الشيخ عثمان الشبراوي.. شهيد الفجر
مزامير داود "الحلقة 29"
بدأ حياته مهاجراً إلي كتاب الله وهو طفل صغير.. وامتدت به رحلة الهجرة حاملاً لآي الذكر الحكيم لنحو 56 عاماً.. ظل خلالها متنقلاً بين هجرةً لمحارم الله.. وهجرة إلي مقاصد العلم والتلاوة.. حتي ينهل من معينها الصافي.. حتي أتي يوم سعده مساء يوم خميس عندما هاجر من بلدته بالشرقية إلي القاهرة لقراءة قرآن فجر الجمعة في رمضان عام 2003 عبر أثير إذاعة القرآن الكريم والبرنامج العام وفقاً للجدول الموضوع للقراء والمبتهلين في البث المباشر..
أتي وقت الفجر.. وما هي إلا لحظات حتي قدمه المذيع في نقلي حي لشعائر صلاة الفجر من مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها بالقاهرة.. وبدأ الشيخ في القراءة من سورة العنكبوت بمقام البياتي حتي وصل إلي قوله تعالي: "فَآمَنَ لَهُ لُوطى وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرى إِلَي رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".. لكن الشيخ توقف هذه المرة بعد قراءة تلك الآية ليهاجر أيضاً.. هجرةً أخيرة إلي جوار ربه.
إنه الشيخ "عثمان الشبراوي" المعروف بـ "شهيد الفجر" كما أطلق عليه. والمولود يوم السبت الموافق 12 أكتوبر عام 1946. بقرية البيروم مركز فاقوس بمحافظة الشرقية.
بدأ الشيخ في حفظ القرآن الكريم صغيراً، حتي أتم الله عليه حفظه كاملاً ومجوداً وهو ابن الحادية عشر عاماً من عمره. علي يد والده الشيخ "الشبراوي". والذي لم يتواني عن تعليم ابنه علوم القراءات السبع.. حيث كان الوالد يعمل مُحَفِظَاً لكتاب الله في قريته.
ألحقه والده الشيخ "الشبراوي" بمعهد فاقوس الديني، ثم انتقل بعد أن تخرج فيه إلي دار المعلمين بفاقوس. وبعد تخرُجِهِ عُيِّن مدرساً للقرآن الكريم بالمرحلة الإبتدائية بوزارة التربية والتعليم حتي ترقي إلي درجة موجه عام.
شارك الشيخ "عثمان" خلال هجرته- شاباً حاملاً للقرآن الكريم في صدره- كبار القراء في فترة الستينيات وأحيا معهم الحفلات والمناسبات الدينية، وكان والده يدفعه دفعاً إلي تتبع حفلات القراء المميزين منهم لكي يتعلم من طريقة أدائهم وتوظيفهم للمقامات الصوتية في تلاوتهم للقرآن، الأمر الذي أثقل موهبته حتي أصبح صوته من الأصوات التي تركت أثرًا كبيرًا في الساحة القرآنية.
من المواقف الطريفة التي تعرض لها الشيخ أثناء مسيرته القرآنية، أنه تلقي دعوة لإحياء سرادق عزاء في إحدي القري المجاورة، وبالفعل اقتطع الشيخ عدة ساعات من وقته وذهب ملبياً لإحياء السرادق، وعندما وصل إلي العنوان المحدد في الموعد المحدد لم يجد أي مظاهر علي وجود حالة وفاة، وعندما سأل الشخص الذي استقبله والذي سبق أن تلقي منه الدعوة قال: إن الميت هو أبي لكنه لم يمت بعد!!" فتعجب الشيخ وقال له: إذن لماذا دعوتني.. بارك الله لكم في عمر أبيكم.. فرد عليه الداعي بأن والده في النزع الأخير، وتبين للشيخ أنهم حباً فيه تم دعوته لإحياء ليلة أبيهم المتوقعة حتي لا يحجزه أحداً غيرهم في اليوم المتوقع، عندها تأكد للشيخ أنه وقع رهن تصرفات غير مسئولة من أبناء الميت المحتمل!! فطلب الإذن بالرحيل، لكنهم لم يأذنوا له حتي يمضي ليلته في ديارهم. وفي الليل أتاه أحدهم وأطل عليه من نافذة الحجرة التي كان يجلس فيها، وقال له: يا شيخ.. ألم أقُل لك بأن والدي سيموت، استعد فقد مات الوالد.. ونعمل حالياً لنصب صوان العزاء.
عندما أراد أن يذهب لاختبارات الإذاعة استقلَّ أثناء ذهابه إلي مبني ماسبيرو عربة "حنتور" فأطلقوا عليه الشيخ "رفعت الجديد". وذلك لأن الشيخ "محمد رفعت" والشيخ "محمد الصيفي" وهم من الرعيل الأول كانوا يذهبون إلي الإذاعة من خلال هذه الوسيلة القديمة في التنقُّل. ونال الشيخ إعجاب لجنة الاختبار من الوهلة الأولي وتفوق بامتياز وتم اعتماده بالإذاعة في ديسمبر عام 1980.
توفي الشيخ عثمان الشبراوي في 23 من شهر رمضان عام 1424 هجريا الموافق 2003م عن عمر ناهز "56 عاماً"، بعد أن تعرض لأزمة قلبية حادة أثناء قراءته لقرآن الفجر من مسجد السيدة نفيسة العلم علي الهواء مباشرة.. إلي أن اضطر القائمين على وحدة الإذاعة الخارجية لقطع البث بحجة وجود عطل فني، واستكملوا البث بشريط مُسجل للشيخ فتحي المليجي.. تاركاً للإذاعة المصرية والمكتبة الصوتية الكثير من التلاوات القرآنية.. رحم الله شيخنا الجليل رحمة واسعة علي ما قدمه في خدمة القرآن الكريم.