رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

" الدغيمي" دفع حياته ثمنًا لمروءته

بوابة الجمهورية

لم يتسنَّ لابن الـ 31 عامًا أن يحقق أحلامه كما كان يتمنى، فقد ولد لأسرة رقيقة الحال في إحدى قرى محافظة قنا .. لم يكن من ذوي الأملاك ولا الثروات، كان ينتمي لأسرة بسيطة تكافح طوال اليوم لمواجهة الظروف القاسية ليحيا أفرادها حياة كريمة تليق بأدميتهم .


لم تكن محافظة قنا تتسع لأحلام "منصور عطا عبيد حزين" وشهرته " منصور الدغيمي " ابن قرية الدغيمات، الذي كان يتمنى أن يتزوج مثل أبناء جيله، فحزم حقيبته واتجه إلى مدينة الغردقة قبل ثلاث سنوات، ليبحث عن مصدر رزق يعينه على تحقيق أحلامه، وما إن وجد ضالته بفرصة عمل بسيطة داخل مقهى بحي المصالح بمدينة الغردقة، ظن أن الدنيا بدأت تبتسم له وقد وضع قدميه على بداية الطريق ليحقق طموحاته، ولم يظن يومًا أن المكان الذي أصبح مصدر للقمة العيش سيكون هو آخر عهده بالدنيا.

ثلاث سنوات وأكثر قضاها "منصور" يعمل بالمقهى حتى أصبح معروفًا لدى الجميع من أبناء المنطقة، اكتسب محبتهم وصداقتهم سريعًا لما وجدوه فيه من مروءة وصدق وتفاني وشهامة وغيرها من صفات ابن البلد الجدع .

كان " منصور " ينهي عمله داخل المقهى في ساعة متأخرة بالليل ثم يعود لمسكنه وقبل أن يخلد إلى النوم يقوم بالاتصال بإخوته الثلاثة " منتصر وربيع وكريمة " رغم انه كان أصغرهم إلى أنه كان يبادر دائمًا بالاتصال بهم للاطمئنان عليهم وعلى ابنائهم، ويسمع منهم مشاكلهم ويعمل على حلها، فقد كان صاحب رأي سديد وعقل راجح بشهادة كل من عرفه .

وبينما كان ابن محافظة قنا يستعد لبدء يوم جديد داخل المقهى التى يعمل بها بمدينة الغردقة، فوجئ بعابر سبيل يطلب منه يد العون، أخبره أنه لم يذق طعم الزاد منذ أيام .. فما كان من "منصور" إلا أن أجلسه وهو يربت كتفه، حتى يطمئن ويهدأ، ويعلم أنه لن يُخذل .

غادر " منصور" المقهى واتجه إلى أحد المطاعم المجاورة، ليحضر ما استطاع إليه سبيلًا من طعام، ويجلس هو وعابر السبيل ليأكلا معًا، ثم احتساء الشاي من يد منصور عطا، الذي فعل ذلك بكل سخاء دون انتظار جزاءً ولا شكورًا، كعادة أهل الصعيد الذين يتمتعون بالكرم والشهامة والمروءة.

مضى اليوم وعابر السبيل لم يترك مكانه في المقهى، قضى يومه يأكل ويشرب مع "منصور" ، حتى أسدل الليل ستاره، وفوجئ منصور بضيفه يخبره أنه لا يملك مكانًا يأوي إليه من برد الشتاء، فما كان من منصور إلا أن قرر استضافته داخل المقهى لينام بداخله حتى الصبح.

وفي صباح اليوم التالي طلب من "منصور" أن يبحث معه عن أي عمل حتى يستطيع أن ينفق على نفسه، فما كان من منصور إلا أن قال له : " خليك شغال معاي في القهوة ورزقي ورزقك على الله ". وهكذا بدأ العمل داخل المقهى الذي أصبح بالنسبة له مكان للعمل والمبيت معًا.

ومع غروب شمس اليوم الثالث، اتصل أحد أشقاء "منصور" طالبًا المشورة في أمر ما، إلا أنه طلب إرجاء المناقشة حتى ينتهى منه عمله مساءً .

مرت الساعات وانتصف الليل، إلا أن " منصور " على غير العادة لم يعاود الاتصال بشقيقه، الأمر الذي سبب له قلقًا فعاود الاتصال به مرة أخرى، ليفاجئ بكارثة لم يكن يتوقع حدوثها.

" ألو .. أنا جار منصور .. منصور تعيش انت " .. كان هذا هو الرد الذي تلقاه شقيق منصور من الطرف الآخر وهو يرد على الهاتف !

مكالمة صادمة لا يمحو آثرها الزمن، فقد كانت الكلمات صادمة لشقيق "منصور" الذي لم يصدق الكلمات التي وقعت على أذنيه كالسهم .. كيف لشقيقه الذي كان يحادثه قبل ساعات أن يفارق الدنيا دون وداع .

قاسية هي الحياة؛ تطفئ حيوات لم تبدأ بعد، وهذا ما جرى مع "منصور عطا " ابن محافظة قنا الذي هرب من الفقر ليبحث عن مصدر رزق يعينه على بناء عش الزوجية، ولكن القدر لم يمهله، فما هي إلا ثوان معدودة كانت كفيلة بإنهاء حياته .. وعلى يد من ؟! انه الشخص الذي امتدت إليه يد "منصور" لتحتضنه وتنقذه من الجوع والبرد .. لكنها الخسة والنذالة، بعد أن امتدت يد اللئم إلى الكريم .

تفاصيل اللحظات التي انتهت فيها حياة "منصور عطا الدغيمي" حملها البلاغ الذي تلقاه اللواء محيي سلامة مدير أمن البحر الأحمر، من مستشفى الغردقة العام، يفيد وصول شباب مصابًا بطعنات نافذة في الرقبة أودت بحياته .

وكشفت تحريات المباحث أن الجثة لشاب يدعى " منصور عطا " 31 سنة ومقيم بمحافظة قنا ويعمل بمقهى داخل حي المصالح بدائرة قسم شرطة ثان الغردقة، كما تبين من خلال أقوال شهود العيان قيام ذلك الشخص الذي بدأ العمل قبل ثلاثة أيام في المقهى، بالتعدي على المجني عليه، في حين غفلة بعد انتهاء العمل بالمقهى، وقام بتسديد عدة طعنات نافذة له تسببت في إحداث جرح بعمق حوالي 5 سم بالرقبة، وفشلت كل محاولات اسعافه ليلفظ أنفاسه الأخيرة بعد دقائق من وصوله المستشفى.

الجيران هناك كشفوا أن المتهم عقب تنفيذ جريمته، خرج مسرعًا من المقهى وهو يردد عدة عبارات غامضة كان أوضحها " أنا بطل .. أنا بطل " ، وأشار البعض إلى أن الشكل العام لمرتكب الواقعة يشير إلى كونه يتعاطى مواد مخدرة.

انتقل أشقاء "منصور" من محافظة قنا إلى الغردقة لاستلام الجثمان، وسط ذهول وعدم تصديق لما حدث، لم يكن أحدهم يتخيل أن شقيقهم الأصغر الذي غادر بلدته ليعمل من أجل مساعدتهم، سيعود معهم جثة هامدة ويدفن معه حلمه في أن يتزوج مثل أبناء جيله .

وارى الثرى جثمان شهيد المروءة والشهامة، لكن دموع أسرته لم تجف، وكان من الصعب على شقيقته "كريمة" التي تكبره بسنوات قليلة، أن تستوعب هذه الكارثة، حيث تحدثت لـبوابة "الجمهورية أونلاين " ودموعها لا تتوقف قائلة : " حسبي الله ونعم الوكيل .. منه لله اللي حرمنا من أخويا وحبيبي ، منصور كان حتة مني .. بعد ما مات أبويا وأمي كان هو الأب والأم رغم انه أصغر واحد فينا ".

وأضافت شقيقة المجني عليه قائلة : " منصور كان محبوب من كل الناس وعمره ما كان في مشاكل بينه وبين أي حد .. وحتى الناس في الغردقة كانت بتحبه لأن كريم وشهم وبيخدم الجميع ومش بيزعل حد منه .. كان نفسي أشوف منصور عريس لكن منه لله اللي جرمنا منه "

أشارت " كريمة عطا " – شقيقة المجني عليه – أن تليفون شقيقها لم يغلق بعد الحادث وتم العثور عليه من الجيران في ملابسه، بينما لم يتم العثور على محفظته، مرجحة ان يكون المتهم ارتكب جريمته بدافع السرقة ، مضيفة " الندل عض الايد اللي اتمدت له .. حسبي الله ونعم الوكيل " .

وطالبت شقيقة المجني عليه، وزير الداخلية والنائب العام، بالوقوف بجانبهم لسرعة تقديم المتهم للعدالة ليأخذ عقابه الرادع جزاء جريمته النكراء التي حولت هدوء الأسرة إلى جحيم بعد فقد الابن الأصغر في ريعان شبابه ليخلف برحيله المفاجئ ميراثًا ثقيلًا من الأحزان.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة