رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تراجع نفوذ فرنسا .. في مستعمراتها الأفريقية السابقة ..!!

بوابة الجمهورية

سياسات ماكرون .. أثارت غضب دول الساحل ضد باريس
سباق محموم بين أمريكا والصين وروسيا .. علي كسب النفوذ بالمنطقة ..!!
واشنطن وموسكو تلعبان علي الجانب العسكري .. والصين تركز علي الاقتصاد !!
لُعاب القوي الكبري .. يسيل علي الليثيوم والثروات المعدنية ..!!


تقرير يكتبه.. عبد المنعم السلموني

منذ أيام. أعلنت باريس أنها ستخفض عدد أفراد القواعد العسكرية في منطقة الساحل الأفريقي وسيصبح عدد هذه القوات عدة مئات من الأفراد. في كل من السنغال وساحل العاج وتشاد والجابون. وفقا لصحيفة لوموند. نقلا عن وكالة فرانس برس.


وأوضح المسؤولون أن الاستثناء الوحيد سيكون جيبوتي. حيث ستبقي الوحدة الفرنسية علي نفس المستوي. سيحدث التخفيض في غرب ووسط أفريقيا في إطار شراكات "متجددة" وأكثر تقييدا مع المستعمرات السابقة. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن شكل جديد للتفاعل بعد الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل.

وذكر مصدران مقربان من السلطة التنفيذية ومصدر عسكري لوكالة فرانس برس. أنه سيبقي 100 جندي فقط في الجابون بدلا من 350 جنديا حاليا. و100 في السنغال "أيضا بدلا من 350". ومثلهم في كوت ديفوار "بدلا من 600 جندي حاليا". وكذلك حوالي 300 في تشاد بدلا من 1000.. وبالتالي. فإن إجمالي للقوات الفرنسية في أفريقيا سيكون حوالي 600 شخص. وتوضح الوكالة أن الرقم قد يزيد "من وقت لآخر" إذا رغب شركاء باريس.

وكانت السنوات الأربع الماضية. قد شهدت خمسة انقلابات في منطقة غرب أفريقيا الفرنسية. ويرتكز معظم هذه الانقلابات علي العداء تجاه فرنسا. السلطة الاستعمارية السابقة. آخر سقوط كان لمحمد بازوم رئيس النيجر في يوليو 2023. بعد انقلابات مالي في أغسطس 2020. وتشاد في أبريل 2021. وبوركينا فاسو في سبتمبر 2022. والجابون في سبتمبر 2023.

وذكر منفذو هذه الانقلابات. من بين مبرراتهم. طغيان النفوذ الفرنسي والرئيس إيمانويل ماكرون والتدخل السافر في شئونهم. وكان نفوذ فرنسا القوي في الشئون العسكرية وهيمنتها في مجال الأعمال بمثابة الترس الرئيسي في أجندة ماكرون.

وفي الآونة الأخيرة. أصبحت منطقة الساحل محط اهتمام العالم . وهي منطقة يبلغ عرضها 3860 كيلومترا وتقع جنوب الصحراء الكبري وتمتد من الشرق إلي الغرب عبر القارة الأفريقية. ويعود هذا الاهتمام إلي أن ثروات المنطقة يسيل لها لعاب القوي الكبري.

وفي العقد الماضي. سيطرت علي المنطقة قضايا مثل الإرهاب وانعدام الأمن والاتجار بالبشر. كما كانت الانقلابات العسكرية مصدراً رئيسياً للقلق داخل المنطقة وخارجها.

لكن انقلاب النيجر. في يوليو 2023 اجتذب الاهتمام بشكل خاص. فالنيجر كان ينظر إليها علي أنها "محبوبة الغرب" ونموذج للحكم الديمقراطي في المنطقة.

ويري رغم التحديات التي تواجه منطقة الساحل. فالتدافع نحوها لا يزال شديدا. والجهات الفاعلة الرئيسية في هذا التدافع هي الاتحاد الأوروبي وفرنسا وروسيا والصين والولايات المتحدة.

ويعتمد الاتحاد الأوروبي علي دول الساحل. وخاصة النيجر. لوقف الهجرة الجماعية غير الشرعية إلي الكتلة. حيث تعتبر النيجر دولة عبور رئيسية في المنطقة. وكانت للنيجر شراكات أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي حتي وقت قريب عندما ألغت البلاد الاتفاقيات من جانب واحد. وهذا شكل مصدر قلق للاتحاد الأوروبي.

لماذا تهتم هذه القوي الأجنبية بمنطقة الساحل؟

كباحث في العلاقات الدولية. يري أولاينكا أجالا. وهو محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية. جامعة ليدز بيكيت. أن الأسباب الرئيسية تتمثل في الآتي:

* توفر الموارد الطبيعية

* الموقع الاستراتيجي للمنطقة في أفريقيا

* المصالح الاقتصادية للدول المشاركة في التدافع

* التعاون الدفاعي والأمني في شكل مبيعات الأسلحة.

ولدي القوي الأجنبية أسبابها الخاصة للانخراط في التدافع نحو منطقة الساحل. فبالنسبة لفرنسا. نجد أنها استعمرت معظم دول المنطقة. وعلي عكس بريطانيا. حافظت فرنسا علي روابط قوية مع مستعمراتها السابقة. وهناك تعاون في مجالات الاقتصاد والدفاع واستخراج الموارد.

ولفرنسا الحق الأول في شراء أي موارد طبيعية تكتشفها في جميع مستعمراتها السابقة. ورغم أن العلاقة بدت ودية. فإن الانقلابات الأخيرة في الدول الناطقة بالفرنسية والمشاعر المناهضة لفرنسا في مختلف أنحاء أفريقيا كشفت عن العكس.

ويضيف أجالا. أن الانقلابات أعقبتها مظاهرات كبيرة معادية لفرنسا وتدعم الحكام الجدد. ورغم هذه التصدعات. تبذل فرنسا جهودها للحفاظ علي هذه الدول في قبضتها. خاصة فيما يتعلق بالتعاون العسكري واستخراج الموارد. وكانت باريس مترددة في سحب قواتها العسكرية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر رغم قطع هذه الدول شراكاتها العسكرية. وهي تواصل استخراج الموارد الطبيعية في هذه الدول.

أما بالنسبة لروسيا. فقد تأسست علاقاتها بالعديد من دول الساحل خلال الحرب الباردة والعصر الاستعماري. وفي الآونة الأخيرة.

أدي تركيز الدول الغربية علي حقوق الإنسان. وخاصة خلال مكافحة الإرهاب. إلي دفع دول الساحل للتقرب من موسكو.

كما أدي غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 لزيادة اهتمامها بالمنطقة حيث تتوخي الحفاظ علي حلفائها في أفريقيا.

حليف تقليدي

وقد دعمت روسيا علناً الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو. وحذرت من أي تدخل عسكري خارجي في النيجر عندما تولي الجيش السلطة. علاوة علي ذلك. تتعاون مجموعة فاجنر. الشركة العسكرية الخاصة التي تسيطر عليها روسيا. مع بعض دول منطقة الساحل. وألغت النيجر اتفاقية الدفاع مع الاتحاد الأوروبي وانتقلت إلي روسيا. كل هذه العوامل تفسر اهتمام روسيا بمنطقة الساحل.

وكمثل روسيا. تصور الصين نفسها كبديل للحليف التقليدي "فرنسا" لدول الساحل. ومن خلال شعار "عدم التدخل" و"احترام السيادة". رسخت الصين نفسها باعتبارها "شريكا" لدول المنطقة.

ومنطقة الساحل غنية بالموارد الطبيعية كالنفط واليورانيوم والغاز الطبيعي والليثيوم. وتعمل الشركات الصينية المملوكة للدولة في النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو.

ومن المتوقع أن تمتلك مالي واحداً من أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم. وهو يدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية التي تشهد ازدهارا عالميا. واستثمرت شركة جانفينج ليثيوم الصينية بكثافة في البلاد. ورغم تطوير الصين للمعدات العسكرية. فإن معظم الأسلحة لم يتم اختبارها. وتحرص بكين علي استخدام صراعات المنطقة لاختبار منتجاتها من الأسلحة.

أما الولايات المتحدة. فقد افتتحت عام 2019 أكبر قاعدة للطائرات بدون طيار في أفريقيا بأغاديز في النيجر. ويحذر أجالا من التداعيات الأمنية للقاعدة علي المنطقة.

وعلي النقيض من فرنسا والصين. اللتين لهما مصالح اقتصادية واسعة في منطقة الساحل. فإن الولايات المتحدة لها مصلحة عسكرية قوية. وتتمتع النيجر. علي وجه الخصوص. بموقع استراتيجي يتيح لطائرات المراقبة والاستطلاع بدون طيار الأمريكية الانطلاق من البلاد لتغطية منطقة الساحل وغرب ووسط أفريقيا.

وبينما يتم إزاحة فرنسا عسكرياً من مستعمراتها السابقة في المنطقة. تحاول الولايات المتحدة ملء الفراغ لمنع روسيا والصين من توسيع وجودهما العسكري. وحافظت واشنطن علي علاقتها بالحكم العسكري في النيجر. حتي لا تفقد تعاونها العسكري الاستراتيجي وهيمنتها.

كان عام 2023 مليئا بالتحديات بشكل خاص بالنسبة لبلدان منطقة الساحل. ومع وجود قضايا تتراوح بين عدم الاستقرار الاقتصادي وانعدام الأمن. تظل المنطقة هشة. ورغم عدم الاستقرار والهشاشة. فالتدافع علي المنطقة لا يزال شديداً مع فقدان الحلفاء التقليديين مثل فرنسا قبضتهم وتصاعد القوي الأخري.

في الوقت نفسه. طرح ماكرون ريادة الأعمال باعتبارها أفضل أشكال المساعدة التنموية. هذا المحور الاستراتيجي-بعيدا عن العلاقات الشخصية مع القادة الأفارقة- متجذر في معتقدات ماكرون الذي يفضل رأسمالية السوق الحرة. وإلغاء القيود التنظيمية. وخفض الإنفاق الحكومي.

النخب الأفريقية

يقول المؤرخ فرانك جريتس الذي أجري أبحاثاً حول علاقة فرنسا بمستعمراتها السابقة. في مقالة علي موقع كونفرسيشن. إن تحول ماكرون النيوليبرالي أدي لتجريد فرنسا من الأسطورة القديمة باعتبارها مستعمراً أكثر خيراً. حسبما تروج النخب الأفريقية التي ترتبط مصالحها مع باريس

ولم يؤد نهج ماكرون إلا لتفاقم حالة عدم الثقة والغضب لأن الوجود العسكري الضخم لم يحل محله نظام اقتصادي جديد. بل تم استبداله بصفقات تجارية صغيرة الحجم وشركات ناشئة. ولم يكن هذا ما أراده الأفارقة. ولم تعد الشركات الفرنسية تجني الأموال سراً. بل إن خطابات ماكرون طرحت الأنشطة التجارية والقيم النيوليبرالية باعتبارها قيما فرنسية تفيد القارة.

في ضوء هذه الاستراتيجية. بات من الواضح أن مشاعر الأفارقة أصبحت أكثر معاداة لفرنسا. وبدلا من رفع الاقتصاد إلي قيمة أساسية في علاقت ماكرون بأفريقيا. لعب الرئيس الفرنسي لمصلحة النظرة العالمية التي تنظر للتخلف باعتباره نتاجاً للاعتماد علي أوروبا والاستغلال الاستعماري الجديد.

كل زائر يتحدث مع سائقي سيارات الأجرة أو البائعين في داكار يدرك أنهم يشككون في نوايا ماكرون: فهو لم يرغب في تغيير الهياكل الاقتصادية. وبدلا من ذلك. يحصل الأفارقة علي الفتات في شكل أموال لبدء المشروعات.

وعقب إطاحة القوات المسلحة في النيجر بالحكومة في يوليو 2023. واستيلائها علي السلطة. تزايدت التكهنات بأن الحكومة العسكرية ستتحالف مع موسكو وربما تقيم علاقات مع الجيش الروسي أو شركائه.

وحدث هذا بالفعل. علي حساب المصالح الغربية. فقد وصلت طائرة روسية. الأربعاء 10 أبريل. إلي العاصمة نيامي. وعلي متنها مدربون ومعدات عسكرية روسية. بما في ذلك نظام دفاع جوي روسي. وكان ذلك بمثابة بداية تحالف جديد بين الكرملين والقادة الجدد في النيجر.

وعقب وصول المعدات العسكرية الروسية والمستشارين. تجمع مئات المتظاهرين في نيامي للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية. وكانت النيجر أصبحت مركزا للعمليات الأمريكية في غرب وشمال أفريقيا منذ أن وقع البلدان اتفاقا عسكريا في عام 2012.

وأعلنت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين أنها ستسحب أكثر من ألف عسكري من النيجر. وسيؤدي ذلك إلي إغلاق القاعدة التي كانت تسمي Base 201. وهي منشأة أمريكية رئيسية للطائرات بدون طيار تم استخدامها في عمليات ضد الجماعات الإرهابية الجهادية في منطقة الساحل.

ويري كل من أولومبا إي إزينوا. مركز أبحاث الصراع والإرهاب. جامعة رويال هولواي بلندن. وجون صنداي أوجو. الباحث بكلية دراسات المناطق والتاريخ بجامعة بورتسموث. في مقال مشترك بموقع كونفرسيشن أن علاقات النيجر الوثيقة مع روسيا تأتي بعد شهر من زيارة مسؤولين أمريكيين كبار للنيجر وإعرابهم عن القلق بشأن علاقات البلاد المحتملة مع روسيا وإيران. وعقب الاجتماع. انتقد المتحدث باسم جيش النيجر. العقيد أمادو عبد الرحمن. "الموقف المتعالي" للأمريكيين لحرمان الشعب النيجري من الحق في اختيار الدول التي يتعاون معها.

وتفيد التقارير أيضاً أن الولايات المتحدة ستسحب قواتها مؤقتاً من تشاد. بعد أسابيع قليلة فقط من قيام قائد القوات الجوية التشادية بوقف جميع العمليات في قاعدة الطائرات بدون طيار بالقرب من عاصمة البلاد. نجامينا. وبينما تعيد تشاد تقييم تحالفاتها وتميل نحو روسيا. فمن المرجح أن يتبع انسحاب القوات الأمريكية انسحاب القوات الفرنسية.

يبدو أن استراتيجية واشنطن للحد من النفوذ الروسي في الأجزاء المضطربة من أفريقيا قد بدأت بالفشل.

وقد اتجهت دول منطقة الساحل "الممتدة من السنغال إلي البحر الأحمر" نحو روسيا للحصول علي المساعدة الأمنية في السنوات الأخيرة لمواجهة عدم الاستقرار الإقليمي المتزايد.. ودعم المرتزقة الروس القوات المسلحة في بوركينا فاسو وقوات مالي في قتالها ضد الجماعات المتمردة.

والآن. تضاعف روسيا تركيزها علي المنطقة بتوطيد علاقاتها مع العديد من دول الساحل والبحث عن شركاء جدد في مناطق أبعد وهي استراتيجية قد تضعها في مواجهة قوي عالمية أخري. وقد تكون ساحة المعركة التالية هي الدول الساحلية في غرب أفريقيا.

طرق مختلفة

يبدو أن مصالح روسيا علي ساحل غرب أفريقيا تتمثل في تأمين اتفاقيات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية مع قادة هذه الدول مقابل الوصول الاستراتيجي إلي المحيط الأطلسي. وتعكس هذه الإستراتيجية كيف توفر القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي. كامب ليمونير. للولايات المتحدة بعض الوصول والسيطرة في الخليج العربي والمحيط الهندي وحتي شمال البحر الأحمر.

تتعامل روسيا والصين مع الدول في أفريقيا بطرق مختلفة. تستخدم روسيا الحوافز العسكرية والدبلوماسية لجذب الشركاء في القارة والاحتفاظ بهم. أما الصين فتستخدم المشاريع التنموية والديون الثقيلة لجذب الحلفاء الأفارقة إلي معسكرها.

وتعد الصين أكبر دائن لجيبوتي. حيث تتخطي ديونها 1.4 مليار دولار أمريكي. وفي مواجهة ارتفاع التضخم والجفاف المستمر. علقت جيبوتي سداد قروضها للصين في عام 2023. لتسير علي خطي زامبيا قبل بضع سنوات.

وفي حالة التخلف عن السداد. تستطيع الصين السيطرة علي أحد. أو كل. المشاريع التي مولتها في جيبوتي لتعويض خسارتها. وتشمل هذه المشاريع الميناء ومنطقة التجارة الحرة الدولية.

وهناك خلافات بين الولايات المتحدة وروسيا حول نفوذهما في أفريقيا. ويعكس الوضع الحالي الصراع القديم لتقسيم أفريقيا بين القوي العالمية الكبري. ومن الممكن أن يؤدي ذلك لاندلاع حرب بالوكالة بين دول القارة.

ونظراً لأن أفريقيا تعاني بالفعل من فساد واسع ومصاعب يفرضها الزعماء من الطراز القديم والقادة الدمي. والصراعات العنيفة. والانقلابات. فلابد من منع القوي الأجنبية من زيادة تدهور الوضع تحت ستار مكافحة الإرهاب.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة