النازحون.. هروب من الموت إلي الجحيم
لا طعام ولا شراب.. "الأعشاب البرية لسد الجوع"
أسعار المواصلات تشبه تذاكر الطيران.. وزيت الطعام وقود محتمل
يعيش النازحون في غزة في جحيم فلا يوجد طعام ولا شراب وحتي أسعار وسائل المواصلات ارتفعت بصورة جنونية وكأنها تشبه تذاكر السفر.
الأهالي أكدوا انهم هربوا من الموت المحقق تحت نيران الاحتلال الاسرائيلي الغاشم إلي حياة الجحيم التي لا طعام فيها ولا شراب.
تزداد قتامة المأساة علي أهالي القطاع المحاصر مع ما يعيشونه من نقص في إمدادات الغذاء.. فمنذ سيطرة إسرائيل علي المعابر توقف دخول المساعدات الإنسانية مما هدد بعودة شبح المجاعة إليهم وزاد حدة الأزمة الإنسانية التي يعيشها مئات الآلاف من الفلسطينيين.
كثير من أهالي شمال القطاع ومدينة غزة يعتمدون في إطعام أنفسهم وأطفالهم علي الأعشاب البرية وبات تأمين وجبة تضم مكونات التغذية السليمة عبئًا لا يطيقونه مما أدي إلي شيوع سوء التغذية خاصة بين الأطفال وكبار السن. وزيادة حالات الوفاة بسبب نقص الغذاء.
كما يعيش الأهالي في ازمة مواصلات خاصة مع ارتفاع ثمن اجرة النقل وعدم وجود أسعار محددة.
وتجبر أوامر الإخلاء القسري التي يلقيها الجيش الإسرائيلي تمهيداً للاجتياح البري كما حدث ويحدث في رفح السكان والنازحين إليها علي الفرار من الموت إلي مناطق يدعي الجيش الإسرائيلي أنها مناطق آمنة.
وفي كل مرة تنزح فيها العائلات الغزية تبدأ رحلة جديدة من المعاناة ويقع النازح بين أمرين إما أن يكتوي بنيران القذائف أو بنيران ارتفاع أسعار وسائل التنقّل الباهظة التي وصلت الي 600 دولار أمريكي في البقعة الجغرافية ضيقة المساحة لتضاهي ثمن تذاكر طيران دولية.
وهناك حالات عديدة تكشف عمق المأساة منها حالة علاء أحمد "42 عاماً" مع عائلته مفترشاً الأرض بأمتعته وأغراضه منتظراً وسيلة نقل تنقله من منطقة غرب رفح جنوب القطاع إلي دير البلح وسطه بعدما نجا بمعجزة من ليلة قاسية عاشها وعائلته قصفت خلالها الطائرات الإسرائيلية خيم النازحين مرتكبة مجزرة ضد المدنيين.
أمضي علاء وقتاً طويلاً ولم يجد وسيلة نقل تقلّه بسعر مناسب إذ كانت الأسعار التي عرضها عليه سائقو المركبات تتراوح ما بين 300 إلي 400 دولار.. ويقول نعيش ظروف نزوح قاسية جداً. هربنا من منازلنا تحت الموت من مخيم جباليا شمال القطاع بملابسنا ولم نأخذ معنا أي شيء اعتقدنا أننا سنخرج لمدة يومين ونعود لكن مرّ علي نزوحنا 6 شهور نزحنا خلالها 7 مرات.
ويضيف: اضطرت زوجتي الي بيع قرط ذهبي وأنفقنا من ثمنه بجانب بعض المساعدات الإغاثية التي نحصل عليها.. وكنا نتمني أن نعود من رفح الي منازلنا وليس الي نزوح جديد ورحلة عذاب جديدة.
ومنذ أن أعلن الجيش الإسرائيلي بدء العملية العسكرية علي رفح شهدت المدينة عملية نزوح هائلة فازدحمت الطرقات والشوارع بالنازحين وأمتعتهم ووسائل النقل المتنوعة ما بين مركبات وشاحنات وعربات تجرها حيوانات يتكدس داخلها وعلي سطحها الفارون من الإبادة.
وبينما كان ينظر علاء جاءته فكرة مقاسمة بعض العائلات النازحة إلي اتجاه نزوحه ذاته ثمن وسيلة النقل.. ويضيف اضطرت عائلتي وعائلة أخري الي استخدام وسيلة النقل نفسها والتي كانت عبارة عن مركبة صغيرة تتسع لأربعة ركاب فقط تقاسمنا بدل المواصلات البالغ 300 دولار أمريكي بعد وقت طويل من محاولة استجداء السائق فتكدسنا قرابة الـ16 فرداً بجانب بعضنا بعضناً بينما وضعنا أمتعتنا علي سقف المركبة فالمهم أن نهرب من جحيم القصف بأي ثمن.
وهناك حالة مجدي كراجة "50 سنة" من مخيم الشاطئ الذي قرر النزوح سيراً علي الأقدام حاملاً خيمته وأمتعته ويجر كرسياً متحركاً تجلس عليه طفلته ندي المصابة بإعاقة حركية برفقة زوجته بعدما فشل في الاتفاق مع السائقين لدفع ثمن معقول مقابل أن يقلّوه الي خيم النازحين في منطقة المواصي جنوب خان يونس.
يقول كراجة أمضيت 48 ساعة علي أمل الاتفاق مع سائق ينقلني مع عائلتي بسعر معقول لا سيما في وجود طفلة ذات إعاقة لا تستطع التحرك لكن المهمة كانت صعبة للغاية فمعظم السائقين كانوا يطلبون مبالغ تترواح ما بين 200 دولار إلي 250 دولاراً فيما كانت نفس المسافة قبل المحرقة لا يزيد علي 25 دولاراً
ويقول إن أسعار المواصلات في غزة تشبه أسعار تذاكر الطيران وعندما سافر قبل عامين إلي تركيا كلفته تذكرة الطيران من مطار القاهرة إلي مطار إسطنبول 400 دولار.
يضيف كراجة الحياة باتت صعبة جداً في ظل استمرار النزوح في كل مرة ننزح فيها نتكبد أعباء مالية ما بين أجرة نقل وشراء أغراض شخصية وطعام ومفارش وأغطية حتي الخيمة حصلنا عليها مقابل 600 دولار والاصل أن توزع علي النازحين مجاناً.
ونتيجة لأسعار وسائل النقل المرتفعة قررت وفاء زعرب البقاء في مدينة رفح تحت الموت مع عائلتها عوضاً عن الذهاب الي أماكن نزوح أخري ورغم الاجتياح البري المستمر.. والمهم بالنسبة لها شراء طعام وغذاء لأبنائها. بدلا دفع قرابة 200 دولار ثمن وسيلة نقل.
ويدافع إسماعيل عبد الكريم "29 عاماً" بقوله نحن كسائقين نعاني من ارتفاع أسعار الوقود منذ بداية العدوان بسبب الإغلاق المستمر للمعابر وتعرض المركبات للتدمير بشكل كامل وارتفاع أسعار قطع الغيار.
ويوضح أن ثمن اللتر الواحد من البنزين ارتفع من دولارين قبل الحرب إلي 30 دولاراً ومن الطبيعي أن يرتفع ثمن أجرة النقل واحيانا يعتمد علي استخدام زيت الطعام كوقود لمركبته بديلاً عن البنزين بسبب ارتفاع الأسعار علي حد قوله.
وفي السياق ذاته تقول وزارة النقل الفلسطينية إن الجيش الإسرائيلي دمر نحو 945 كيلومتراً من الطرق في قطاع غزة ما يعادل 65 في المئة من شبكة الطرق بتكلفة فاقت الملياري دولار كما دمر قرابة الـ55 ألف مركبة في قطاع غزة ما يعادل 60 في المئة من المركبات المرخصة في القطاع.