فى ظل امكانات الثقافة الجماهيرية المتواضعة
مغامرة رأس المخرج غريب مصطفى
تعمدت فى عنوان مقالى عن العرض المسرحى "مغامرة رأس المملوك جابر" لفرقة بنى مزار المسرحية أن أشير إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة بمسماها القديم وهو الثقافة الجماهيرية، وذلك للتأكيد على ان الميزانيات التي تقوم بصرفها هذه الهيئة لانتاج هذه العروض الضخمة ضئيلة جدا وتكاد تكون شكوي متكررة من المسرحيين الذين يعملون في فرق الهيئة سواء الشرائح أو حتي نوادي مسرح، هي ضعف الميزانيات وقلة حجم الانفاق وهو ما ينطبق علي عرضنا المسرحي الذي قدمته فرقة بني مزار المسرحية بعنوان "مغامرة رأس المملوك جابر" للكاتب الراحل سعد الله ونوس.
المغامرة الحقيقية هي تلك التي قام بها مخرج العرض غريب مصطفي مع فريق عمل احترافي وقدير هو فرقة بني مزار المسرحية حيث استطاعوا أن يصنعوا البهجة في ضوء امكانات انتاحية هزيلة وتقريبا بدون خشبة مسرح حقيقية. ولكنهم عوضوا ضعف الامكانات وغياب خشبة مسرح حقيقية ومنظومة اضاءة كانت هامة وضرورية في مثل هذا العرض حيث قام في حدود الامكانات المتاحة مهندس الَاضاءة "محمد عبد الحكيم" بتوظيفها لصالح الحالة المسرحية المعروضة رغم بعض الهفوات التي أفلتت رغما عنه في بعض مناطق العرض- وكذلك ملابس وديكور أيضا من عناصر نجاح هذا العرض وقد عوض كل هذا تلك الطاقات الابداعية المتفجرة بداية من مخرج العرض مرورا بمهندس الديكور ومصمم الأزياء ومصمم الاستعراضات "صابر سيد صابر" وكذلك من قام بوضع الألحان المتميزة لهذا العرض وأيضا مرورا بالشاعر فتحي عبد الجيد الذي كتب الأشعار المميزة لهذا العرض ووصولاً أخيرًا أيضًا إلي نقطة البداية وهو مخرج العرض الفنان غريب مصطفي.
في حقيقة الأمر ان التصدي لاخراج عمل ضخم وكبير وصعب مثل مسرحية رأس المملوك جابر بامكانات متواضعة جدا تصل الي حد الفقر هو المغامرة بعينها ولكن احترافية مخرج العرض وخبراته العريضة وخبرات أعضاء فرقة بني مزار المسرحية من الممثلين جميعا دون استثناء والذين كانوا على قدر المسئولية المهنية، ساهمت كثيرا فى الوصول الى اخراج هذا العرض المسرحي بهذا الشكل الاحترافى الذى يكاد ينافس اعتى المسارح الاحترافية فى زمن توهجها.
كانت هناك صعوبة فى التصدى لمثل هذا النص المسرحي على مستويين من حيث الشكل والمضمون، فمن حيث الشكل فان مسرحية رأس المملوك جابر كتبت بشكل المسرح داخل المسرح وهي تقنية مفيدة للغاية في هذه التجربة. لما تسهم به في كسر الايهام وصولا لحالة من الاقناع بأن ما يدور على خشبة المسرحة نوع من الحقيقة، وبالتالي نجد أن سعد الله ونوس لجأ الي توظيف الحكواتي كظاهرة كانت منتشرة فى المقاهى الشعبية قديما لتقديم موضوعه من خلاله، وهو ما أكد عليه مخرج العرض بتدخل بسيط منه كدراما تورج للنص حيث وظف الحكواتي بطريقة سهلة ومباشرة تصل الي الجمهور مباشرة وعمل على كسر الايهام وتحطيم الحائط الرابع في المسرح من خلال احتكاك الحكواتي بالجمهور في بعض مناطق العرض وقد أجاد الفنان الذي قام بهذا الدور وان كان يؤخذ عليه تكرار حركة كوميدية كان يقوم بها كثيرا مما سرب بعض الملل الي الجمهور رغم أنها كانت في مراتها الأولي مفاجئة ومضحكة وكنت اتمني ان ينوع الحكواتى فى استخدام حركات اخري مشابهة تصل بالمضمون الذي يعرضه ولا يمل منها الجمهور، كذلك من حيث الشكل أيضا في هذا العرض الصعب نجد استخدام الملابس الموحية بالعصر الذى يشير سعد الله ونوس الي أن موضوع المسرحية قد حدث فيه وهو أيام الخلافة الاسلامية ببغداد وما تعج به هذه الفترة من خلافات ومؤمرات كانت تملأ ردهات قصور الخلافة حتي أن الخلاف هذه المرة وصل الي أن يكون بين الخليفة ووزيره وكان الوزير يدبر مكيدة للخليفة وعليه ان يقوم بتهريب رسالة هامة خارج بغداد للاستعانة بملك العجم والقضاء على الخليفة وفترة خلافته واعوانه وهنا أجاد مصمم الأزياء في تصميم أزياء تناسب تلك الفترة سواء تلك التي كان يرتديها الخليفة أو وزيره أو المماليك الذين كانوا يعملون تحت امرتهم وكذلك أجاد في ملابس العامة التي جاءت مناسبة تماما لهذه الفترة من حياة الخلافة الاسلامية في بغداد مع اجادة تامة من مهندس الديكور الذي اعتمد على ديكورات بسيطة سهل القيام بنقلها حسب معطيات المشهد المسرحي المعروض وتعكس أيضا قصر الخلافة وقصر الوزير ومعالم شوارع بغداد فى حينها حتى انه استطاع ان يضعها في قلب احداث المسرحية مباشرة دون الشعور بأننا كجمهور في حالة انفصال عن الحالة المسرحية المعروضة.
والغريب في الأمر حقا ان مهندس الديكور ومصممم الملابس شخص واحد فقط هو المبدع "محمد شعبان"، كما كانت الأشعار التي وضعت لهذا النص موظفة توظيفًا مهماً لصالح الأحداث وكانت تلك الاشعار جزءا نابضا ومكملا للعرض وفي نسيج الأحداث ولم تكن دخيلة عليه أو ثقيلة على العرض ساهم في ذلك تلك الألحان التي قام بوضعها ملحن أغاني العرض "مدحت نظير" حيث استخدم فيها العديد من الآلات الموسيقية التي جعلتنا نعيش داخل أجواء تلك الحقبة التاريخية من عمر الخلافة الاسلامية في بغداد، أما من حيث المضمون فهذا النص تحديدا من النصوص الملغمة بالغام كثيرة فهذا النص ان جاز التعبير ينتمي الي المسرح السياسي ورغم ذلك استطاع المخرج ان ينجو به من المزالق السياسية.
عرض مغامرة رأس المملوك جابر من العروض المسرحية الممتعة ومتكاملة العناصر فهم حقا كتيبة استطاعت ان تخوض مغامرة صنع البهجة للجمهور الذي اسعده الحظ بحضور هذا العرض المبهج وأخيرا تحية خاصة للفنان "عبد الله ياسر" الذي قام بدور البطولة وهو دور المملوك جابر وللفنان "ربيع سيد" الذي أجاد ببراعة القيام بدور وزير الخليفة والفنان "خلف شحاتة" الذي قام بدور ملك العجم، والفنان "مدحت نظير" الذي قام بدور عبدالله أخو الخليفة وهو الملحن البارع أيضا لجميع القطع الموسيقية بالعرض والفنان "علي سيف" الذي قام بدور الخليفة والفنان "مصطفي القرشي" الذي قام بدور منصور صديق المملوك جابر، والفنانة "منة أحمد" التي قامت بدور زمرد دور مهم ومحوري في المسرحية وقامت بأداء رائع حقًا.