حلول جذرية.. لمواجهة المضاربات علي الدولار
دكتور حمادة صلاح:
لابد من تغليظ العقوبات على تجار العملة
دكتورة زينب قاسم:
تقليل الاعتماد على الاستيراد.. وزيادة الصادرات
دكتور أيمن غنيم:
المسئولية تقمع على عاتق الأجهزة الرقابية
دكتور أحمد رفعت:
طرح منتجات صرفية.. للمصريين بالخارج
شهدت المضاربات على سعر الدولار في السوق الموازية أو السوق السوداء زيادة كبيرة خلال الفترة الماضية في ظل غياب أجهزة الرقابة وعدم قدرتها علي ضبط كبار المتلاعبين مما أدي إلي تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية لتتجاوز حاجز الـ 50 جنيهاً لأول مرة في تاريخه بينما يستقر عند مستوي 9.30 جنيه في البنوك.
هذا الارتفاع الكبير انعكس بشكل واضح على أسعار السلع فى الأسواق وخاصة الأجهزة الكهربائية التى قفزت أسعارها إلى مستويات قياسية فى مدة وجيزة لأنها تعتمد على المكون المستورد فى أغلبها وكشف المتعاملون فى السوق الموازية أن كبار تجار العملة يحسبون كميات هائلة من الدولار بهدف تعطيش السوق وتحسباً لخطوة تخفيض مرتقب لقيمة الجنيه المصري.
والسؤال الآن: كيف نواجه هذه المضاربات لحماية الاقتصاد الوطني؟!
عرضنا هذا السؤال على عدد من الخبراء لتقديم حلول جذرية لمواجهة المضاربات على الدولار.
فى ضوء اشتعال سعر الدولار فى السوق السوداء وتجاوزه 50 جنيها، وارتفاع المضاربات عليه نتيجة المشكلات الاقتصادية التى شهدها وما زال يشهدها العالم أجمع علي هامش الأزمات المتعاقبة وعلى رأسها أزمة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإسرائيلية الفلسطينية، من جانب وفى ضوء مخاطر المضاربات على الدولار من جانب آخر وما تسببه من تفاقم للأزمة الاقتصادية "المساء" تواصلت مع الخبراء لاستخلاص رؤاهم حول كيفية مواجهة هذه المضاربات والحد منها.
أوضح دكتور حمادة صلاح "مدرس الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة السويس" أن مفهوم المضاربة بصفة عامة يشير الي شراء / بيع "الأصول او العملات او أوراق مالية" من أجل إعادة بيعها/ شرائها في وقت لاحق بغرض تحقيق أرباح من فرق سعرى الشراء والبيع، وتتمثل المضاربة على الدولار في قيام شخص ما بشرائه عملة، ليس بهدف دفع ثمن استيراد بعض المنتجات أو الاستثمار في عمل أجنبي، وإنما أملا في بيع الدولار بسعر أعلي فى المستقبل، مضيفا أن المضاربة علي الدولار فى مصر انتشرت خلال الفترة الأخيرة كنتيجة للازمة الاقتصادية والفجوة بين العرض والطلب علي الدولار بسبب الاضطرابات الدولية والحرب الروسية الأوكرانية وما صاحبها من تضخم على مستوى العالم، فضلا عن نقص تدفقات الدولار فى مصر بسبب انخفاض عائدات السياحة وكذلك انخفاض تحويلات المصرين بالخارج.
أضاف أن المضاربين استغلوا هذه الأزمة الاقتصادية والفجوة بين الطلب والعرض من الدولار وحالة عدم الاستقرار مما ادى الى مزيد من ارتفاع سعر الدولار فى السوق غير الرسمي حيث وصل سعره الى 54 جنية للدولار الواحد، مقابل 31 جنية تقريبا فى السوق الرسمى، وهو ما أدي إلى ارتفاع الأسعار بصفة عامة وخاصة السلع المستوردة، مشيرا الى أن المضاربين يسعون لرفع قيمة الدولار عن طريق احتكاره لتحقيق المزيد من المكاسب، وبالتالي فهم يعطلون السياسات الاقتصادية الرامية الي تحقيق الاستقرار فى سوق الصرف، مما قد يؤدى الى انهيار قيمة العملة المحلية، موضحا أن المضاربة تجعل الأسواق المالية عرضة للأزمات من خلال تضخيم المشاكل وتحويلها إلي كوارث، ويكون المتضرر الأكبر هنا هو محدودي الدخل.
أكد ضرورة مواجهة المضاربة عن طريق تحريك السعر الرسمى للدولار لسعره العادل "الذي يتراوح من 38 الي 40 جنية" مع توفيره لتلبية الطلب عليه، كما ينبغي للدولة أن تشجع الأفراد على عدم المضاربة على الدولار من خلال التوعية بمخاطر المضاربة على المجتمع ككل من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك تفعيل وتغليظ العقوبة على المضاربين.
ترى خبيرة الاقتصاد دكتورة زينب قاسم أن المضاربات على الدولار تعد من التحديات المالية التي تواجه مصر فى الوقت الحالى، وتؤثر سلبًا علي الاستقرار الاقتصادي. مشيرة إلي ضرورة تعزيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال المصرية، فعندما يكون الاقتصاد قوياً مستقراً. تزداد قيمة الجنية المصري، وقدمت "قاسم" بعض الحلول التي يمكن اتخاذها لمواجهة المضاربات على الدولار، ومن أهمها تنويع المحافظ الاستثمارية لتقليل المضاربات على الدولار وتوزيع الاستثمارات على عدة أصول مختلفة مثل العملات الأخري وذلك لتقليل المخاطر وتعزيز القدرة على تحمل تقلبات سعر صرف الدولار، مؤكدة أيضا ضرورة تنشيط ودعم أدوات الحماية المالية من المضاربات الدولارية عن طريق العقود الآجلة والخيارات للحد من التعرض لتقلبات سعر الصرف وتخفيف المخاطر المالية المحتملة والمخاطر الخاصة.
أشارت كذلك الي أهمية تعزيز الاحتياطيات النقدية وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعزيز قطاع السياحة، وتنويع مصادر العملات الأجنبية، بالإضافة إلي تعزيز التعاون الإقليمي والدولي كتنظيم السوق المالية ومكافحة غسل الأموال وتبادل المعلومات المالية، مشيرة أيضا إلي ضرورة دعم السياسات النقدية الصحيحة للتحكم في تقلبات سعر الصرف كرفع أسعار الفائدة للعملات الاجنبية لجذب الاستثمارات وتنظيم سوق الصرف، مضيفة ضرورة تعزيز التوعية المالية للمواطنين عن طريق توفير المعلومات والتوجيه بشأن العملات الأجنبية وكيفية التعامل معها وتبني سلوكيات مالية صحيحة، وتعزيز الاستثمار الداخلي بتوفير بيئة ملائمة للأعمال وتشجيع ريادة الأعمال وتنمية الصناعات المحلية مما يساهم في زيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاستيرادات، وكذلك أكدت أهمية التوجه نحو دعم وزيادة الصادرات وتوجيه جزء من الإيرادات النقدية للاحتياطيات وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد لتهدئة التوترات وتقليل المضاربات.
حذر الدكتور أيمن غنيم "الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية والخبير الاقتصادي والقانوني" من خطورة المضاربات علي العملة الأجنبية، موضحاً أنها تخلق طلباً غير واقعياً علي العملة الصعبة، مما يؤثر سلباً على قيمة الجنيه المصري ويُعطِّل استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الأساسية، ويساهم في رفع معدلات التضخم، موضحا أن مسئولية منع تلك المضاربات تقع على عاتق الدولة والأجهزة الرقابية، جنباً إلي جنب مع مجتمع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، مشيرا إلي ضرورة تركيز الغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال علي تعزيز الاستثمار الإنتاجي وجدواه الاقتصادية، في ظل الرخص النسبي لعوامل الإنتاج المحلية، مما يشجع علي التصدير بأسعار تنافسية، مضيفا أن تفعيل مبادرات الدولة المختلفة والتسهيلات التي يقدمها قانون الاستثمار رقم "72" لسنة "2017" كفيلة بأن توجه الاستثمارات المحلية للوجهة الصحيحة، بعيداً عن المضاربة.
أشار أيضا إلي ضرورة تشديد الرقابة على سوق النقد الأجنبي وقيام الإعلام بمسئوليته في توعية الجمهور بمغبة الاندفاع وراء أوهام الربح السريع، بطرق غير قانونية، مما يضعهم تحت طائلة العقاب، حيث تنص المادة رقم "232" من القانون رقم "194" لسنة "2020" والخاص بالبنك المركزي والجهاز المصرفي، على أنه يُعَاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد علي 10 سنوات، وغرامة من مليون إلي 5 ملايين جنيه، أو المبلغ المالي محل الجريمة - أيهما أكبر، كل من تعامل بالنقد الأجنبي خارج البنوك أو الجهات الأخري المرخص لها.
أكد دكتور أحمد رفعت "خبير الاقتصاد والمحاسبة القانونية" أن زيادة المضاربات على الدولار ترجع الي انخفاض المعروض منه وارتفاع الطلب عليه في السوق الموازية حيث ارتفع سعره ليتراوح بين 50 و51 جنيها، كما سجلت العقود الآجلة غير القابل للتسليم أمام الدولار الأمريكي ارتفاعًا ملحوظًا وذلك بالتزامن مع الزيادة في أسعار الدولار في السوق الموازية وهذا يدل على توقع المستثمرون انخفاض قيمة الجنية المصري حيث تشير أحدث بيانات للعقود الآجلة غير القابلة للتسليم - أجل سنة - إلي وصول الدولار إلي 47 أمام الجنيه لأول مرة على الإطلاق، مقابل 39 جنيها في أغسطس الماضي. وهذا يرجع الي استمرار التوترات الجيوسياسية علي الساحة الدولية مما اثأر قلق لدي المتعاملين واثر سلبا علي قطاع السياحة التي تعد احد المصادر الهامه للدولار، كما أدت ازمه الاستيراد وتحوط الشركات الي سحب الدولار من السوق الموازية تحسبا للازمه المتوقع، وساهم تراجع تحويلات المصريين بالخارج في انخفاض المعروض من الدولار، وكذلك فإن سعر الدولار في السوق الموازية يعتمد على التوقعات وكلما كانت التوقعات أكثر تشاؤما ارتفع السعر.
يرى أن الخطوة الأولى لحل تلك الأزمة يتمثل فى طرح منتجات مصرفية بالدولار الأمريكى للمستثمرين والمصريين العاملين بالخارج مثل ما تم إصداره من شهادات دولارية من قبل اكبر بنكين حكوميين "الأهلى وبنك مصر" خلال شهر يوليو الماضى ولابد من توفير التسهيلات وبرامج للتمويل العقارى تخاطب العاملين بالخارج، أما الخطوة الثانية فتتمثل فى ترسيد الاستيراد للسلع غير الضرورية والاهتمام برفع جودة المنتجات المحلية، كما لابد من وضع خطة للترويج السياحى فى الخارج، إلى جانب الاهتمام بحوافز الاستثمار التى تعد أحد اهم الموارد للنقد الأجنبى، كما يجب مواجهة الشائعات الناتجة عن السوق الموازية لأنها تهدف للنيل من الدولة المصرية.