ثقافة المدن الجديدة للدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف
عاش الناس في مصرنا تاريخيًّا على الزراعة كعنصر رئيس للحياة بصفة عامة والاقتصاد بصفة خاصة، وكانت الرقعة الزراعية آنذاك كافية في ضوء عدد السكان، وعلى الزراعة قامت حضارة وادي النيل، ومع الوقت شيئًا فشيئًا اتسع العمران وتقلصت الرقعة الزراعية، وكان ارتباط الناس بالقرية أو بالأرض ليس ارتباطًا أسريًّا فحسب بل كان ارتباط عمل وإنتاج وسبيل حياة، ثم ضاقت فرص العمل بالقرى والنجوع نتيجة الاعتداءات المتكررة على الرقعة الزراعية ، وتآكل الكثير منها، وأصبحنا بحاجة إلى وعي ثقافي واقتصادي بالتوسع في المدن والمجتمعات العمرانية والزراعية الجديدة، وحتمية الانتقال إليها وفق الرؤية الاستراتيجية للدولة المصرية، في زمن أصبحت فرص العمل هي المبتغى الرئيس لكل جاد في البحث عن العمل والحياة الكريمة ، كما أصبحنا في حاجة ملحة إلى وعي رشيد بمخاطر التعدي على الأراضي الزراعية.
وإذا كان بعض الشباب يفكر أو يبحث عن فرصة عمل في أي مكان في العالم يوفر له فرصة عمل حقيقية فمن باب أولى أن نتلقف فرص العمل المتاحة في المدن الصناعية الجديدة والمجتمعات الزراعية والعمرانية الجديدة أينما وجدت، ولا سيما أن الدولة إنما تنشئ في ظل جمهوريتنا الجديدة مجتمعات متكاملة صالحة للحياة الكريمة.
ومن ثمة تأتي أهمية هذه المدن كملاذ حضاري لا محيص عنه ولا بديل له، فإلى جانب ما وفرته وتوفره المدن الجديدة والتجمعات العمرانية الجديدة زراعية وصناعية وتجارية ولوجستية من فرص عمل حقيقية، فإن هذه المدن الجديدة قد أسهمت في توفير سكن آدمي وإنساني، والقضاء على العشوائيات والمناطق الخطرة والمناطق شديدة الخطورة التي أصبحت جزءًا من الماضي، ويجب أن نحرص جميعًا على عدم الوقوع في براثنه مرة أخرى، وهو ما ينم عن الرؤية الحكيمة للقيادة السياسية التي حرصت وأصرت وتابعت بدقة تنفيذ هذه المدن الجديدة التي تليق بمصر والمصريين، مع اهتمام بالغ بالقرية المصرية وحقها في الحياة الكريمة من خلال مشروعات البنية التحتية، ومشروع "حياة كريمة" الذي يعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للقرية المصرية والارتقاء بحياة قاطنيها.
ورحم الله الإمام الشافعي حيث يقول:
سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ
وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ
وقد أمرنا ديننا الحنيف بالسعي طلبًا للرزق، حيث يقول الحق سبحانه: "هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ" (الملك: ١٥).