الانقسامات العالمية.. والمستقبل الغامض
العالم يواجه عاصفة شرسة وأزمات غير مسبوقة؟!!
يعاني العالم من موجات عنيفة تضرب الأمن والاستقرار على شتي الأصعدة والمستويات وضعت الاقتصاد العالمي بأكمله على المحك مع تأثر سلاسل الإمداد والتوريد والتي تسببت في نقص حاد للغذاء وارتفاع اسعار السلع بشكل غير مسبوق .. وصولاً إلي ما نعيشه اليوم من صراع بين أمريكا وروسيا محوره الأساسي عقيدة التفوق على الآخرين والتي تتخفي وراء ستار حرب أوكرانيا.
في أعقاب حادث بالون التجسس والازمات الدبلوماسية المتلاحقة حول التنافس الصيني الامريكي.. هل يتجه العالم إلي نظام متعدد الأقطاب والابتعاد عن نظام الهيمنة الأمريكي الذي وجد في الفترة 1989 - 2008.. تظهر فيه الصين كدولة صاعدة بقوة تمتلك القدرة والطموح لتشكيل نظام دولي جديد.
قد اشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش خلال الاجتماع السنوي للمنتدي الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية تحت شعار "التعاون في عالم مجزأ" بحضور 2700 قائد من 130 دولة بينهم 52 رئيس دولة وحكومة في 16 يناير الماضي.. إن العالم يواجه عاصفة شرسة في عدة جبهات وأزمات غير مسبوقة.. وأضاف نحتاج إلي التعاون ومع ذلك فإننا نواجه حالة من الانقسام العظيم.
في واقع الأمر فإن تلك العاصفة الشرسة من اضطرابات في سلسلة التوريد وأزمة الطاقة وأزمة تكلفة المعيشة وتباطؤ النمو العالمي والاقتراب من الكارثة المناخية.. كلها أو على أقل تقدير هي نتيجة لتداعيات الخلاف الكبير بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
إذا حصل بالفعل ما يسميه جوتيريش بالانقسام العظيم فسيكون لدي العالم مجموعتان مختلفتان من قواعد التجارة وعملتان مهيمنتان ونسختان من الإنترنت واستراتيجيتان متعارضتان.. وستكون التكاليف هائلة.. حيث سينكمش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.5% أو بأكثر من 1.4 تريليون دولار من حيث القيمة السنوية كما سترتفع الأسعار في جميع المجالات وسيكون هناك تراجع كبير في إيصال البضائع العامة على مستوي العالم.. لكن الانقسام بين الشرق والغرب ليس هو الانقسام الوحيد الذي يهدد مستقبلنا الجماعي.
لقد سلّط جوتيريش الضوء أيضاً على المخاطر التي يثيرها الانقسام الذي يزداد عمقاً بين الشمال والجنوب.. مشيراً إلي أن سكان الشمال الأكثر ثراء لا يدركون على ما يبدو درجة الإحباط وحتي الغضب في الجنوب العالمي في حين أن الشمال يتمتع بجميع مزايا التصنيع والتكنولوجيا المتطورة.
وفي سياق متصل وصف دانيال يرجين نائب رئيس مجلس ادارة " إس آند بي جلوبال " الانقسام بين الشمال والجنوب على أنه بالأساس تحد يرتبط بانتقال الطاقة فمن الثورة الصناعية التي كان محركها الفحم إلي عصر المعلومات المرتبط بالكهرباء وكانت الطاقة جزءاً لا يتجزأ من صعود الغرب إلي الهيمنة العالمية.
اضاف يرجين أما الآن فيسعي الشمال إلي الابتعاد عن الوقود الأحفوري وبدون التضحية بالثروة المكتسبة من انبعاثاته السابقة بينما يحث الجنوب علي متابعة التنمية الصديقة للمناخ.
يوضح هذا حقيقة أشمل وهي أن مصالح السكان الأقل عدداً والأغني والأكثر تقدماً في الشمال تختلف بشكل كبير عن مصالح السكان الأكثر عدداً وفقراً وشباباً في الجنوب.. وتحاول معظم البلدان في الجنوب العالمي تجنب الانحياز إلي هذا الطرف أو ذاك عندما يتعلق الأمر بالصراعات الجيوسياسية.
وعلي الأخص في ما يتعلق بالتنافس الصيني الأمريكي لأنها أكثر اهتماماً بضمان تنميتها.. بالنسبة لهذه البلدان يبدو أن الصراع غير المنطقي بين الشرق والغرب قد يؤدي إلي انكماش مضمون متبادل إن لم يكن تدمير مضمون متبادل وعليه فهي تحاول البقاء علي الحياد.
لكن الجنوب لا يستطيع الهروب من عواقب أفعال الشمال فعلي سبيل المثال الأزمة الأوكرانية جعلت أوروبا تتدافع للحصول على إمدادات الطاقة البديلة لتجنب تلك الأزمة.. كذلك نقص كبير في الغذاء والأسمدة في جنوب الكرة الأرضية.. ونظراً لأن المؤسسات التي يقودها الغرب أصبحت تزيد من الشروط المتعلقة بالبيئة من أجل الحصول علي تمويل التنمية فقد يضطر الجنوب إلي البحث عن بدائل أخري.
وفي حال اكتمل الانقسام الكبير وإذا اشتبكت القوي النووية مع بعضها البعض في حرب حامية فإن الجنوب سوف تصيبه الأضرار الجانبية ففي واقع الأمر لا يوجد بلد في الجنوب العالمي لديه الثقل الاقتصادي أو السياسي أو العسكري لتحدي الشمال.
إذا كان للنظام العالمي أن يستمر ويبقي فسيتعين عليه أن يعمل بشكل أساسي كديمقراطية عالمية وهذا يعني موازنة احتياجات وأولويات الشمال مع احتياجات وأولويات الجنوب.