مكاسب عودة سوريا .. للصف العربي
إعادة اللاجئين.. مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.. إعادة الإعمار
خروج القوات الأجنبية والميليشيات من الأراضي السورية
ينطوي قرار وزراء الخارجية العرب، الأحد الماضي، بعودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، على مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، أهمها تعزيز العمل العربي المشترك في تسوية الأزمة السورية سياسيا.
وكان قد تم تعليق مشاركة سوريا في اجتماعات الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة يوم 16 نوفمبر عام 2011 بناء على قرار من مجلس الجامعة على المستوي الوزاري عقب اجتماع طارئ.
وفي عام 2018، ظهرت مؤشرات انفتاح عربي تجاه دمشق بدأت مع إعادة فتح الإمارات سفارتها في العاصمة السورية.
ويبدو أن الزلزال المدمر في سوريا وتركيا المجاورة في فبراير 2023، سرع عملية استئناف دمشق علاقتها مع محيطها الإقليمي مع تلقي الأسد سيل اتصالات ومساعدات من قادة دول عربية.
وبعدها بأسابيع قليلة، أعلنت الرياض في مارس الماضي أنها تجري مباحثات مع دمشق حول استئناف الخدمات القنصلية، ثم التقي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في 18 أبريل، بالرئيس السوري خلال أول زيارة رسمية سعودية إلي دمشق منذ القطيعة.
واستضاف الأردن مطلع شهر مايو الجاري، اجتماعا لوزراء خارجية سوريا والأردن والسعودية والعراق ومصر، تم الاتفاق خلاله على دعم سوريا ومؤسساتها في أية جهود مشروعة لبسط سيطرتها علي أراضيها.
مشاركة الأسد
يأتي إعلان مجلس جامعة الدول العربية قبل عشرة أيام من قمة عربية تعقد في السعودية في 19 مايو المقبل، ومن المحتمل مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد فيها.
وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط. خلال مؤتمر صحفي إثر اجتماع وزراء الخارجية العرب، الأحد الماضي، إنه عندما توجه الرياض، كونها الدولة المضيفة، الدعوة لحضور القمة العربية، فإن الأسد قد يشارك بالقمة إذا رغب بذلك.
كما أوضح أبو الغيط أن "عودة سوريا إلي شغل المقعد هي بداية حركة وليست نهاية مطافش، واعتبر أن مسار التسوية سيحتاج إلي وقت وأن القرار "يُدخل الجانب العربي لأول مرة منذ سنوات في تواصل مع الحكومة السورية للبحث في كافة عناصر المشكلة".
وأوضح أبو الغيط أيضا أن القرار لا يعني استئناف العلاقات بين سوريا والدول العربية، وقال "هذا قرار سيادي لكل دولة على حدة".
واستطاعت سوريا استعادة مقعدها في جامعة الدول العربية، الأحد الماضي، عقب توافق وزراء الخارجية العرب على القرار، وذلك بعد 12 عاماً اندلعت خلالها الحروب الأهلية التي دمرت الاقتصاد، وشردت آلاف الأسر.
وقرر وزراء الخارجية العرب استئناف مشاركة وفود حكومة الجمهورية العربية السورية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها اعتباراً من يوم الأحد السابع من مايو الجاري.
كما أكد وزراء الخارجية العرب حرصهم على إطلاق دور عربي قيادي في جهود حل الأزمة السورية وانعكاساتها وضمنها أزمات اللجوء وتهريب المخدرات وخطر الإرهاب.
كما شدد المجتمعون على ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية لكل من يحتاجها في سوريا، كما قرروا تشكيل لجنة وزارية تعمل على مواصلة الحوار المباشر مع الحكومة السورية للتوصل لحل شامل للأزمة السورية.
الخطوة مقابل الخطوة
ولم يصوت وزراء الخارجية المجتمعون على القرار، وإنما تم الأخذ بقاعدة "التوافق" على قرار العودة مع احتفاظ الدول المعارضة للقرار بحق "توصيف" وربما "تصنيف" علاقتها مع سوريا وتعليقها علي مدي استجابة النظام السوري للخطوة النوعية التي قدمتها الجامعة العربية له، ومن ثم جاء البيان حاملاً مضامين تقول بأن العودة "مشروطة" بعدة متطلبات تقوم علي مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"» وتمثلت أبرز هذه المتطلبات التي تضمنها البيان في:
- ضرورة اتخاذ الدولة السورية خطوات "تدريجية" تجاه حل الأزمة السياسية حلاً سلمياً، في إشارة إلي أن سياسات وآليات تعامل النظام السوري مع أزمته السياسية الداخلية علي مدار الأعوام الماضية، وفقاً للحل العسكري، لم تؤد إلي تغييرات فعلية على مستوي حل الصراع الداخلي، بل أدي هذا السلوك إلي خلق أزمات متعددة كان أبرزها ملايين اللاجئين على حدود العديد من الدول العربية المجاورة كالأردن ولبنان، بما حمل هذه الدول ضغوطاً اقتصادية وأخري أمنية سببت على مدار سنوات تداعيات داخلية قاسية علي أمنها من ناحية، وعلى اقتصادها من ناحية أخري، ومن ثم أشار القرار مباشرة إلي ضرورة أن تتخذ الحكومة السورية إجراءات لتهيئة البيئة الأمنية والسياسية لعودة اللاجئين السوريين إلي بلادهم عودة طوعية، مقابل ضمان استمرار المساعدات الإنسانية العربية لسوريا وضمان تدفقها عبر الحدود، وأيضاً مقابل استمرار الدعم العربي للمشاريع الدولية الخاصة بإرساء الاستقرار، والتعافي المبكر.
- التأكيد على سيادة سوريا ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، وضرورة خروج القوات الأجنبية منها، وكذلك المليشيات والفصائل المسلحة، والإرهابية، وهنا تبدو إشارة البيان ضمنياً إلي مطالبة الدول المعنية بالأزمة السورية المنخرطة عسكرياً بالانسحاب من الأراضي السورية، دون ذكر لهذه الدول وهي تركيا والولايات المتحدة فضلاً عن الميليشيات التابعة لإيران والداعمة للنظام السوري، ويلاحظ هنا أن ثمة تصورات عربية تضمنتها المبادرة الأردنية والسعودية (مبادرات لاورقية) تشير إلي أن مسارات من المباحثات في سياق التطبيع العربي مع النظام في دمشق قد تفضي إلي إخراج القوات الأجنبية من سوريا بالتدريج وتحديداً التركية والأمريكية مقابل خطوة نوعية من قبل النظام السوري وإيران تقوم علي الحد من نفوذ الميليشيات الإيرانية المسلحة في سوريا، تمهيداً لتقليص وجودها استناداً إلي حالة التهدئة الإقليمية بين السعودية وإيران، الأمر الذي يشير إلي محاولة توظيف الرياض الملف السوري في مواجهة إيران على أساس قاعدة تحويله لملف للتعاون الإيجابي، بما قد يمهد لتعاون أكثر إيجابية في ملف المواجهات الشائك بينهما وهو الملف اليمني.
- التأكيد علي إطلاق "دور عربي قيادي" جديد يهدف إلي الانخراط في جهود البحث عن حل سياسي للأزمة السورية بالاستناد لقرارات المرجعيات الدولية في هذا الشأن وفي مقدمتها القرار رقم 2254، وكذلك استعادة مسار مفاوضات اللجنة الدستورية السورية المشتركة على أن يكون المسار الحاكم لهذا الدور مبنياً على آلية التدرج، مقابل أن تتعهد الدول العربية بالعمل علي مستوي تكثيف الاتصالات الدولية بهدف تخفيف العقوبات الغربية والأمريكية المفروضة على دمشق بصورة تدريجية.. لاسيما المتعلقة بقطاع المصارف والنشاط الاقتصادي في مجمله، ويدخل في هذا السياق محفزات عربية اقتصادية لسوريا كمشروع نقل الغاز العربي من مصر والأردن عبر سوريا ثم منها إلي لبنان، بخلاف جملة المشاريع الاقتصادية والاستثمارات التي من المتوقع أن تضخها دول مثل الإمارات والسعودية داخل سوريا.
- تحمل الدولة السورية مسئوليتها في ضبط أمن حدودها مع دول الجوار العربية لمنع تهريب المخدرات، فضلاً عن درء خطر الإرهاب وتحركات خلاياه عبر الحدود، وتقليص عبء اللجوء المستمر من قبل السوريين تجاه تلك الدول. مع التزام دمشق بنتائج ومخرجات كافة الاجتماعات التي تمت على هامش هذه العودة والتزامها كذلك بآليات العمل والتنفيذ التي أقرتها هذه الاجتماعات.
- متابعة تنفيذ ما تم التوصل إليه من توافقات واتفاقيات مع الجانب السوري عبر آلية اللجان الوزارية المشتركة، والمكونة من الأردن والعراق والسعودية ولبنان ومصر، بالإضافة إلي الأمين العام لجامعة الدول العربية، على أن يكون الحوار "مباشراً" بين الحكومة السورية وهذه اللجان بهدف خلق البيئة المواتية لحل الأزمة السورية حلاً سياسياً.
يعبر القرار بمضامينه السابقة عن رغبة عربية في صياغة رؤية لحل الأزمة السورية سلمياً، وعبر خطوات متدرجة ونوعية لكنها ستكون عملياً موقوفة علي الخطوات المقابلة التي سينتهجها النظام السوري، ومن ثم تكون عملية العودة السورية لجامعة الدول العربية ووفقاً لتصريحات الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، بداية لمسارات عمل متوالية، وليس نهاية لمرحلة محددة.
وبناءً عليه، يبدو المناخ العربي مهيئاً في المرحلة الحالية لاستقبال سياسات سورية تتفاعل مع متطلبات البيان التي يصنفها البعض بـ"الشروط" اللازمة لاستمرارية بقاء مسار التطبيع العربي مع سوريا في حالة تفاعل ايجابي.
وبهذا التطور، باتت اجتماعات القمة العربية المرتقبة في السعودية يوم 19 مايو مفتوحة أمام الحضور السوري، بل ومفتوحة أمام حضور الرئيس السوري نفسه حال قرر المشاركة.
مقايضات وحوافز
وفقا لهده المعطيات، تكون العودة السورية للجامعة العربية قد تمت بالتوافق لا بالإجماع ووفقاً لعدة "مقايضات وربما حوافز" عربية تعيد فتح المجال لتعاون عربي سوري مؤداه "جذب سوريا للاندماج مع نظامها الإقليمي العربي على كافة مستويات التعاون به" مقابل أن "تحرص سوريا علي معالجة الإشكاليات الخاصة بمسار الحل السياسي لأزمة الصراع الداخلي بها" وأن يكون هذا الحرص ممثلاً في تهيئة الأجواء الداخلية. والانفتاح علي القوي السياسية المعارضة. واتباع مسار سياسي يفضي إلي حل سياسي، وهو ما يتماشي مع رؤية الدول العربية التي تعارض "التطبيع الشامل" أو "الانفتاح غير المشروط" مع النظام السوري وهي: قطر والكويت والمغرب، والتي قبلت بعودة النظام للجامعة العربية، لكنها رفضت التطبيع معه، وربطته بـ"التقدم في الحل السياسي الذي يحقق تطلعات الشعب السوري".
وقد أكدت وزارة الخارجية السورية على أهمية التعاون العربي المشترك.. مشددة على أن المرحلة المقبلة تتطلب نهجاً عربيا فاعلا وبناء يستند علي قاعدة الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة للأمة العربية.
وقالت الخارجية السورية في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" إن سوريا تابعت "التوجهات والتفاعلات الإيجابية التي تجري حالياً في المنطقة العربية، وفي هذا الإطار تلقت سوريا باهتمام قرار الجامعة، التي تعد سوريا عضواً مؤسساً فيها.
إعادة الإعمار
وقد أودي النزاع في سوريا بحياة أكثر من نصف مليون شخص وشرد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها، وأهلكت الحرب البنية التحتية والمصانع والانتاج.
ويُعد استقطاب أموال إعادة الإعمار أولوية لدمشق التي تفرض عليها دول غربية عقوبات اقتصادية. وتُدرك أن الحصول علي دعم المجتمع الدولي صعب خارج تسوية سياسية.
وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، متحدثاً إلي شبكة "سي.إن.إن الاقتصادية إن عودة سوريا إلي الجامعة لها بُعد أمني وسياسي، إذ إنها تملك أحد أكبر الجيوش العربية، وهي دولة عربية ذات تاريخ عريق، فما كان يجب أن تظل خارج الجامعة".
وأضاف جمال بيومي، "لا أظن أن التأثير الاقتصادي في الدول العربية سيكون كبيراً، لكن التأثير الاقتصادي الأكبر سيكون لسوريا. لأنه من المتوقع أن تحظي بمساعدات قد يكون لها تأثير كبير أيضاً علي تهدئة الأوضاع الأمنية والسياسية".
وتوقع البنك الدولي في تقرير مرصد الاقتصاد السوري الصادر في مارس، انكماش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنحو 3.2 في المئة في عام 2023، بعد تراجع بنسبة 3.5 في المئة العام الماضي. بضغط من النزاعات الداخلية وارتفاع تكاليف المدخلات وشح المياه الذي قد يؤدي إلي الحد من إنتاج المحاصيل.
ومع ذلك، قد يكون لعودة سوريا إلي جامعة الدول العربية أثر إيجابي على اقتصادها الذي ينتظر الدعم لإعادة إعماره. بعد حروب أهلية وخسائر استمرت منذ عام 2011.
عائد اقتصادي
ويري أبو بكر الديب، مستشار المركز العربي للبحوث والدراسات، عائداً كبيراً لعودة سوريا إلي الجامعة على اقتصاد البلاد والمنطقة العربية بأكملها، متوقعاً تضاعف الاستثمارات والتبادل التجاري بين سوريا والدول العربية، خاصة فيما يخص إعادة إعمار البلاد.
وقال الخبير الاقتصادي في تصريحاته لـ"سي.إن.إن الاقتصادية"، إنه "بالنظر إلي الدولة السورية ذات الموارد والمساحة الشاسعة والموارد البشرية الضخمة. يمكن لعودة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع جامعة الدول العربية أن يعود بالنفع علي الجانبين السوري والعربي".
وأوضح الديب أن سوريا تحتاج إلي إعادة الإعمار بعد أكثر من عشر سنوات من الحروب، وتحتاج إلي دفع الأموال والاستثمارات العربية في شرايين الاقتصاد السوري، ما قد يخلق ملايين الوظائف للشعب السوري والعربي.
ولفت الديب إلي أن مصر ستكون من بين كبار المستفيدين من هذه الخطوة على المدي الطويل، من خلال إعادة تشغيل الشركات المصرية، وعودة العمالة المصرية في سوريا مجددا.