الغضب.. انتصار للحق
فبهداهم اقتده
اصطفي الله سبحانه وتعالي الرسل والأنبياء وميزهم علي العالمين بجزيل عطائه وعظيم فضله حتي يبلغوا رسالته وجعلهم قدوة للبشرية يسيرون علي هديهم ويقتدون بمنهجهم القويم.
علي الرغم من كون النبي صلي الله عليه وسلم نبياً من الأنبياء يتلقّي الوحي من السماء. غير أن المشاعر الإنسانية المختلفة تنتابه كغيره من البشر. فتمرّ به حالات من الفرح والسرور. والحزن والضيق. والرضا والسكينة. والغضب والغيظ.. وتبرز قيمة العنصر الأخلاقي في حياة النبي صلي الله عليه وسلم في وضع هذه الانفعالات المتباينة في إطارها الشرعي. حيث هذّبها وصانها عن الإفراط والمغالاة. والتفريط والمجافاة. بل أضاف لها بُعدا جديداً حينما ربطها بقضيّة الثواب والاحتساب. وكان شعاره عليه الصلاة والسلام في ذلك: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فالغضب وإن كانت حقيقته جمرة تشعل النيران في القلب فتدفع صاحبها إلي قول ما يندم عليه. أو فعل ما لا تُحمد عقباه. أو كان دافعه الانتصار للنفس أو العصبية والحميّة للآخرين. فهو عند النبي صلي الله عليه وسلم قولى بالحق. وغيرةى علي محارم الله. لا اعتداء فيه ولا غلوّ. ودافعه دوماً إنكار لمنكر أو عتابى علي ترك الأفضل.
ويؤكد المعني السابق ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من حال النبي صلي الله عليه وسلم. حين قالت: "ما ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله عز وجل".
ومن مواقف النبي صلي الله عليه وسلم مع الغضب مع أسامة بن زيد رضي الله عنه حين بعثه في سريّة. فقام بقتل رجلي بعد أن نطق بالشهادة وكان يظنّ أنه إنما قالها خوفاً من القتل. فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فغضب غضباً شديداً. وقال له: "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ أفلا شققت عن قلبه حتي تعلم أقالها أم لا" حتي قال أسامة رضي الله عنه: "فما زال يكررها علي حتي تمنيت أني أسلمت يومئذ".. وفي موقفي آخر رأي النبي صلي الله عليه وسلم رجلاً يلبس خاتماً من الذهب. فغضب ونزع الخاتم من يد الرجل وطرحه في الأرض وقال: "يعمد أحدكم إلي جمرة من نار فيجعلها في يده".
وعندما حاول أسامة بن زيد رضي الله عنهما الشفاعة في المرأة المخزومية التي سرقت. غضب حتي عُرف ذلك في وجهه. وقال لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله" ثم قام فخطب في الناس قائلاً: "إنما أُهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".