوري أطلع علي ما يسجل علي مدار اليوم ثم أرسل هذا التقرير بعد تنقيحه إلي قيادة مدفعية الفرقة الثانية المشاه والتي ترسله بدورها إلي المستويات الأعلي لتحليلها واستخلاص النتائج منها وكان من ضمن بيانات التقرير اليومي حدثا كان يحدث بصورة يومية وهو "مرور دورية مكونة من دبابتين وثلاث عربات مجنزرة علي طريق الشاطئ قادمة من الطريق الأوسط في الساعة السادسة صباحا وعودتها في الثامنة صباحا من نفس الطريق" ومن خلال عمليات الرصد اليومي لها بأدوات وآلات مركز الملاحظة أمكنني رسم مسارها علي الخريطة.

أمضينا نهار الخامس من أكتوبر في محاولة الاسترخاء. كما كانت الأوامر. ولكن يكون من الكذب أن أقول أن الراحة قد عرفت الطريق إلينا جميعا فقد كانت الأعصاب مشدودة والقلق والترقب هما سيدا الموقف. وكنت لا أفتأ أقلب الخرائط بين يدي وأسترجع معلوماتي في إدارة نيران المدافع. وأستوثق من أرقام القوارب المخصصة لي وأفراد مركز ملاحظتي. وكذا رقم المعبر ورقم الرحلة ولما وجدت انه لا فائدة من محاولة الاسترخاء. جلست بين جنودي أداعبهم. ونتسامر في موضوعات بعيدة كل البعد عن المعركة ثم أخذت أجري جردا لأمتعتي الشخصية ووثائقي الخاصة بي. والخاصة بخطط عمليات قديمة فأحرقت كل شئ يخصني عدا سجادة صلاة كانت أمي قد أهدتها لي فور عودتها من آخر رحلة حج لها.


انقضي نهار الخامس من أكتوبر. وحل المساء وجلسنا نحن قادة السرايا الثلاث مع قائد الكتيبة الرائد/ محمد جميل عبدالسلام نتناقش فيما يمكن ان يكون. وكيفية بدء العمليات. والتوقيت المتوقع. كذلك نراجع خطط الإخلاء للمصابين إن حدث لا قدر الله وكيفية الإنضمام إلي الوحدات التي نعاونها في عمق سيناء ثم كيفية اتصالنا بمرابض النيران الخاصة بنا وتم التفاهم ومراجعة كل ذلك علي الخرائط ليلا وفي هذه الليلة أمكنني أن أنام بعد طول أرق.

بزغ فجر السادس من أكتوبر. واستيقظت مع خيوط الفجر الأولي وتوجهت إلي شاطئ القناة لأراقب إي شيء غير عادي. فلم أجد. وكانت الحركة علي الطريق الموازي للقناة قد توقفت تماما. وما من حركة سوي فيما خلف الساتر الترابي وهو ما لايسمح لمراقبي العدو من مشاهدة شئ علي الإطلاق ومن ثم شرعت في العودة إلي المعسكر. والذي يبعد عن الشاطئ بما لايزيد عن خمسمائة متر. ولاحت مني نظرة إلي خلف الساتر الترابي. فوجدت نشاطا لأفراد سلاح المهندسين العسكريين. ويقومون بنفخ القوارب المطاطية بهمة ونشاط شديدين. فأيقنت أن هذا هو اليوم الموعود. وأسرعت فأيقظت قائد الكتيبة. وأبلغته بما رأيت. وكنا حتي هذه اللحظة لم نخطر رسميا بتوقيت بدء العبور- لدواعي السرية والأمن واللذين كانا لهما الاعتبار الأول- وبدأت الحركة علي الطريق تتزايد كثافتها "طريق الاسماعيلية/ بور سعيد".

في الثانية عشرة ظهرا وصلتني قصاصة ورق صغيرة مدون بها "سعت س 1405 أي الساعة الثانية وخمس دقائق. واعتقد أنه علي أن أوضح لمن ليس عسكريا معني" سعت س". هي مصطلح يوضح اللحظة التي تبدأ فيها أول موجة من موجات العبور بالقوارب مغادرة الشاطئ الغربي للقناة ومنها تحسب التوقيتات إما سلبا أو إيجابا. ومعها يبدأ قصف بالمدفعية والطيران والصواريخ بأنواعها لمدة 53 دقيقة فيما يسمي بالتمهيد النيراني.

فور وصول سعت س. إصطحبت جنودي " مركز ملاحظة واستطلاع السرية". وتوجهنا سيرا علي الأقدام إلي نقطة العبور المخصصة لنا. وكانت "المعبر رقم 24 جنوب كوبري الفردان.وكانت تبعد عن مكاننا بحوالي كيلومترين. قطعناهما في حوالي 25 دقيقة. مرتدين جاكتات العبور- وفي الحقيقة فان هذا الجاكت كان يربو وزنه علي العشرة كيلو جرامات. بالنظر إلي ما هو محمل به. هذا بالاضافة إلي ما يحمله كل منا طبقا لوظيفته "أجهزة لاسلكية لجندي الاشارة" أدوات مراقبة لجندي الاستطلاع بالاضافة إلي التسليح الشخصي لكل منا.

كل هذا لم يكن له أي تأثير في مواجهة الروح المعنوية العالية للأفراد والضباط.

وصلنا إلي مكان العبور المخصص لنا. حيث لاحظت جنودا يسبحون في القناة كما هي العادة كل يوم. وغيرهم جالسون علي قمة التبة الصناعية يتبادلون النكات ويمصون القصب أيضا كما هي عادتهم كل يوم ولم يكن قد تم إبلاغهم بتوقيت العبور إمعانا في ظهور الأوضاع علي طبيعتها اليومية . فذلك كان من ضمن خطة خداع العدو كما علمنا فيما بعد . إذ كان الجو العام لايوحي بأنه هناك حربا ستندلع بعد دقائق. فقد كان جنود العدو المراقبون علي الضفة الشرقية يرصدون.

في الواحدة وخمس وأربعين دقيقة. خلعت علامات الرتب من فوق كتفي. ودفنتها تحتي في الرمال. ولم أكد أنتهي من هذا. حتي سمعنا في الجو هديرا لم نسمع مثله قط. ومرت في لمح البصر من فوقنا أسراب الطائرات من جميع الطرازات والأحجام. ودوي صوت اول مدفع. إنقلبت بعده الجبهة إلي جحيم من النيران تصبه المدفعية علي الشاطئ الشرقي للقناة وفي عمق سيناء. ولمن سمع صوت الرعد أقول أن ما سمعته يفوق صوت الرعد بكثير.ومع كل طلقة كنت تسمع من الجنود الرابضين علي شاطئ القناة الغربي في انتظار دورهم للعبور التكبير والتهليل وكانت صيحة الله أكبر هي الصوت الوحيد المسموع إلي جانب أصوات الطائرات والمدافع.

بدأت الموجة الأولي بالعبور بالقوارب. وكانت مخصصة لجنود وضباط المهندسين العسكريين. للتأكد من عدم وجود أي موانع تعوق تقدم القوات شرق القناة كألغام أو غيرها.

عادت القوارب فارغة لتعبر الموجة الثانية والتي كنت وجنودي من ضمنها كما كان مخططا لنا سلفا. فركبنا القاربين المخصصين لنا في سرعة غير عادية. وبرغم أن المدة الزمنية المخصصة للوصول للشاطئ الآخرسبعة دقائق ونصف وكان هذا أعلي معدل تم الوصول إليه خلال التدريب. فقد وصلنا في حوالي خمس دقائق فقط نظرا للروح المعنوية العالية .وكنت قد أقسمت أن أكون أول من تطأ قدمه أرض سيناء. ولما وصل القارب الآخر قبلنا بأمتار قليلة- وكان يقوده الملازم أول احتياط/ ماهر مصطفي الشاذلي- وهو فيما بعد صار" أستاذ دكتور" بمركز البحوث الزراعية- قفزت إلي الماء وسرت حوالي المتر لأبر بالقسم وهكذا كنت اول من تطأ قدمه أرض سيناء التي كانت محرمة علينا وكنا نشاهدها علي مدار اليوم دون ان نطأها أو نقترب منها. هنا لم أتمكن من منع دمعة إنحدرت من عيني رغما عني كانت تلخص أشياء كثيرة جدا لو أخذت في عدها لعلي لا أستطيع ذكرها كلها منها علي سبيل المثال تذكري للجهد والمشقة التي عشتها علي مدي ثلاث سنوات ونصف السنة من التدريب الشاق وصولا إلي هذه اللحظة كذلك تذكري لبعض الزملاء الذين استشهدوا علي يدي في خلال حرب الإستنزاف كرفيق دفعتي الشهيد الملازم "حسين علي حسين" وبأننا
علي وشك أخذ ثأرهم وأظن أن هذا كان شأن الكثيرين منا وسجدنا لله شكرا.

كم أثر في حادث إستشهاد "العريف/ سيد" رامي الصواريخ. والذي بأربعة صواريخ موجهة مضادة للدبابات أمكنه تدمير ثلاث دبابات ومدفع ذاتي الحركة. فقمت أنا والجنود بجمع أشلائه المبعثرة في مساحة حوالي خمسين مترا مربعا.. ودفناها في نفس الحفرة التي كان يقبع فيها منذ دقائق سعيدا بما حققه.

في الرابع والعشرين من أكتوبر صدر قرار وقف اطلاق النار نتيجة للمفاوضات السياسية التي كانت دائرة. وإن كنا تقريبا لم نكن نعلم عنها شيئا. فقد كان لدينا ما يكفينا. وجاءنا في نفس الوقت منشورا من القيادة العامة للقوات المسلحة يدعو لعدم التهاون واتخاذ أقصي درجات الحذرلاحتمال نقض العدو لإلتزامه بقرار وقف إطلاق النار لما عرف عنه من نقضه للعهود.

بقينا في مواقعنا في سيناء حتي يوم الثلاثين من أكتوبر نجري إجراءات تحسين التجهيز الهندسي وإعادة ترتيب إجراءات الدفاع عن الأرض المكتسبة. وإجراء إستكمال لمستويات الذخيرة والوقود والتعيينات والمياه تحسبا لاستكمال العمليات إن تقرر ذلك. وأمضينا أيام عيد الفطر هناك وصرنا نسمع الراديو وأخبار الانتصارات. وفرحة الشعب بقواته المسلحة. وخطاب الرئيس السادات في البرلمان المصري ومجموعة الأغاني والاناشيد الوطنية الرائعة لتي تم تسجيلها وإذاعتها في وقت قياسي. والتي كانت هي الأخري ملحمة رائعة من الفنانين الذين ذهبوا إلي الأستوديوهات كما علمنا فيما بعد بملابس نومهم كدليل علي سرعة تلبيتهم ورغبتهم في المشاركة في هذا العمل العظيم. كان هذا بمثابة رفع لمعنوياتنا إلي عنان السماء.

وهكذا عدنا إلي غرب القناة وكانت أول مرة لي أمر فيها من فوق الكباري التي أنشأها سلاح المهندسين العسكريين علي ضفة القناة. أحسست في الحقيقة وانا أعبر القناة عائدا من سيناء بأحاسيس كثيرة تعتمل في نفسي لا أستطيع ان أصفها. ولكن كان ملخصها ذلك الشعور بالإعتزاز والفخر والنشوة وكثير من المعاني ومعبرة عن الكثير من الأحاسيس.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة