انهيار "سيلكون فالى".. جرس إنذار لتصحيح المسار
شركات التكنولوجيا الخاسر الأكبر.. والبنوك تتحوط بالسيولة النقدية
الفيدرالى الأمريكى يخفض سعر الفائدة.. والدولار يتراجع عالميا
أثار إعلان انهيار مصرف "سيلكون فالى" الأمريكى، المخاوف من حدوث أزمة مالية عالمية على غرار تلك التى حدثت في عام 2008، واندلعت شرارتها مع إفلاس بنك "ليمان براذرز".
ومصرف "سيلكون فالي" هو أكبر مقرض للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في العالم، إذ تخصص في إقراض الأعمال التجارية في مراحلها المبكرة، وجمع ما يقرب من نصف شركات التكنولوجيا والرعاية الصحية المدعومة من الشركات الأمريكية التي تم إدراجها في أسواق الأسهم العام الماضي.
وقدم البنك الذي أنشئ في عام 1983، خدمات مصرفية لما يقرب من نصف جميع شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، وفقًا لموقعه على الإنترنت. كما قدم خدمات مصرفية لما يزيد عن 2500 شركة رأس المال الاستثماري، وهي الشركات التي تقدم التمويل والدعم للشركات الناشئة.
وبعد الإعلان عن انهيار "سيلكون فالي" الجمعة الماضية، بدأت الأنظار تتجه إلى العديد من الشركات التي كان يدعمها، ومعظمها من قطاع التكنولوجيا، مع تنامي المخاوف بشأن ما إذا كانت ستكون قادرة على استرداد أموالها ودفع رواتب موظفيها.
وأداء "سيليكون فالي" خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يدل إلى أن المصرف سوف يواجه مشاكل مالية مع تضاعف قيمة أصوله، وفي نهاية عام 2016، بلغ حجم أصول البنك 45 مليار دولار. سرعان ما تضاعف ليصل إلى 115 مليار دولار بنهاية عام 2020.
وبفضل تدفق الأموال من الشركات الناشئة عالية الأداء، اشترى بنك "سيليكون فالي" كميات ضخمة من السندات منذ أكثر من عام، على غرار البنوك الأخرى، فيما احتفظ البنك بكمية صغيرة من الودائع "السيولة" في متناول اليد واستثمر الباقي على أمل كسب عائد.
لكن مع بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة العام الماضي لتهدئة التضخم، بدأ تمويل الشركات الناشئة في النضوب، مما شكل ضغوطًا على العديد من عملاء البنك- الذين بدأوا بعد ذلك في سحب أموالهم، وتلبية هذه الطلبات، اضطر بنك سيليكون فالي إلى بيع بعض استثماراته في وقت انخفضت فيه قيمتها، بعد طرح الفيدرالي الأمريكي سندات بعائد أعلى.
وأقدم مودعو "سيليكون فالي" على سحب مدخراتهم من البنك مما شكل ضغط على المؤسسة التي تعاني من مشاكل مالية إلى جانب الاحتفاظ بأموال المودعين في صورة سندات.
ويعتبر إفلاس البنك نتيجة أزمة سيولة نقدية في محفظة القروض، وليس كما أشيع أنها خسائر غير متوقعة، والسبب في أزمة السيولة هو أن أصول البنك البالغة 210 مليارات دولار طبقا للقوائم المالية للبنك يوجد منها 113 مليار دولار فقط في صورة أصول موزونة بالمخاطر، أي أن نصف أصول البنك تقريبا في صورة نقدية، استثمارات في أدوات دين حكومية.
وأثار الإعلان عن إفلاس بنك "سيليكون فالي" مخاوف المستثمرين والمودعين، فانهار سهمها بنسبة 60 % الخميس الماضى، كما انخفضت بنسبة 60٪ أخرى في تعاملات ما قبل السوق يوم الجمعة الماضى، قبل أن توقف التداول على السهم، ما دفع بالمودعين والمستثمرين من الشركات التكنولوجية إلى سحب كمية من الأموال من البنك سريعا.
وبعد الأزمة العاصفة التي ضربت البنك ومعه شريحة كبيرة من الشركات والمودعين، تدخلت الحكومة الفيدرالية، وكان أول تحرك للمنظمين في ولاية كاليفورنيا، فأغلقوا البنك ووضعوه تحت الحراسة القضائية، تحت مؤسسة التأمين على الودائع الفيدرالية.
كما تم إعلان مجموعة من القرارات بعد اجتماع كل من وزارة الخزانة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي ومؤسسة تأمين الودائع الفدرالية، لحماية المستهلكين والنظام المصرفي.
وبعد تعثر البنك، وضعت أموال المودعين والتي تصل إلى 175.4 مليار دولار تحت سيطرة المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع. وتعهدت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع بتغطية أموال المودعين التي تصل مدخراتهم إلى 250 ألف دولار، كحد أقصى. لكن ليس هناك ما يضمن أن المودعين الذين لديهم مبالغ أكبر في حساباتهم سيستعيدون جميع أموالهم، وفق ما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها.
ورغم هذه التحركات، تسود حالة ذعر بين الشركات التي كان يدعمها بنك سيليكون فالي، وأعلن بعضها عن خسائر ضخمة قد تؤدي إلى إغلاقها أو تؤثر بشكل مباشر على العاملين فيها.
ومع ذلك، لا يرجح الخبراء أن تتوسع تبعات ذلك التعثر على باقي البنوك، إذ يعتبر " سيليكون فالي" صغيرًا مقارنة بأكبر البنوك في البلاد- حيث تبلغ أصوله 209 مليار دولار ليحتل المرتبة السادسة عشر وسط البنوك الأمريكية، في المقابل تبلغ أصول بنك "جي بي مورجان" أكبر البنوك الأمريكية 3.2 تريليون دولار.
ولا ترجح شيلا بير الرئيس السابق للمؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع، أن تؤثر تلك الأزمة على البنوك الكبري، معللة ذلك أن البنوك الكبرى، تحتفظ بنسبة عالية من السيولة مقابل ودائع العملاء، وبالتالي لن تواجه هذه المشكلة.
ويتوقع الخبراء أن تعمل البنوك الأمريكية الكبرى على إبطاء وتيرة الأقراص نسبيا خلال الأشهر المقبلة، لدعم كفاية رأس المال، والذي يعتبر في حد ذاته تشديدًا في الأوضاع النقدية يُغني الفيدرالى الأمريكي عن تشديد السياسة النقدية حتى نهاية العام.
والارتفاع في أسعار أذون وسندات الخزانة الأمريكية، قد يكون جرس إنذار مبكر للفيدرالي الأمريكي ليبطئ من وتيرة تشديد السياسة النقدية، وقد يخفض الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة أقرب مما هو متوقع.
وقد تتأثر الأسواق الناشئة في حال أسرعت الحكومة الأمريكية لاحتواء الموقف واتخاذ إجراءات إصلاح نقدى من خلال تخفيض سعر الفائدة، مما قد يؤدى بدوره لإعادة التوازن ولو جزئيا في الاقتصادات الناشئة. وتخفيض سعر الفائدة سيؤدي بدوره لانخفاض سعر الدولار عالميًا، وبالتالي توفر عملة صعبة للاقتصاديات الناشئة.