أمل دنقل ظاهرة شعرية فريدة شاعرا يجيد استخدام الرمزية الممزوجة
قال الدكتور محمد حسين علي حمدان استاذ المناهج وطرق التدريس المساعد بكلية التربية جامعة جنوب الوادى
في ذكرى وفاة الجنوبي ..
أمل دنقل، ظاهرة شعرية فريدة، لم أر شاعرا يجيد استخدام الرمزية الممزوجة بالفلسفة كما فعل أمل دنقل، عندما درست شعر أمل لأول مرة وأنا بالجامعة، شعرت أنني أشاهد هذه القصائد وأرى شخوصها بعينى، فأنا استمتع بمشاهدة (سبارتكوس، سيزيف، أبو نواس، زرقاء اليمامة، الجليلة، الزير سالم)، وكأن هذه الشخوص تخرج من العدم، لتحدثنا عن الحاضر بحكمة الماضي .. وتجارب الحياة.
لا أنكر أنني انجذبت إلي أمل - في البداية - بدافع القرابة ورابط الدم؛ وكأننى أشعر بالفخر لأنه مني وأنا منه، ولكن هذه الأفكار الطفولية ذهبت أدراج الرياح - ولم تعد ثانية - عندما قرأت ديوان الأعمال الكاملة لأمل دنقل - والذي وجدته صدفة في مكتبة والدي رحمة الله عليه - وعند قراءة أول بيتين من قصيدته الخالدة (كلمات اسبارتكوس الأخيرة) يومها شعرت أنني أجلس في المسرح، أنظر إلى هذا الثائر المشنوق والمصلوب على أبواب روما (المتعبة)، وجنوده يمرون أمامه في انكسار، فيهتف سبارتكوس قائلا:
مُعَلَّقٌ أنا على مشانقِ الصَّباحْ
وجبهتي بالموتِ مَحنيَّهْ
لأنني لم أَحْنِها.. حَيَّهْ!
يا إخوتي الذينَ يعبُرون في المِيدان مُطرِقينْ
مُنحدرين في نهايةِ المساءْ
في شارِع الإسكندرِ الأكبرْ
لا تخجلوا..
ولترْفعوا عيونَكم إليّ
لأنكم مُعلَّقونَ جانبي.. على مشانِق القيصَرْ.
فلترفعوا عيونَكم إليّ
لربما.. إذا التقتْ عيونُكم بالموتِ في عَينَيّ:
يبتسمُ الفناءُ داخلي..
لأنكمْ رفعتم رأسَكمْ.. مرَّهْ!
أى إبداع هذا؟، وأي شاعر هذا؟ هذا مشهد سينمائي، تراجيدي، مفعم بالمرارة والحكمة في آن واحد!!، فلسفة لم أعهدها منذ زمن، وكأن الزمن أعاد إلينا المتنبي (فى ثوب التفعيلة) بعيدا عن الشعر العمودي، ولكن بكل صدق ومهابة ....
لقد شكل أمل دنقل وجداننا رغما عنا، أحببنا مفرداته ليست لأنها صادقة وحادة فقط، ولكن لأنها عبرت عما نعجز نحن أن نقوله بهذه الجرأة والصدق والإبداع أيضا، استهوتنا أفكاره لأنها خارج إطار المألوف، فأنت تستمع إلى هذا الفيلسوف الذى يحلل لك الأحداث والمواقف (بحكمة الزرقاء، وشموخ سبارتكوس، وغضب الزيز) وفى الوقت نفسه تحاور عقلك أثناء القراء، وتعمل الفكر في هذه الأبيات لتزن الأمور، وفوق هذا كله تستمتع بالشعر ذاته، أي تفرد هذا، وأي إبداع لن يأتي إلا للشعراء العظام.
أمل دنقل كالمتنبي كلاهما وجهان لعملة واحدة، وإن شئت وجهان لعملة الشعر والفلسفة، وكأنهما ملك وكتابة، وبينهما نجلس نحن القراء لنستمتع ...
....
"ملِكٌ أم كتابهْ؟"
صاحَ بي صاحبي;
وهو يُلْقى بدرهمهِ في الهَواءْ
ثم يَلْقُفُهُ..
(خَارَجيْن من الدرسِ كُنّا..
وحبْرُ الطفْولةِ فوقَ الرداءْ
والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت،
وتهبطُ فوق النخيلِ البعيدْ!)
"ملِك أم كتابه؟"
صاح بي..
فانتبهتُ،
ورفَّتْ ذُبابه
حولَ عينيْنِ لامِعتيْنِ..!
فقلتْ: "الكِتابهْ"
فَتَحَ اليدَ مبتَسِماً;
كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ
باسماً في مهابه!
ذكري وفاة الشاعر الكبير أمل دنقل
٢١ مايو ١٩٨٣