رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

انطلاق قافلة دعوية بالمنيا..صور

بوابة الجمهورية

أعلنت مديرية أوقاف المنيا عن انطلاق القافلة الدعوية وذلك في إطار تفعيل النشاط الدعوي وتفعيل الدور التثقيفي للائمة، تحت رعاية وزير الاوقاف فضيلة الدكتور محمد مختار جمعة و وكيل وزارة الاوقاف بالمنيا فضيلة الدكتور/ حسانين عبد الحكم حسانين حيث، قامت إدارة أوقاف صندفا مركز بني مزار بقافلة دعوية بحضور نخبة من القيادات الدينية بالمديرية، ومدير الإدارة ولفيف من المفتشين وأئمة الإدارة.


انطلاق القافلة الدعوية بالمنيا


وقد تحدث الجميع بصوت واحد حول موضوع: (تطبيقات حسن الخلق) حيث عُقدت مقرأة الأئمة ، ثم عُقد البرنامج التثقيفي للطفل،

ثم عُقدت مقرأة الجمهور عقب صلاة الجمعة، في تلاوة مباركة من جميع الحضور مصداقا لقولة عز وجل (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا) ،

وكانت هناك فرحة وابتهاج بحفظة القران الكريم وتفعيلا لدور الائمة ووزارة الاوقاف في رعاية حفظة القران الكريم.

كما أدى فضيلة الشيخ محمد سعد منسق وحدة لم الشمل وعضو بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر فرع المنيا ، بمتابعة إعلامية من إسماعيل محمد منسق عام المنظمة العالمية لخريجي الأزهر فرع المنيا ، وبقيادة فضيلة الشيخ عصام محمد حسونه وكيل الوزارة ورئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر فرع المنيا ، والشيخ أحمد نوح الأمين العام لفرع المنظمة بالمنيا ، خطبة الجمعة من مسجد إبراهيم باشا بقرية طحا الأعمدة

وقال

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسُول الله -صلى الله عليه وسلّم-، وبعد: فلقد اقتضت حكمة الباري -جلّ وعلا- أن يخلق خلقًا كريمًا في هذا الوجود، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته تعظيمًا لمكانته، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؛ وما ذاك إلا لغايات ومقاصد، ومن بين مقاصد خلق هذا المخلوق -وهو الإنسان- إقامة التوحيد لله تعالى، والتزكية للنفس البشرية، والاستخلاف والتعمير في الأرض، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله سبحانه: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] أي: طلب الله منكم تعمير الأرض وإصلاحها لا إفسادها.

والملاحَظ أن تلك المقاصد مرتبطة ببعضها، مترتبة بين مكوناتها، فالتوحيد يعلّم العبودية، ويعين على التزكية للنفس، ومن ثم يدعو الإنسان إلى تعمير الأرض وإصلاحها.

ومن بين وسائل تزكية النفس وترقيتها: (التربية الأخلاقية)، والتي هي إحدى وسائل التربية عند النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، والتي أكّد عليها المربّون في كل زمانٍ ومكان، قديمًا وحديثًا. واعترفوا بفضل النبي في هذا الباب وغيره.

فإنه مما لا شكَّ فيه أنّ سيِّد المربين -وليس غيره- هو رسول الله محمد

والكلّ ينهل من بحْر تربيته ونهر طريقته العذبة في إعداد الرّجال وصناعة الأبطال.

وحُقّ لكلّ مسلم ينتسب لمحمدٍ أن يهنأ ويتشرّف بالانتساب والانتماء إليه وإلى رسالته والحق الذي جاء به؛ فلم تعرف الدنيا رجلاً قاد أمّته بالأخلاق إلى أعلى القمم مثله، وحوّل بالأخلاق رعاة الغنم إلى قادة الأُمم، وهذا ما اعترف به الغربيون؛ حيث يقول قائلُهم: (إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كمحمد إليها.. إنه رغم أميّتِه استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع -ونظام- سنكون نحن الأوربيين أسعد الخلق لو وصلنا إلى قمّته بعد ألفي عام).

ولم لا؟

وقد كان النبي نموذجاً فريداً للمربي العظيم مع كل أفراد المجتمع بداية من الأطفال وحتى الكبار، فكان نموذجًا للأبوة الكريمة في حياة البشرية؛ حيث يفرح بقدوم الأبناء، ويشارك في اختيار أسمائهم، ويحنو عليهم فيمازحهم، ويلاعبهم، ويضمّهم إلى صدْره الكريم، ويقبلهم، فإنّ هذا يعطيهم الجوَّ النفسي للحياة الإنسانية السوية، رحمة، وحباً، وإخاء.

وكان نموذجًا للمعلّم الشفيق، والأستاذ الرفيق، والصاحب الصديق، والمحبّ لأصحابه، الرفيق بهم، المُعْلِي لأخلاقهم، المصحّح لأخطائهم. وكان من ثمار هذه التربية الفذَّة أن جيل فريد عظيم، عظيم في إيمانه، وعبادته، وتفكيره، وأخلاقه، ومعاملاته.

وتنوعّت كل أنواع التربية عنده صلى الله عليه وسلّم: فما بين التربية العقديّة، إلى التربية التعبدية، إلى التربية العلمية، إلى الأخلاقية، السياسية، الاجتماعية، التربية الجسدية، الدعوية، والنفسية...

ومن هنا تأتي هذه المقالة عن التربية الأخلاقية كأحد أهمّ وسائل الترقية بقيم الناس وأخلاقهم، والتي لها دورها بالفعل في تعمير الأرض وتغيير الأنفس إلى الأحسن، كما أن لها دورًا بارزًا في نشر الإسلام ورفعة رايته.

ماهية التربية الأخلاقيّة:

==============

بالنظر في معاجم اللغة المختلفة فإن التربية تعني: النماء والزيادة والرعاية وعلوّ الشأن، وقد تستخدم في الأمور المادية والمعنوية على السواء، لكن استخدامها في الأمور المعنوية أكثر وأبلغ.

ومن الناحية الاصطلاحية: فإنّ التربية تعني تكوين الفرد الصالح في كل مجالات الحياة، ليكون عضوًا ناشطًا في المجتمع، حريصًا على مصلحته ومصلحة مجتمعه دنيا وأخرى. وتعني: إيصال المربَّى إلى مراتب الكمال التي هُيّئ لها.

وأمّا التربية الأخلاقية فهي: تلك التربية القائمة على نبذ القيم الفاسدة والتخلّي عنها والتدرّب على البُعْد عنها، والقائمة على فهم طبيعة الخِلْقة في الحياة وفهم الرسالة البشرية، ومن ثمّ التحلّي بأرقى القيم وأنقى الفضائل. وهي بمثابة عملية لإصلاح الأخلاق وتقويم ما انحرف من السلوك.

وهذه التربية لا تتغيّر ولا يطرأ عليها التبديل أو التغيير من صورة كانت إلى صورة ستكون؛ لأنّ المنظومة الأخلاقية ثابتة لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتطور، فهي كما هي في كل شريعة ودين، وفي كل زمان؛ فلا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يصبح الكذب والخيانة في زمنٍ مّا من الفضائل، أو الصدق والأمانة والتمسّك بالحقّ من البلاهة والغباء، أو السباب وبذاءة اللسان من الأدب؛ بل إن ما جاء الإسلام بذمّهِ فهو مذمومٌ إلى يوم القيامة، وما جاء بتحسينه ومدحه فهو كذلك إلى يوم القيامة لا يتغير ذلك أبداً.

أهمية التربية الأخلاقية في حياة الأمم:

=====================

لا شكّ أنّ السعي في الإصلاح الأخلاقي لدى الأسرة المسلمة يعدّ من أهم أولويات وأسباب نشأتها وإقامتها، كما أنه لا غنى لأي أمّة من الأمم عن الأخلاق والتربية القيمية؛ خاصة وأنّ التقدّم والبقاء والاستمرارية -سواء في الذاكرة أو في الترقي العمراني الحياتيّ- مرتبط بعظمة أخلاق الأمم والشعوب.

ولذا كانت رسالة الإسلام هي رسالة الأخلاق والقيم، وقد مدح الله نبيه محمدًا بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ولأن القرآن الحكيم هو الدستور للأمّة، فإن المذكرة التفسيرية لهذا القانون وذلكم الدستور هي السنة والسيرة؛ فها هو رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلّم يلخّص رسالته، التي استمرت 23 عامًا بين مكة والمدينة، بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»( ). وفي رواية الإمام مالك -رحمه الله-: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاقْ»( ).

وهذا أمير الشعراء أحمد شوقي –رحمه الله- يوجِز سبب التقدّم الحقيقي والبقاء المستمر للشعوب، في قوله:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ومن هنا فإن تقدّم الأمم والشعوب مرتبط بعِظم الأخلاق وعلو قامتها، ولا شكّ أن استمراريّة التربية الأخلاقية ضرورة تمليها ظروف العصر المتغيرة، فضلا عن أنها فريضة شرعية، وفطرة إنسانية.

وإذا أردت أن تدرك حجم الأهمية والأثر للتربية الأخلاقية في حياتنا فانظر: كم من أمّة وأسرة وعائلة ساءت أخلاقها، وفسدت قيمها .. أين هي الآن؟!! زمنًا ومكانًا وأثرًا...

فأين أمّة فرعون، وقارون، وعائلة هامان، وغير هؤلاء ممن ساءت أخلاقهم، وتدنّست فطرهم، قد بادوا وهلكوا وما استقرّ لهم مكان لا في بلد ولا في قلب إنسان، ولا في ذاكرة التاريخ المحترمة الطاهرة؛ فالتاريخ لا يهتمّ بالتافهين ولا يأبه بالخائنين!!

عناصـر التربيـة الأخلاقيـة:

=================

وتتعدّد مراحل التربية الأخلاقية للأبناء والبنات وللمجتمع كله، ولعل من المناسب على سبيل الإجمال أن نعدّد بعضًا من عناصر هذه التربية، وتتمثل في الآتي:

1. التأكيد على حق الله تعالى في العبادة والتوجّه إليه والثقة به واليقين بما عنده، وانظر معي إلى وصية لقمان لولده وهو يعظه فيقول له: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. فأمره بإخلاص العبادة، ونهاه عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب وأكبرها.

2. التربية على مراقبَتين، إحداهما: مراقبة الإله الذي يرى ويسمع ولا تخفى عليه خافية، والثانية: المراقبة الذاتية والضميريّة، حيث يكون الإنسان رقيبًا على نفسه، مستشعرًا مسؤوليته عن عمله ورسالته في الحياة.

3. تحفيز الهمّة بنشر القيم والأخلاق؛ رغبةً في الإصلاحِ المجتمعي ودعوة الناس إلى الخير، ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين كان يقول: «من سرَّه أن يكون من هذه الأمة فليؤدِّ شرط الله فيها!! قالوا: وما شرط الله فيها يا أمير المؤمنين؟ قال: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتلا قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» [سورة آل عمران: 110]( ).

وسائل التربية الأخلاقية:

ومن بين الوسائل المساعِدة على التربية القيمية والأخلاقية (التربية بالقدوة الحسنة؛ فالعين ترى أكثر مما تسمع الأُذُن، ورؤية العين للشخص أصدق من سماعه منه، التربية بالقصة المربية والمحفّزة، التربية بالحدث والموقف، التربية بالعبرة والموعظة، بتكوين العادات الحسنة، بضرب الأمثال، عن طريق حل المشكلات، بتفريغ الطاقة وشغل أوقات الفراغ، ....الخ) ويمكن للمربين اعتماد بعض هذه الوسائل في التربية الخلقية للأبناء والبنات.. ولها نماذجها من السنة والسيرة، ولها أثرها الرائع في التغيير...

دور التربية الأخلاقية في تكريس القيم:

وإنّ لهذه التربية الخُلُقيّة دورًا وأثرًا في تكريس القيم كالصدق والأمانة والتمسّك بالحق والدفاع عنه، في رحاب المجتمع المسلم، كما أنّ هذه التربية تسهم بشكل كبير في التأكيد على الغاية التي من أجلها خلق الله البشر فلا يضل عنها العاقل ولا يزيغ عنها الواعي الصالِح.

ومما يترتب على التربية الأخلاقية كخدمةٍ لمنظومة القيم في المجتمع ما يأتي:

1. الوصول إلى مرضاة الله تعالى ونيل محبته ومعونته، يقول جلّ شأنه وتقدّست أسماؤه: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} [الكهف: 16] وما الإيواء إلى الكهف إلا وسيلة للإيواء إلى الربّ العليّ سبحانه، وما يترتب على ذلك إلا الرحمة والمعية والحياة الهانئة.

2. تزكية النفس والعمل على ترقيتها في الحياة بما يتناسب مع دورها الحقيقي في الدنيا، وذلك باستبدال الخلق الجاهلي بآخر إسلامي، وقد أقسم الله بالنفس البشرية على فلاح من زكّاها وخيبة من دنسها ودسّاها، وصدق الله إذ يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10].

3. تهذيب الغرائز وتنمية العاطفة الحسنة المنضبطة مع الآخرين؛ فالإنسان المركّب من عقل وعاطفة، لا بد له من توازن بين طرفي المعادلة الفكرية والعاطفية؛ لأنّ طغيان العقل ضلال بعكس ما يعتقد البعض، وطغيان العاطفة هلاك بعكس ما يعتقد البعض، لكن التوازن يضمن النّجاة، ويعصم المجتمع من الفتن والشهوات والشبهات.

4. تنمية الإيجابية والمبادرة لذاتية نحو معالي الأمور، وذلك من خلال استشعار المسؤولية الفردية في البذل والعطاء، تحقيقًا لقول الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].

5. التعبّد لله تعالى بالعادات الحسنة والأخلاق الطيبة وذلك بإضافة النية الصالحة لذلك كلّه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]. ومن ثم تصير الحياة كلها عبادة لله تعالى. ولا ننسى أن نضيف إلى ما سبق أنّ كل عبادات الإسلام تعلّم وتربي الأخلاق في النفس المسلمة، فتنمية العبادة تنمية للخلق الكريم.

6. اكتساب مهارات الخدمة للغير؛ رغبةً في المثوبة من الله تعالى ورفع المعاناة عن البشرية؛ لأن من عاش لنفسه مات سريعًا، ومن عاش لنفسه ولغيره عاش طويلا ولو مات بجسده، فيكفيه أن يعيش في الفضاء الذاكرة يسبح فيها فينال الدعوات والذكر الطيب.

7. توسيع دائرة مفهوم العمل الصالح من العمل المادي إلى العمل المعنوي داخل المنظومة الأخلاقية في المجتمع؛ فالإسلام يؤكّد على أنّ تسببك كمسلم في ابتسامة آخر عمل صالح، وكونك كمسلم سببًا في إزاحة همٍّ عن آخر دليل إيمان ورقيّ وعمران، ففي سنن الترمذي، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» [قال عنه الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وصححه الشيخ أحمد شاكر]. وتلك دعوة أخلاقية لاكتساب الثواب من عمل معنوي راقي..

8. بل إن التربية الأخلاقيّة لها دورها في الاستقرار والتنمية، فالاستقرار النفسي وتحقيق السعادة النفسية من الأمن والرضا، والاستقرار العاطفي والفكري والاستمتاع بالحياة، والتنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كلها آثار جربها المجربون وعاشها الصالحون، ولم يبق لأبناء زماننا إلا أن يسيروا على رحاب السابقين.

9. كما أنّ التربية الأخلاقية ضرورة اجتماعية ومجتمعية؛ لها دورها في الحفاظ على الروابط الاجتماعية بين الناس، وتقوية الصلات؛ إذ كيف يكون هناك صلة اجتماعية محترمة والأخلاق غائبة؟ وكيف يتحاب الناس وأغلبهم يبحث عن ذاته متناسيا هموم غيره؟ وقد قال أحد العلماء يومًا: «لا سعادة لأمة الإسلام إلا بتحقيق حقائق الإسلام وإلا فلا، ولا يمكن أن تذوق الأمة السعادة في الدنيا أو تعيش حياة اجتماعية فاضلة إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية المرتبطة بالأخلاق الراقية، وإلا فلا عدالة قطعا ولا أمان مطلقا إذ تتغلب عندئذ الأخلاق الفاسدة والصفات الذميمة، ويبقى الأمر معلقا بيد الكذابين والمرائين».

10. كما تنبع قيمة «وحدة الأمة» من منظومة التربية القيمية والأخلاقية في الأمة، فيبحث المسلم عن أخيه المسلم، ينظر أيحتاج شيئا يساعده به، أعنده همّ يعمل على تفريجه، أعليه ديْن يسعى في قضائه، أوقع عليه ظلم يعمل على إزالته، .... وهكذا الأمة واحدة كما أرادها الله تعالى، ولن تكون واحدة إلا إذا ترعرعت القيم والأخلاق وتربى أبناء المجتمع على الوحدة وقوة التماسك بين أعضاء الأمّة، فلا نعمت الحياة لإنسان عاش لذاتيته متناسيا هموم أمته.

11. كما لا يمكن أن ننسى أثر التربية الأخلاقية في تحجيم الجريمة في المجتمع، فالسارق يتذكّر عين الله تعالى ومراقبته له، والزاني المعتدي على الأعراض ينظر فيرى عين الله أسبق إليه وملائكته تسجّل وتدوّن ما يقوم به، والظالم بالتربية الأخلاقية –إذا سادت في المجتمع- علم ألا مكان له بين الناس، وسيظل مكروهًا، كما يوشك أن يهلك بدعوات المظلومين وصرخاتهم التي تفتح لها أبواب السماء ولا تردّ... وهكذا تقلّ الجريمة وتتحجّم نسبة الاعتداءات السلوكية والأخلاقية على الآخرين، ومن ثم يأمن المجتمع ويتقدّم الناس في الحياة بلا خوف أو اضطراب.. ورحم الله خليفتنا الخامس الراشد عمر بن عبدالعزيز لما ساد عدله قلّت الجريمة وتنكّست أعلامها بين أبناء الأمّة.

وهذه الآثار جميعها لا يمكن أن تتحقق لنفس تنكَّبت نهج السلوك الحسن، والخلق السوي حيث تملؤها الأحقاد والتوترات، والانفعالات النفسية الحادة، وسرعة الغضب، والسلبية، وكثرة النسيان، ومن المعلوم أن كثرة الانفعالات وشدّتها تؤثر تأثيراً بالغ الضرر على مختلف الوظائف والعمليات العقلية للفرد كالإدراك والتذكر والتفكير، وقد قيل: "الخلق السيئ يضيِّق قلب صاحبه؛ لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه".

والتربية الأخلاقيّة كما سبق- هي الحلّ والملاذ للغرقى في بحار الظلم والطغيان والغفلة والفساد والضياع. فهلمّوا أيها الناس إلى مائدة الأخلاق الفاضلة، واعلموا بأنّ ما عندكم ينفد وما عند الله باق...

ويمكننا أن نقول أخيرًا:

لَقَدْ بَنَى الإِسْلاَمُ نِظَامًا مُتَكَامِلاً فِي كُلِّ شُئُونِ الحَيَاة، فِي السِّيَاسَةِ والاقْتِصَادِ والحُرُوبِ والجِهَادِ والمُعَامَلات وكذا الأخلاقيات والسلوكيات.

وليس من الصعب أن تتضافر الجهود المجتمعيّة في بناء هرم الإصلاح الأخلاقي في حياة الأفراد والمجتمعات؛ لصدّ هجمات الذين يريدون تعرية المجتمع من كل فضائله وقيمه، وحرصًا على تأدية رسالة الإسلام التي شرّفنا الله بالانتساب إليها.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة