خباب بن الأرت أسطورة الفداء أنفق ماله بصورة لا تخطر على بال!!
السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار
خباب بن الأرت بن جندلة ابن سعد بن خزيمة ابن كعب من بني تميم رضي الله عنه وكنيته أبا عبدالله. وكان من السابقين الاولين، حيث أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان السادس في دخول الإسلام، وكان من العبيد المستضعفين فعُذب في الله تعالى فبصبر على البلاء، ليضرب أروع الأمثلة وأعظمها في الصبر والصمود والثبات والتضحية والفداء، ولم يكتف بذلك بل هاجر إلى المدينة وشهد بدراً واوكل له رسول الله وقتها مهمة توزيع الغنائم على المسلمين كما شهد أحداً وكل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي وهو ابن ثلاث وسبعين سنة في الكوفة.
- عذبته ام أنمار بوضع الحديد الملتهب فوق رأسه فابتليت بمرض لا شفاء منه الا بكي رأسها بالنار
- سادس من أسلم وشهد بدراً وكل المعارك والغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام
- قال عنه علي بن ابي طالب رضي الله عنه: رحم الله خبابًا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا
كان خباب بن الأرت رضي الله عنه شديد الكرم محباً للفقراء والمساكين يخشى الله سبحانه وتعالى. وفي أواخر حياته كثر ماله وامتلاك الكثير من الذهب والفضة فأنفق ماله بصورة لا يخطر على بال أحد؛ فقد وضع دراهمه ودنانيره في مكان محدد داخل بيته، يعرفه ذوو الحاجات من الفقراء والمساكين، ولم يضع عليه قفلاً، ولا رباطاً فكان الفقراء والمحتاجين يأتون إلى بيته ويذهبون الى موضع المال يأخذون منه ما يشاءون دون سؤال أو استئذان. ومع ذلك فقد كان يخشى أن يحاسب على ذلك المال وأن يعذب بسببه.
كان ذو أصل عريق في نجد، لكنه سُبي وهو طفل في الجاهلية وبيع في مكة واشترته أم أنمار الخزاعية حليفة بني زهرة، بعدما اشترته ذهبت به لأحد الحدادين في مكة ليعلمه صناعة السيوف، فما أسرع أن أتقن الغلام الصنعة، وتمكّن منها أحسن تمكن. ولما اشتد ساعد خباب وصلب عوده استأجرت أم أنمار دكانًا، واشترت له عدة، واستثمرت مهارته في صنع السيوف حتى ذاع صيته في مكة، واقبل الناس على شراء سيوفه؛ لما كان يتحلى به من الأمانة والصدق وإتقان الصنعة.
وبعث الله محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الحق، وسمع خباب بن الأرت رضي الله عنه بدعوة الإسلام ورغم انه كان حديث السن الانه انه امتلك رجاحة العقل وحكمة الشيوخ؛ فكان كثيرًا ما يفكر في هذا المجتمع الجاهلي الذي غرق في الفساد وتمنى أن يرى بعينه مصرع الظلام، ومولد النور، فبادر مسرعاً إلى النبي فسمع منع وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وشعر بسعادة لا مثيل لها بإسلامه فكان لا يخفي ذلك عن أي أحد
عرفت أم أنمار بإسلامه فاستشاطت غضبًا وغيظًا، وذهبت غليه مع اخيها سباع بن عبد العزى ومعهما عدد من فتيان خزاعة ومضر وعندما وصلوا إلى خباب رضى الله عنه وجدوه منهمكًا في عمله.
فقال له سباع: لقد بلغنا عنك نبأ لم نصدقه.
فقال خباب: وما هو؟
فقال سباع: يشاع أنك صبأت، وتبعت غلام ابن هاشم.
فقال خباب في هدوء: ما صبأت، وإنما آمنت بالله وحده لا شريك له، ونبذت أصنامكم، وشهدت أن محمدًا عبد الله ورسوله.
وبمجرد ان نطق خباب رضي الله عنه بهذا الكلمات التي تشع نوراً وايانا بقوة وثبات حتى انهال عليه القوم ضرباً وركلاً واخذوا يقذفونه بما يصلون إليه من المطارق وقطع الحديد، حتى هَوَى على الأرض فاقد الوعي والدماء تنزف منه. ولان خباب بن الأرت رضي الله عنه ليس من أهل مكة الأصليين، وكان عبداً مملوكاً ومن ثَمَّ فلم يكن له قبيلة تمنعه من العذاب، وكانت أم أنمار وقومها يُعَذِّبونه تعذيبًا شديدًا، ولعلَّ أم أنمار -لكونها حليفة وليست من أهل مكة الأصليين- كانت تُبَالغ في تعذيب خباب؛ وذلك لإرضاء زعماء مكة وكبرائها.
وأحب خباب رضي الله عنه إسلامه حبًّا شديدًا، جعله يضحي من أجله بأغلى ما يملك من نفس ومال تعرض رضى الله عنه لأشد انواع التعذيب الشديد على يد المشركين، فثبت على الحق، وصمد كالجبال الرواسي ورفض جميع أنواع الإغراءات ليرتد عن دينه؛ يروي البخاري بسنده عن خباب قال: كنت قَيْنًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. قلت: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك. قال: إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد. فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 77، 78].
وروى البخاري في صحيحه عن خبَّاب رضي الله عنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسِّدٌ ببرد له في ظلِّ الكعبة فقلنا: ألا تستنصرُ لنا؟ فجلسَ محمراً وجهه فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يجاء بالميشار فيجعل فوق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليُتِمنَّ الله هذا الأمرَ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله – عزَّ وجل – والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون) فيرجعون وقد ازدادوا إيماناً وثباتاً على الإسلام، وعزماً على الصمود وتحمُّل العذاب. وفي البخاري أيضًا عن قيس قال: أتينا خباب بن الأرت نعوده وقد اكتوى سبعًا، فقال: لولا أن رسول الله نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به.
وتعرض خباب لشتى ألوان العذاب، لكنه تحمل وصبر في سبيل الله، فقد كانوا يضعون الحديد المحمي على جسده فما يطفئ النار إلا الدهن الموجود في ظهره، وكانت أم أنمار تأخذ الحديد الملتهب ثم تضعه فوق رأس رضي الله عنه الذي كان يتلوى من شدة الألم، ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمي فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال: "اللهم انصر خبّابا"
ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل، كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغبرها من الجلادين، حيث اقتص الله سبحانه وتعالى لخباب من هذه المشركة فأصيبت بسعار جعلها تعوي مثل الكلاب، ولا علاج لها إلا أن تكوى رأسها بالنار، فكان الجزاء من جنس العمل. وقد سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا عما لقى من المشركين، فقال خباب: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري، فنظر عمر، فقال: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أوقدت لي نار، وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري (أي دهن الظهر).
وأحب خباب العلم، وحرص على استثمر قدرته على التعليم فحفظ القرآن الكريم ونبغ في دراسته واخذ يعمل على نشر العلم والدين بين إخوانه المسلمين، فكان يذهب لبيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه حتى ان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة.
وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه شاهداً على اسلام عمر بن الخطاب حيث كان يدرس القرآن مع سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب، عندما دخل عليهم عمر متقلدا سيفه، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب، حتى صاح: "دلوني على محمد! وسمع خبّاب كلمات عمر هذه، فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح: " يا عمر. والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الاسلام بأحبّ الرجلين اليك .. أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب “. وسأله عمر: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب، فقال خباب: " عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم " فذهب عمر وهناك أعلن اسلامه.
وجاءت الهجرة، فأسرع خباب ملبيًّا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهاجر إلى المدينة، وهناك آخى الرسول عليه الصلاة السلام بينه وبين تميم مولى خراس بن الصمة رضي الله عنهما، شهد بدرًا مع رسول الله وروي عن عبد الله بن خباب بن الأَرَتّ عن أبيه أنه يوم بدر كان راقب رسول الله الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله من صلاته، جاءه خباب فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها. فقال رسول الله: "أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ألا يظهر علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ألا يلبسنا شيعًا فمنعنيها".
وشارك خباب رضي الله عنه في جميع غزوات الرسول، وأظهر فيها شجاعة وفروسية، وظلَّ محبًّا للجهاد في سبيل الله، وشارك خباب في الفتوحات أيام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ثم استقر في الكوفة وبنى لنفسه بيتا متواضعًا عاش فيه حياة زاهدة، وبالرغم من هذه الحياة البسيطة، كان يعتقد أنه أخذ من الدنيا الكثير، فكان يبكي على بسط الدنيا له، وكان يضع ماله كله في مكان معروف في داره لكي يأخذ منه كل محتاج من أصحابه الذين يدخلون عليه.
وفي مرضه الذي مات فيه دخل عليه بعض الصحابة، فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، ترد على محمد الحوض، فأشار خباب إلى أعلى بيته وأسفله قائلاً: كيف بهذا؟! وقد قال رسول الله: (أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب) رواه [ابن ماجه]، ولقد رأيتني مع رسول الله ما أملك درهمًا، وإن في جانب بيتي (الآن) لأربعين ألف درهم. وطلب كفنه، فلما رآه بكى، وقال: لكن حمزة رضي الله عنه لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت (انضمت) عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر.
ودخل عليه بعض أصحابه فقال لهم: إن في هذا التابوت (الصندوق) ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط ولا منعتها من سائل، ثم بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أبكى أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا، وإنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعًا إلا التراب.
تُوفِّي خباب رضي الله عنه سنة سبع وثلاثين وصعدت روحه إلى بارئها ودفن بالكوفة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وصلى عليه علي بن أبي طالب عقب عودته من معركة صفين؛ فقال: رحم الله خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلى في جسمه أحوالاً.