رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مهرجان المسرح العربى.. دورة فوق الاستثنائية بكثير

جمهور غفير تابع عروض
جمهور غفير تابع عروض المهرجان - أمين ناسور الفائز بالجائزة

بغداد تنهض مجددا وتستعيد تاريخها المجيد
تنظيم دقيق وفعاليات متنوعة.. والجمهور البطل الأول

عندما أعلن مسئولو الهيئة العربية للمسرح أن الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح العربي، التي ستقام في بغداد بالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية ونقابة الفنانين العراقيين ودائرة السينما والمسرح "10- 18 يناير الجاري" ستكون دورة استثنائية في كل شيء، اعتبرته كلاماً بروتوكوليا لطيفاً، فاغلب الدورات، التي أتيح لي حضورها، كانت دورات استثنائية بالفعل، تجمع مئات المسرحيين العرب، وتقدم مجموعة من العروض المسرحية المختارة بعناية من قبل لجان مشاهدة، فضلا عن الندوات الفكرية والصحفية، والمسابقات والإصدارات وغيرها، فما الذي ستضيفه دورة بغداد؟.


أضف إلي ذلك أنني، وربما غيري، ذهبت إلي بغداد بربع حماس، وقدر لابأس به من التحفظ. وقدرأكبر من الشك فى أن تكون الدورة كذلك، ليس تقليلا من إمكانات المسئولين فى الهيئة، الذين اكتسبوا خبرات كبيرة في التنظيم والبرمجة عبر ثلاثة عشر دورة، ولا تقليلا من قدر مسرحيي العراق ومسئوليها، الذين يحملون فوق ظهورهم تاريخا من المجد والفخار، كونهم أبناء الرافدين الذين تضرب حضارتهم بجذورها فى أعماق التاريخ قبل خمسة آلاف سنة من الميلاد، فقط كنت أقول لنفسى إن بغداد التى مرت بظروف صعبة. تألمنا لها جميعا، ربما لم تستعد بعد لاستضافة حدث كبير كهذا، وقلت أيضا لماذا العجلة ياناس؟.

من حقك أن تسألني: لماذا ذهبت إذن ولديك كل هذه التحفظات؟ وأقول لسعادتك: ومن المجنون الذي لا يلبي نداء بغداد، لا أظن أن عاقلاً في الدنيا تأتيه فرصة زيارة هذه المدينة ولاينتهزها، لقد نشأنا على حب بغداد، والانبهار بتاريخها وعطائها، بغداد التي أسسها، قبل نحو 1259 عاما، الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، لتكون عاصمة الخلافة العباسية، بغداد التي وصلت إلي أوج ازدهارها الاقتصادي والفكري فى القرنين الثامن وأوائل القرن التاسع تحت حكم المهدي وخليفته هارون الرشيد. وانعكس مجدها في هذه الفترة فى قصص ألف ليلة وليلة، ثم اعتبرت أغني مدينة فى العالم، وكانت مكتظة بسفن قادمة من الصين والهند وشرق إفريقيا، بحسب الموسوعة البريطانية.

بغداد التي تذكر المصادر أنها أصبحت، بعد أن بناها العباسيون، مهوي العلماء منشتى الأقطار والأمصار، فأَمّها العلماء والأدباء، ووجدوا فى رحابها من الخلفاء مالم يجدوه فى غيرهم من ترحاب وتقدير، فازدهر العلم والأدب فى ربوعها وانتشرت فى أنحائها حلقات الفكر يساجلون فيها ويتناقشون، فكانت بذلك منارة شامخة لكل علم وفنّ وفكر.

إجراءات معقدة

لكل هذه الأسباب لم أشأ أن أضيع الفرصة، وإن ظلت الهواجس قائمة، خاصة أن الإجراءات الأمنية وتفاصيل الحصول على تأشيرة الدخول كانت معقدة، بل إن تفاصيل السفر من القاهرة كانت معقدة هى الأخري، لكن كله يهون فى حب بغداد وحب المسرح، ثم إن لدي حب استطلاع وأريد التحقق من مصداقية "دورة استثنائية" هذه!.

أقول لك الحق فإنني منذ دخولي إلي المسرح الوطني، الذي شهد حفلي الافتتاح والختام، ومشاهدتي المسرح ممتلئا عن آخره بالجمهور، ووقوفي مع الحاضرين أثناء عزف النشيد الوطني، الذي تم اعتماده بعد الاحتلال الأمريكي الغاشم "موطني موطني" للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، وتلحين إبراهيم فليفل، دمعت عيناي، وأدركت أن بغداد كانت تستحق أن يشد المسرحيون العرب رحالهم إليها.

دعك من العواطف، ودعني أذكر لك ماجري في هذه الدورة وجعلها تصعد إلي ما فوق الاستثناء بكثير، لم يترك منظمو المهرجان فرصة للظروف، أعدوا عدتهم قبل انعقاده بفترة طويلة، ربما عقب انتهاء الدورة الثالثة عشر، وهو ما انعكس على الأداء، الذى جاء منضبطا وسلسا، والأهم أنه جاء محبا، فكل من يعمل بالمهرجان، سواء من الهيئة العربية للمسرح، أو من المسئولين والمسرحيين والإعلاميين العراقيين، يعمل مدفوعا بمحبة المسرح، وراغبا فى أن تكون الدورة علامة فارقة فى تاريخ المهرجان تليق بهذا البلد العريق الذي تحدي ظروفه وأصر أبناؤه على النجاح وتقديم صورة طيبة ومبهرة عن بلدهم الذى لايكف عن ابهارنا دائما بعطاءاته الفكرية والثقافية والفنية.. انها فى الأول والآخر بغداد.

كان على المتابع لفعاليات المهرجان أن يلهث على مدار اليوم ليمسك ببعض أطرافه، مابين عروض مسرحية، وملتقي فكري ومؤتمرات صحيفة واستديو للتحليل النقدي، وغيرها من الفعاليات التي احتشد بها المهرجان، وكأن بغداد تستعيد شبابها وحيويتها، أما مكانتها فهي باقية، ومحفوظة دائماً.

متن أساسي

وإذا كانت العروض المسرحية هى المتن الأساسي لأي مهرجان مسرحي، فإن هذا المتن بدا قوياً وفاعلا، كما وكيفا، واستطاع اجتذاب الآلاف إلي المسارح الثلاثة التي تستضيف العروض، مسرح المنصور، ومسرح الرشيد، والمسرح الوطني، وهي مسارح مجهزة بأحدث التقنيات وما من عرض إلا وكانت ممتلئة عن آخرها بالجمهور، وعلمت أن بغداد وحدها تضم أربعة عشر مسرحا وهو ما يعكس مكانة وحضور المسرح فى هذا البلد العريق.

عشرة أيام أمضيتها فى بغداد، كانت مكللة بالفرح والمتعة والإبهار والمحبة، أدركت أن العراق ينفض عنه غبار الأيام السوداء وينهض مجددا عفيا ومتألقا وفاعلا، وأدركت أن مسئولي الهيئة العربية للمسرح، ومسئولي الثقافة والمسرح، والمسرحيين فى العراق الشقيق، كانوا على حق عندما اختاروا بغداد لاستضافة الدورة الرابعة عشر من مهرجان المسرح العربي، ولم يبالغوا عندما أكدوا أنها ستكون دورة استثنائية فى كل شيء.

كل التحية للهيئة العربية للمسرح ورئيسها الأعلي الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلي لدولة الإمارات العربية حاكم الشارقة، والكاتب إسماعيل عبدالله الأمين العام للهيئة، والفنان غنام غنام مسئول التدريب فى الهيئة، وفريق العمل بالهيئة، ووزير الثقافة العراقي أحمد فكاك البدراني، ود. جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين مدير دائرة السينما والمسرح، أما مسرحيو العراق وجمهور العراق فكانوا أبطال هذه الدورة بجدارة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة