الماء نعمة ورزق.. وعصب الحياة وقوامها
علماء الدين:
أكد علماء الدين أن الإسراف في المياه حرام شرعا فالله سبحانه وتعالي قال في كتابه الكريم: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" وقد أمر الرسول صلي الله عليه وسلم بعدم الإسراف في المياه وحث علي الترشيد في استهلاكه كما نهانا عن تلويثه بإلقاء المخلفات فيه.
أكد د. محمد مختار جمعة وزير الأوقاف أن الماء عصب الحياة وقوامها. يقول الحق سبحانه: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءي حَييّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ". وهو نعمة ورزق. حيث يقول سبحانه: "أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ". ويقول سبحانه وتعالي: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَري فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَي ذَهَابي بِهِ لَقَادِرُونَ".. ولا شك أن هذه النعمة تستحق الشكر. والشكر لا يكون كلامًا فحسب. إنما يكون بالحفاظ علي النعمة وحسن استخدامها بعدم الإسراف الذي نهينا عنه جملة وتفصيلاً. سواء في شأن الماء أم في غيره. حيث يقول الحق سبحانه: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدي وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ".
وفي خصوص عدم الإسراف في الماء نهانا النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن الإسراف فيه ولو كنا علي نهر جار. كما نهانا ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن كل ما يلوث الماء أو يفسده. حيث يقول: "اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" مما يؤكد ضرورة الحفاظ علي هذه النعمة وحسن استخدامها وترشيد هذا الاستخدام وتعظيمه علي الوجه الأمثل.
وقد عُرِفَ الشعب المصري منذ نشأته بأن عقيدته تقوم علي احترام نعمة مياه نهر النيل. وتقوم ثقافة أبنائه منذ القدم علي الحرص علي نهر النيل وعدم تلويثه. واعتبار تلويثه جريمة من الجرائم الكبري. وقد كان المصري القديم يكتب من ضمن وصاياه في نهاية حياته أنه لم يفعل كذا وكذا من الجرائم. وأنه لم يلوث ماء النهر. وكأنه يتقرب إلي الله بهذه الفضيلة. وابتعاده عن تلك الجريمة النكراء. جريمة تلويث مياه النهر.. فهذه ثقافة المصريين منذ القدم وعقيدتهم منذ الأزل في احترام مياه النهر. والحفاظ علي المياه وعدم تلويثها. وهو ما أكده شريعتنا الغراء.
أشار وزير الأوقاف إلي أنه بناء علي القاعدة العامة لوليّ الأمر تقييد المباح وتقنينه للصالح العام. فإن لولي الأمر أن ينظم بالقانون طرق استخدام الماء لهذا الصالح العام. لأن العبرة بمصلحة مجموع أبناء الوطن لا بمصلحة بعضهم علي حساب بعض.. وعليه ينبغي الالتزام بما تصدره الدولة من تعليمات في هذا الشأن العام. ولا يجوز الخروج عليها لا شرعًا ولا قانونًا. مراعاة للمصلحة العامة. وإيثارًا لها علي المصلحة الخاصة ذلك لأن من جار أو تجاوز في استخدام المياه فوق الحاجة أو في غير ما خصصت له أو بخلاف ما ينظمه القانون إنما يعتدي علي حقوق غيره من أبناء المجتمع ويقلل من فوائد النفع العام المبني علي مراعاة مصلحة المجتمع كله لا بعض أفراده.
ويجب علينا جميعًا الاقتداء بسنة سيدنا رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في ترشيد استخدام الماء والعمل علي الاستفادة بكل قطرة منه وعدم تلويثه أو الاعتداء علي مصابه ومصادره ومجاريه التي يعد الاعتداء عليها اعتداء علي حق المجتمع كله. وتضييعًا لمصلحة معتبرة. وأن المخالفة في ذلك هي مخالفة قانونية وشرعية في آن واحد. لأن القصد من الشرع والقانون معًا في ذلك هو تحقيق مصالح البلاد والعباد.
قال د. جمعة إن المياه الجوفية هي جزء من هذا الحق. والتي ينبغي أن يخضع استخدامها والاستفادة منها لما ينظمه القانون. فما ينطبق علي ضوابط استخدام ماء النهر ينطبق علي استخدامات المياه الجوفية والحفاظ عليها.
الإسراف في استخدام الماء.. مكروه
يقول فضيلة د. شوقي علام مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم إن الله عز وجل أمر بالحفاظ علي الماء وعدم إهداره أو استعماله فيما لا طائل منه أو الإفراط في استعماله بغير مبرر» فقال تعالي: "وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ". وقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة".. وكان من دعائه أن يقول: "رب اغفر لي خطيئتي وجهلي. وإسرافي في أمري كله".
كما ورد النهي عن الإسراف في استخدام الماء في الطهارة» فروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف؟" فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: "نعم. وإن كنت علي نهر جار".. وقد حَمَل جمهور العلماء هذا النهي علي الكراهة. وعليه» فيُكره الإسراف في استعمال الماء» وينبغي علي المسلم المحافظة علي الماء. وعدم الإفراط في استعماله سواء في الطهارة أو في غيرها من الاستعمالات.
أكد د. علام أن الإكثار من صبِّ الماء علي الأعضاء دون الحاجة وفوق حدِّ الاعتدال» هو إسرافى منهيّى عنه شرعًا. بعموم النصوص الشرعية الواردة في النهي عن الإسراف بصفة عامة. وفي الوضوء بصفة خاصة» وروي أَنَّ أَعرابِيًّا جاء إلي النبي صلي الله عليه وآله وسلم يسأله عن الوضوء. فأراه الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا. ثمَّ قال: "هَكذَا الْوُضُوءُ. فَمَنْ زَادَ عَلَي هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّي وَظَلَمَ".
فكلُّ هذه النصوص وغيرها تقرِّر فضيلة الاقتصاد في استخدام الماء. وتؤكِّد علي النهي عن السَّرَف في استعماله ولو في أمر العبادة» كالوضوء والغسل.. لذلك يجب علي كل إنسان المحافظة علي نعمة الماء. وترشيد الاستهلاك في استخدامه ولو لأمر العبادة. كالوضوء والغُسْل» لما له من ضرورة حتمية في الحياة.
مؤامرات منابع النيل
د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أكد أن مصر في توسعاتها الزراعية وفيما استجد من مؤامرات في منابع النيل تتطلب أخذ التدابير الاحترازية الوقائية لهذا الموضوع.. كل المسلمين يحفظون قول الله عز وجل: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".. ومعظم المسلمين يعرفون حديث أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لما مر علي سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه فوجده يسرف في استخدام الماء فقال: "يا سعد ما هذا السرف" يعني ما هذا الإسراف في استخدام الماء في الوضوء فقال سعد رضي الله عنه: أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟.. قال: "نعم ولو كنت علي نهر جاري" فمثلا لو أنت علي نهر النيل أو علي نهر الفرات لا تستخدم الماء بهذه الكثرة.
اقترح د. كريمة من باب التدابير الاحترازية الوقائية في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية التوعية بأن غسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات ليس واجبا أو فرضا بالضبط لأنه لما نقرأ كتب الفقه المعتمدة نجد مرويات أن النبي صلي الله عليه وسلم غسل الأعضاء مرة وفي حالة غسل مرتين ومعظم أحواله كان يغسل العضو ثلاث مرات.. وبعض الناس تفهم إسباغ الوضوء غلط فلما ندخل الآن للأسف المساجد نجد الناس تفتح الصنابير أو الحنفيات علي آخرها فماذا لو أننا قلنا للناس إن صفة وضوء النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يغسل أحيانا مرة وأحيانا مرتين وأحيانا ثلاث مرات.
الأمر الآخر بالنسبة لاغتسال النبي صلي الله عليه وسلم كان يغتسل بما لا يزيد ممكن تقديره بجركن مياه في حدود لترين إنما الآن الناس يملأون البانيو بماء كثير وهذا ممنوع شرعا.
أكد د. كريمة علي ضرورة ترشيد استخدام المياه في المساجد والمصالح الحكومية استخدام الكارت الممغنط المدفوع مقدما بالنسبة لاستهلاك المياه علي غرار الكهرباء.. وأن يكلف أحد عمال المساجد بالتواجد في الحمامات وقت وضوء الناس للصلوات الخمسة.. كما يطالب د. كريمة بتركيب صنابير ذاتية الفتح والغلق مثل التي يتم تركيبها في الفنادق بحيث تغلق ذاتيا.
أكد أن هناك أمرا خطيرا وظاهرة مرفوضة شرعا وقانونا ألا وهي قيام البعض برش الشوارع والطرقات وغسل السيارات في محطات الوقود بمياه الشرب وهذا كفران للنعم.. ولقد شاهدت في طاجيكستان عندما زرتها من عدة سنوات شبكة المياه عبارة عن ماسورتين واحدة فيها مياه معالجة لري الأشجار ورش الطرقات إلي آخره ولغسل الأوعية والأواني وخط آخر للشرب.. لماذا لا نبدأ الآن ونحن في الجمهورية الجديدة بعمل هذا المشروع.. واستبدال شبكات المياه كلها علي مستوي الجمهورية فيكون عندنا خطان خط مياه معالج بحيث يستخدم في رش الشوارع وري الحدائق وغسل الأواني وخط لمجرد الشرب ويكون موجود هذا في البيوت.. وبينما الآخر بالطرقات.. ولتكن البداية في المصالح الحكومية لأن الإسراف 70% من المياه المهدرة موجودة في المساجد والمدارس والكليات الجامعية والمصالح الحكومية.. وسأضرب مثال اليوم وأنت تخاطبني عندي إشراف في امتحانات جامعة الأزهر فدخلت لقضاء حاجتي في حمام وجدت صنبور الماء ينهمر منها والسباك غائب وحاولت غلق هذا الصنبور ما أسعفني ذلك.. تخيل صنبور يسكب المياه 24 ساعة لماذا لا نعمل خطين خط مياه معالجة للرش والغسيل والوضوء حتي والخط الثاني لمجرد الشرب وتقرر له تسعيرة كبيرة لأن من أمن العقاب أساء الأدب.
طالب د. كريمة بضرورة التوعية في المساجد والكنائس بأهمية الماء المحافظة عليه وعدم الإسراف علي أن تكون هناك متابعة جادة من المحليات فيجب أن يكون هناك موظف أو جهة مسئولة عن المحافظة علي المياه ويبقي فيه صرامة في التعامل وعدم أنصاف الحلول.. قال الفقهاء دفع المفاسد مقدم علي جلب المصالح.
الماء أساس الحياة
يقول د. حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر إن الماء أساس الحياة وأرشدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الاقتصاد في استعمال الماء وقال "اقتصد ولو كنت علي نهر جار" وأمر النبي صلي الله عليه وسلم باحترام أماكن وجود الماء بألا نقضي فيها حوائجنا أو نلقي فيها بالقاذورات أو بأجساد الحيوانات النافقة حتي لا يؤدي ذلك إلي عزوف الناس عن استعمالها.. وكان صلي الله عليه وسلم يقتصد في وضوئه وغسله لأن الماء هو أساس الحياة فلا يجوز للإنسان الإسراف في استعماله أو تلويثه بأي شكل من الأشكال ولقد قال الله سبحانه وتعالي "وجعلنا من الماء كل شيء حي".