بأم عيني 1948 مسرحية تمزج الخاص بالعام ولاتنشغل بالتصنيف
غنام غنام يقدم تجربته الذاتية بدون أدوات مساعدة والصدق يعوض غيابها
نص ومؤد.هذا هو فقط كل مافي العرض المسرحي "بأم عيني 1948". الذي قدمه الفنان الفلطسيني غنام غنام في مدينة المنصورة .كضيف شرف خارج التسابق.في مهرجانها المسرحي الثاني. وقدمه مؤخرا في عدة أماكن بالمملكة الأردنية الهاشمية.
فلا إضاءة. ولاموسيقي. ولاديكور.ولاخشبة مسرح.ولاأية محسنات أو أدوات مساعدة استعان بها كاتب ومخرج وممثل العرض. فمن أين إذًايكتسب عرضه جدارته بانتمائه إلي فن المسرح وقدرته في عدم الخروج عن النوع؟
عنوان النص هو نفسه عنوان كتاب المحامية. التي كانت إسرائيلية. فليتسيا لانغر.ودافعت عن المعتقلين الفلسطينيين ووقفت ضد المحاكم الصورية التي كانت مهمتها تكريس الاحتلال وقمع مقاومته. وفضحت السياسات اللاأخلاقية لجيش الاحتلال. وقبل أن تتخذ قرارها بمغادرة فلسطين قالت " قررت أنه لايمكن أن أكون ورقة التين التي تستر عورة النظام". وغادرت عام 1990 إلي ألمانيا وظلت هناك تكتب وتدافع عن حقوق الفلسطينيين حتي توفيت عام 2018 عن عمر 88 عامًا.
أراد غنام غنام. في مايبدو. التذكير بهذه المحامية. من ناحية. ومن ناحية أخري فإن العنوان ينسحب علي النص نفسه.فما حدث هو مشاهدات بأم عينه داخل الأراضي المحتلة. جاء ليحكي عنها.
سؤالان مركزيان
عاملان مهمان .وسؤالان مركزيان.في هذا العرض .الذي يراوح بين الحكي والمونودراما. دون أن يشغل نفسه .أو مشاهده.بتأكيد انتمائه إلي هذا النوع أو ذاك. أو إلي سواهما.هي خلطة. إن شئت أن تسميها.تنتمي إلي صاحبها وتشبهه تمامًا.
أما العاملان المهمان. فالأول هو النص .الذي يتناول تجربة ذاتية مر بها غنام غنام "مؤلف العمل ومخرجه وممثله". بكل ماتحمله من فرح وأسي وأمل.والعامل الآخر هو الممثل الذي يجسد تجربته الذاتية. والحدود التي يفصل فيها بين كونه ممثلًا. وكونه صاحب التجربة التي يجسدها. وهي مهمة عسيرة. إن لم يخضها صاحبها بمهارة ووعي. يمكن أن تذهب به إلي المليودراما. أوالابتزاز العاطفي.
السؤالان المركزيان أولهما استفهام بلاغي يقصد به توصيل انطباع إلي المخاطب يستتر وراء هذا الاستفهام. كالتعجب .والاستنكار.أما الآخر فهو استفهام حقيقي. الغرض منه الحصول علي إجابة.ففي تسلله إلي الأراضي المحتلة ولقائه ابنتيه وأصدقائه. وتعرفه إلي الطرق التي يتحايل بها فلسطينيو الداخل علي السلطات الإسرائيلية. كان السؤال الذي ردده كثيرا. مع نفسه .هو" أين هو الاحتلال؟". كأنه يتعجب من قدرات الفلسطينيين علي العيش. والإبداع .والحفاظ علي الهوية .وهم تحت وطأة الاحتلال.وكأنه أيضًا ينفي وجود هذا الاحتلال. أما السؤال الآخر. الاستفهام الحقيقي الذي يبحث عن إجابة. فهو "لماذا هزمنا هذا العدو. لماذا يهزمنا أكثر من مرة. ومالذي يحول دون أن نهزمه"..
زائر متسلل
لايقدم غنام غنام منشورًا سياسيًا.هو يحكي عن رحلة إلي الأراضي المحتلة. قام بها متسللًا. زار رام لله بتصريح من السلطات الفلسطينية.وقدم عرضًا مسرحيا.ورغب في زيارة ابنتيه اللتين تقيمان في الناصرة.بعد خمس سنوات من الانقطاع عن التواصل المباشر. ودبر له أصدقاؤه وأحد أبناء عمومته طريقة للدخول. وهناك التقي ابنتيه.وتجول في الناصرة. ومنها إلي حيفا. ثم عكا.مذكرًا بواليها أحمد باشا الجزار. الذي قاوم غزو نابليون بونبارت للمدينة. وعيسي العوام. و غسان كنفاني . الذي ذهب إلي بيته والتقط له صورًا سريعة من دون علم سكانه من المحتلين الذين يعنفون كل من يقترب من البيت ويحاول تصويره.ولم يكتف بكل تلك الجولات بل أقام ورشة للحكي في أحد المراكز الثقافية الفلسطينية. أتبعها بتقديم عرضه المسرحي" سأموت في المنفي" سرًا.وسط مجموعة مختارة من الضيوف. كل هذا فعله. ومرت الزيارة علي خير. ماجعله في النهاية يتساءل : لماذا هزمنا هذاالعدو. لماذا يهزمنا أكثر من مرة. ومالذي يحول دون أن نهزمه؟
يحتشد نص العرض بالتاريخ .والجغرافيا.بالشعر. بالفولكلور الفلسطيني.بأسماء مبدعين وشهداء ومقاومين.بالحياة اليومية لفلسطيني الداخل.بالعلاقات الإنسانية. ورغم أنها تجربة ذاتية فقد خلط غنام غنام بين الخاص والعام من دون افتعال أو تعمد. فالحكايا تمضي في بناء درامي متصاعد ومحكم. فلا يستطيع المشاهد الفصل بين هذا وذاك.فكل يسهم في هذا البناء. وكل يثريه. ولايدع فرصة للملل يتسرب إلي الجمهور. الذي جلس. أووقف. في شكل دائري حول الممثل. يتابع الحكايا في تدفقها وطزاجتها وتشويقها.
وعي الممثل
أما غنام غنام الممثل فقد بدا كمن يسير علي الحبال . كما يقولون. أي هفوة يمكن أن تسقطه.كان واعيًا تمامًا بكونه ممثلًا.وبكونه صاحب التجربة التي يجسدها.متي يفصل بين هذا وذاك.كيف يرتب انفعالاته ويضبطها.فهناك الكثير من المواقف التي دفعت المشاهدين إلي البكاء.لكن الممثل هنا كان واعيًا إلي عدم الاندماج تمامًا.بخاصة أنه لو فعلها ربما سقط في ما يمكن اعتباره ابتزازا عاطفيا.هو أدرك أنه ليس بحاجة إليه.وأنه يضعف عرضه .وربما أخرجه عن المسرحة.القضية نفسها التي يطرحها كفيلة بتوصيل رسالته والاستحواذ علي وعي الجمهورودفعه إلي الانفعال بها ومعها.
اختار غنام غنام الاتكاء علي فكرة الصدق. مدركًا أنها الطريق الأقصر لتحقيق غرضه.وتوصيل رسالته. ومدركًا. كذلك. أن الصدق لايعني المبالغة في التجسيد.بل لايحتاج إلي المبالغة أصلًا.فهي إن حضرت أخرجته عن دائرة الفن. كان الفيصل كيف تحكي. وكيف تستخدم أدواتك كممثل. ليس في حدودها الدنيا. بل في حدودها المطلوبة والمناسبة. فلا انفعالات زائدة .ولاخطابة منبرية.ولامقولات ضخمة. فقط هو يحكي ويهمس ويجسد بعض المواقف والأحداث.واعيًا أنه بصدد تقديم عرض مسرحي.
تقاليد الحكي
لايحكي غنام في .هذا العرض .عن كل ماقابله في الرحلة. هو فقط ينتقي مايدعم عرضه. لاخيال هنا بمعناه التقليدي. هو الواقع الذي عاشه وخبره وأمسك به.صياغة علي الورق .ثم تجسيدا أمام مشاهدين.وكان عليه . في بداية العرض. وبين كل حين وآخر.أن يشد انتباههم. وأن يشركهم في الحدث. وهي من تقاليد الحكي المعروفة.وربما لذلك اختار شكل الدائرة التي يقف داخلها والجهور حوله.وما يحدثه ذلك من تلاحم بين الممثل وجمهوره.ولأن الحكي وحده. أيًا كانت قوته وحضوره. يمكن أن يصيب المشاهدين بالملل.بخاصة أنه لاموسيقي ولاغناء.فقد مزج غنام الحكي بالتشخيص. وطرح بعض الأسئلة علي المشاهدين وطلب منهم مشاركته في أداء بعض الأغاني. وهكذا صار الجمهور مشاركا ومتفاعلا مع العرض أمامه.
ولأن منطقة التمثيل عبارة عن دائرة يلتف الجمهور حولها.فقد استلزم الأمر حركة دائبة من الممثل لتوزيع وضعياته هنا وهناك.وجاء هذا التوزيع محسوبًا أو مرسومًا بواسطة المخرج. الذي هو نفسه المؤلف والممثل.
لماذا اختار غنام غنام أن يقدم عرضه هكذا من دون أية مؤثرات أو أدوات.كل ماطلبه ساحة أو قاعة فارغة من دون أية تجهيزات.ظني أن هناك ثلاثة أسباب دفعته إلي ذلك. الأول هو سهولة التنقل بالعرض وتقديمه في أي مكان.والثاني هو تكاليف الإنتاج. فهذه النوعية من العروض تقدم بالمجان ولاتدر دخلا علي صاحبها. ومن ثم فإن الاقتصاد في النفقات أمر وارد ومطلوب.أما السبب الثالث وهو الأهم.فربما يكون كامنًا في لاوعيه.فهو يقدم حكايا عن أهله تحت الاحتلال. وأغلبهم يعيش في ظروف صعبة. والتقشف في الأدوات قد يكون الأنسب في معالجة مثل هذه الموضوعات. وقد يكون أيضا دافعا لغيره من الفنانين لتقديم أعمال مماثلة.هي رسالة ضمنية تقول إننا بأبسط الأدوات يمكن أن نقاوم.كل بطريقته.