المهرجان التجريبي.. قصص ومناظر
يمثل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حدثا مهما وضروريا. وقد انتهت دورته الثلاثون الجمعة الماضية بإعلان الجوائز وتكريم الفائزين بعد سبعة أيام من العروض والندوات والورش التدريبية.
هنا نستطلع آرءا بعض النقاد. الذين شاركوا في المهرجان. بشكل أو بآخر. ومقترحاتهم لتطويره والحفاظ عليه كأقدم وأهم مهرجان من نوعه في المنطقة العربية.
الاهتمام بالشكل تفوق علي المضمون
منار خالد
اهتم المهرجان هذا العام بعوامل خارجية وأُطر شكلية أكثر من باقي الجوانب. حيث أدرك مدي أهمية ذلك الشق الترويجي الذي يعد اليوم جزءًا لا يتجزأ من نجاح أي مهرجان فني متخصصا كان أو غيرمتخصص. و كان هناك سعي ملحوظ للظهور كـ"تريند" علي مواقع التواصل بداية من إعلان اسم النجمة ليلي علوي بقائمة مكرمي الدورة. وأري في ذلك.سواء بقبولها التكريم من عدمه. أن غرض الترويج تحقق. سواء كان مقصودا ومخططا له أم لا. وعلي جوانب أخري أخذ المهرجان من روح مهرجانات السينما كجلسات التصوير الخاصة بليالي الافتتاح والختام. والسجادة الحمراء. والاستعانة في المركز الاعلامي بزملاء خبرة في مجال السينما. وتخصيص أماكن للصحفيين لتسجيل الحوارات. مع ذكاء صناعة هاشتاج موحد علي الصفحة الرسمية يزيد من نسب عدد المشاركة والاعجابات.
هي سمة هذا العصر التي كانت غائبة عن مهرجانات المسرح طوال السنوات الماضية. واليوم سعادة بالغة بتحقيقها.
لكن علي جوانب أخري. لم يقدم المهرجان عروضًا قوية هذا العام. وبخاصة العروض المشاركة من بلدان عربية. وهذا يعود لعدة أسباب. من أهمها وهو لم يكن سببا قائما هذه الدورة فقط. بل كان سؤالاً يشغل بال الجميع طوال الثلاثين عام الماضية. أنه لا يوجد تعريف لذلك المسمي الذي يطلق اسمًا علي المهرجان "التجريب" كثرت النقاشات والأوراق البحثية في ذلك الشق ولم يستدل بعد علي ماهيته. فهو ليس بتقصير. بل لأنه مصطلح مطاطي لا يمكن قولبته وهذا في ذاته شئ إبداعي. لذا طرح المسمي نفسه كعنوان المهرجان هو محاولة لتأطيره غير الموجود والذي لم يجده أحد في يوم.
ومنها تظهر عروض مسرحية بشكل فعلي لا تقدم أي شيء سوي استعراض قدرات بدنية أو تقنية بلا فعل درامي أساسي قادر علي جذب المتلقي. ربما كان من الأصلح بقاء سمة المعاصرة بجانب التجريب. كما كان مسماه سابقًا. أو "المعاصرة" بمفردها بجانب هويته كمهرجان دولي. للتحرر نحو عمومية أكبر لا تحكم هم المبدع أيا ما كان بلده.
وأخيرًا الاهتمام بالترويج هو الشئ الأكثر حضورًا وتميزًا هذه الدورة. وهو أمر محمود ومطلوب واجب التنفيذ في هذه المرحلة. وتحقيقه يأتي علي جوانب أخري لابد من تحمل عنائها علي جميع المسرحيين. وأيضًا من حدوث خسائر فنية لتحقيقه. حتي يتأتي للمهرجانات المسرحية العبور من مرحلة لمرحلة جديدة تتسق مع عصرها الحالي. لو تم اعتبار أنه لابد من أن يكون هناك دورات "كبش فداء" كمرحلة انتقالية. ثم إن من قدم اليوم هم الإطار الخارجي علي الفنيات. قادر علي تحقيق التوازن بالتأكيد في الدورات المقبلة بين كل من الشقين.
التسابق يشعل المنافسة
د. داليا همام
مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثلاثين تتنوع فيه الفعاليات المسرحية من ندوات وورش وعروض مسرحية. والتأكيد علي فكرة التسابق يدعم من حالة المنافسة الجيدة ويحفز المشاركين في عروض المهرجان علي الاستمرار في تقديم أفضل ما لديهم. وكلما كان عدد الجوائز محددا وواضحا كلما ازدادت حدة المنافسة التي تجعل من يوم توزيع الجوائز يوم أكثر إثارة وترقب وهو ما حدث في دورة هذا العام.
أما فيما يخص طبيعة العروض المقدمة فبعضها جذب حضور المتلقين بشكل واضح والبعض الأخر لم يكن بالمستوي اللائق للمشاركة في المهرجان أو المنافسة علي جوائزه. ومن غير المنصف أن تقدم دولة أكثر من عرض في مقابل أن تكون جميع الدول مشاركة بعرض واحد هذا بخلاف مصر لأنها الدولة التي تقيم المهرجان ومن الضروري أن تتحقق لها مشاركة منصفة.
أما الندوات وأوراقها البحثية فبعضها كان ذا أهمية كبيرة والبعض الأخر أراه هدرا للوقت ويسيطر عليه تداعي الأفكار غير المترابطة والتي لا تخدم الموضوع المطروح بالأساس. وعن مطبوعات المهرجان أتمني أن تعود بأهمية ما كان يقدمه الدكتور فوزي فهمي وذلك لا ينفي أن دورة هذا العام بها بعض المطبوعات الهامة وجميعها علي الانترنت وعلي الرغم من أن ذلك يوفر نفقات ويتيحها للجميع الا إنه يفقد المهرجان بعضا من خصوصيته. وورش المهرجان بعض عناوينها لم توضح ماتستهدفه لذلك أتمني أن يرفق بالإعلان عن الورش آلية العمل الخاصة بها .
وأخيرا فإن من أكثر الأشياء المبهجة الهامة في دورة هذا العام هو مشاركة مسرح السامر في فعاليات المهرجان .
كتاب عن التجريب المسرحي!!
د.سيد علي إسماعيل
من الفوائد العلمية للمهرجان التجريبي في دورته الأخيرة. مشاركتي في إحدي ندواته. وتحديداً في ندوة "60 عاماً من مسرح الطليعة". حيث شاركت ببحث عنوانه "أثر الرقابة المسرحية في مسيرة مسرح الطليعة". وهذا البحث أجبرني علي فرز ما لدي من نصوص مسرحية بتقاريرها الرقابية. هذا الفرز أوحي لي بفكرة كتاب جديد. أتمني إنجازه قبل المهرجان القادم. أتحدث فيه عن التجارب المسرحية التي حدثت في المسرح المصري قبل أول دورة من دورات المهرجان التجريبي عام 1988. لأن أغلبنا يعتقد أن التجريب المسرحي بدأ " أو بدأت فكرته " مع ظهور المهرجان التجريبي.
ومن هذه التجارب "الفرقة النموذجية" بالثقافة الجماهيرية منذ عام 1978 عندما عرضت مسرحية "الباشا ولعبة مبروكة" إخراج علي الغندور. ومسرحية "كأسك يا وطن" لمحمد الماغوط عام 1985 من إعداد حمدي عيد. ومسرحية "الليلة نلعب لعبتين مسرحيتين" لعلي سالم من إعداد محمد الشربيني. ووثائقها الرقابية تقول إنها مقدمة من "شعبة التجارب" بالفرقة النموذجية بالثقافة الجماهيرية عام 1986.
ومن التجارب المسرحية أيضاً عرض "الشهاب" عام 1985 لمسرح الطليعة. الذي تقدم بالنص إلي الرقابة وكتب عليه "عرض تجريبي مقترح"! ومسرحية "معقول" لمصطفي سعد كونه صاحب تجربة "مسرح الاستفهام" والتي اختلف حولها الرقباء بين مؤيد ورافض. كونها تجربة مسرحية جديدة. وهذا الاختلاف احتدم عندما قدم مسرحيته الثانية "لماذا هذا" والتي رفضتها الرقابة!!أما "مشروع الإبداع الجماعي" فكان مشروعاً تجريبياً مسرحياً للثقافة الجماهيرية أيضاً. وتحديداً لمديرتي الثقافة بالقاهرة والمنوفية. ونتج عنه عرض "شرابية المحظية" التي قدمته جوقة الشرابية عام 1986 من صياغة درامية لسعيد حجاج وإخراج فكري سليم. ومسرحية "الفأس والشمروخ" وقدمتها فرقة شما المسرحية من صياغة محمد متولي داود وعبد المعطي عبدالله.
أما مسرحية "الأخطبوط أو الوهم" لمحمد الشربيني عام 1987 فهي تجربة مسرحية صريحة. حيث كُتب علي نصها: "مسرحية تجريبية من فصل واحد"! وللأسف اختلف حولها الرقباء كونها تجربة غير مفهومة. فتم رفضها! أما مسرحية "مارا صاد" لبيتر فايس. التي قدمها المسرح الحديث عام 1987 فكانت مفاجأة. كون النص قدمه المسرح الحديث من خلال "شعبة المسرح التجريبي"!! هكذا قالت الأوراق الرسمية حينها!! الغريب أن هذه الشعبة كانت موجودة أيضاً في الثقافة الجماهيرية التي حاولت تمثيل مسرحية "السوس" لمجدي الجلاد. ولكن الرقابة رفضتها!!
البحث عن صيغة جديدة
أحمد عبدالرازق أبو العلا
بالتأكيد من المهم أن يكون لدينا مهرجان مسرحي دولي. نتعرف من خلاله علي أهم تجارب المسرح في العالم. ولكنني أعتقد أنه بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما هي عمر المهرجان الدولي للمسرح التجريبي في مصر. أصبح من الأهمية البحث عن صيغة أخري للمهرجان بعيدا عن فكرة "التجريب" التي تُعد عنصرا من عناصر العمل المسرحي. خاصة وأن تلك الفكرة تغير مفهومها في ظل التطورات التي حدثت للصناعة نفسها. مع وجود تقنيات فنية كثيرة ومتطورة لم تكن موجودة من قبل. وأصبح هناك التباس في المفهوم. وخلط بينه وبين مفاهيم أخري مثل " التطوير - التجديد - الحداثة - ما بعد الحداثة "
والعروض التي شاركت في مهرجان هذا العام " المصرية - العربية - الأجنبية "كشفت الأزمة التي يعكسها هذا المفهوم. في ظل الالتباس الذي أشرت إليه سريعا . فمعظمها. لم يقدم تجريبا بالمعني الحرفي لكلمة " تجريب " والذي تحقق من قبل في بعض عروض المهرجان التي شاهدناها في الدورات الأولي من عمره .
وبصفتي عضوا من أعضاء لجنة المشاهدة لاختيار العروض المصرية. أقول: إننا كنا نبحث عن عناصر التجريب في أكثر من تسعين عرضا. وكأننا نبحث عن إبرة تائهة في كومة من القش. علي الرغم من جودة معظم العروض التي شاهدناها بعيدا عن هذا المفهوم القاصر. الذي لاتستطيع أن تضع له تعريفا جامعا مانعا. لتعرف ما هو المقصود بالضبط. وعليه كنا نبحث فقط عن عناصر الاختلاف. أو التطوير. أو التجديد في الصيغ التقليدية. وننظر كيف استطاع صناع العرض تقديم عمل متماسك. ومتمرد بعض الشيء عن غيره من العروض .
وهذا الشيء هو نفسه. ما رأينا شواهده في العروض العربية والأجنبية المُشاركة في تلك الدورة . وبناء عليه أؤكد علي أهمية البحث عن صيغة جديدة لتوجه المهرجان بعيدا عن المفهوم الملتبس. وأري أيضا الغاء فكرة التحكيم والتسابق. ليكون مهرجانا مكتفيا بالمشاهدة والتعرف علي المسرح العالمي المعاصر. حتي ولو تضمنت بعض عروضه عناصر تجريبية. وذلك لأن الفنون - جميعها - تتطور. ولا تستسلم للجمود. وتلك طبيعتها .
نحتاج إلي المزيد من العروض الأجنبية
د. محمد زعيمة
يعد المهرجان التجريبي نافذة علي مستجدات المسرح في العالم " وقد بدأ المهرجان كفكرة ساهم في تنفيذها الثلاثي د.حمدي الجابري ومحمد سلماوي وفهمي الخولي بدعم كبير من وزير الثقافة حينئذ فاروق حسني " كان هذا المهرجان نافذة علي مسارح وتجارب العالم استطاع أن يوفر العديد من الخبرات المسرحية بدلاً من تكاليف السفر الباهظة. ونستطيع بالحساب أن نكتشف المردود الفني علي العديد من العاملين بالمسرح وأنه أوفر كثيراً من إرسال بعثات محدودة العدد إلي الخارج بل وإلي دولة واحدة فقط .
حقيقة كان التجريبي مرحلة فارقة في المسرح المصري والعربي. واليوم نصل لدورته الثلاثين بعد خمسة وثلاثين عاماً توقف خلالها خمس سنوات بسبب حرب الخليج الثانية وثورة يناير 2011 وقد كان لهذه الدورة مميزات كبيرة منها الندوات الفكرية الخاصة بجغرافية المسرح والتجريب. ومنها حسن التنظيم والإقبال الجماهيري وأيضا العروض المصرية المشرفة التي فازت بجوائز المهرجان. ولا يعني ذلك أن العروض الأجنبية كانت ذات مستوي أقل . بالعكس لقد نضج فنانونا واستفادوا من دورات التجريبي. كما كانت عروض هذا العام مميزة فلا ننكر تميز عرض جورجيا لعطيل بمزيج من العرائس والبشري وعرض ليتوانيا عن نص انتيجون وتحويله إلي مونودراما. وعرض الإمارات قائمة الخديج وتميزه في مسرح الصورة. وعرض تونس ما يراوش عن عميان ميترلينك وتوظيفه للعرائس رغم تكرار أسلوب العرض الكويتي الذي قدم في العام الماضي بعنوان الطابور السادس.
المهم أننا نحتاج لمزيد من العروض الأجنبية كما كان في الماضي فكم العروض يتيح فرصة أكبر للمشاهدة ولمزيد من الجمهور ففي الدورات الماضية وحتي عام 2010 كان عدد العروض كبيراً والشكوي من الكم لكن اتضح أن الكم له مميزاته مع ضرورة البحث عن الكيف وتميزه بقدر ما لننفتح علي العالم أجمع . وبحسبة بسيطة سنجد أن تكلفة سفر خمسة فقط للخارج من أجل المشاهدة والدراسة لمدة سنة أو أقل تفوق ميزانية المهرجان ومردوده الفني . لذا أرجو من المسئولين زيادة ميزانية المهرجان وزيادة عدد العروض.