الاقتصاد العالمي يسير فوق جليد رقيق في 2023
إذا كان 2022 عاماً سيئاً عبر تاريخ الاقتصاد المُعاصر فإن حالة من عدم اليقين تسيطر على توقعات أداء الاقتصاد العالمي المُعاش في المدى الزمني المتوسط، ويصف البعض عام 2023 بأنه سيكون الأسوأ.
في مقدمة المتشائمين مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا التي قدمت صورة قاتمة عن الاقتصاد العالمي لعام 2023 قائلة في برنامج "واجه الأمة" الإخباري على قناة سي.بي.إس (CBS) إنه سيكون "أصعب من العام الذي نتركه خلفنا". والسبب برأيها "لأن الاقتصادات الرئيسية الثلاثة، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، تتباطأ جميعها في وقت واحد".
تقرير صادر في يناير 2019 عن "مجلس سياسات الأعمال العالمي" (Global Business Policy Council)، بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي 2019 – 2023: على جليد رقيق"، كشف عن أزمة مركبة يعانيها الاقتصاد العالمي. ويناقش هذا التحليل توقعات أداء الاقتصاد العالمي في عام 2023، في ظل استمرار تبعات جائحة كورونا، وما أعقبها من آثار سلبية للحرب الروسية – الأوكرانية، مع توضيح سُبل مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية.
بشبر التقرير الى عدة عوامل أسهمت في تأزم المشهد الاقتصادي، جاء في مقدمتها تباطؤ معدلات النمو في غالبية الاقتصادات الرئيسية، وارتفاع حاد ومتنام في الديون المتراكمة وأعبائها خاصةً في البلدان ذات الديون المُقومة بالدولار الأمريكي، التي باتت أعلى تكلفة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة بالولايات المتحدة الأمريكية. يُضاف إلى ذلك، تكاتُف عوامل هيكلية عدة تُغذي هذا التباطؤ، منها شيخوخة سكان العالم وتحديداً في الاقتصادات المتقدمة، وتراجع مستويات الإنتاجية، واتساع فجوة المواهب التي تُكبل مؤسسات الأعمال لعدم تناسب مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.
يُمكن القول إن أوضاع الاقتصاد العالمي كانت مُتأزمة بالفعل منذ عام 2019، أي قبل عام من تفاقم أزمة جائحة "كوفيد-19" التي بدأت في أوائل 2020، واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، وانتقال آثارهما الانتشارية العميقة في أرجاء العالم. وعندما نُضيف لذلك، تنامي التوترات الجيوسياسية، واتساع تغيرات المناخ القاسية التي تُكبد العالم خسائر بشرية ومادية جمة، والآثار الجانبية للإجراءات الحكومية المُتبناة لمواجهة هذه الأزمات الكارثية؛ يُصبح المشهد أكثر تعقيداً وتأزماً. وبحسب التقرير إذا كان 2022 عاماً سيئاً ، فإن البعض يصف عام 2023 بأنه سيكون الأسوأ.
وهنا، يُثار تساؤل حول السمات الرئيسة لمشهد اقتصاد 2023 وأهم المخاطر التي يواجهها؟ وبدايةً، وفقاً لأحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، يُتوقع انخفاض معدل نمو سنوي حقيقي للاقتصاد العالمي إلى 2.7% في العام الجديد، بعد أن يُسجل 3.2% في عام 2022؛ مع تباطؤ عالمي على نطاق واسع، وحالات من الانكماش. وهناك عوامل عدة قد تُغذي هذا المشهد الاقتصادي المتأزم في العالم، أبرزها التالي:
انخفاض الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ، تباطؤ عمليات الدمج والاستحواذ، استمرار ضعف تدفقات التجارة العالمية،تنامي المخاوف المالية لدى الأفراد .
أما "وحدة الاستخبارات الاقتصادية"، التابعة لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية، فذكرت عشرة مخاطر أساسية، جميعها ستنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي في العام الجديد، يتمثل أهمها في الآتي:
- اربعة مخاطر اقتصادية: تتمثل في تدهور العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي أو بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وحدوث كساد عالمي ناتج عن تقييد السياسات النقدية، وحدوث موجة جديدة شديدة من متحور "كوفيد-19"، بالإضافة إلى سياسة "صفر كوفيد" التي تتبناها الصين.
- ثلاثة مخاطر عسكرية: تشمل تحوُّل الحرب الروسية - الأوكرانية إلى صراع عالمي، واندلاع صراع بين الصين وتايوان، وحدوث حرب سيبرانية.
- خطران سياسيان: احتمالية شتاء قارص يزيد من حدة أزمة الطاقة الأوروبية، واضطرابات اجتماعية ناتجة عن ارتفاع معدلات التضخم حول العالم.
- خطر بيئي: يتضمن حدوث مجاعة نتيجة أحداث الطقس القاسي، والحرب الروسية - الأوكرانية.
ويختم التقرير، الذي أورده مركز المستقبل، ببارقة أمل بالاشارة إلى سبل مواجهة هذه الازمة بأن تحسين مستوى الصمود الاقتصادي يعدركيزة أساسية لمقاومة الأزمات والتعافي السريع منها، والحد من آثارها، والاستفادة من فرصها. وقد يتطلب ذلك العمل على عدة محاور، ومنها وجود مزيد من التنويع للهيكل الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص، ومواجهة التغيرات المناخية، وتعزيز الأمن الغذائي، بالإضافة إلى إدماج مجتمعي فعَّال في العمل الحكومي، مع التعاون الدولي والإقليمي، وتحسين معيشة المواطنين.