اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية .. على وشك الانهيار!!
تقرير يكتبه
عبد المنعم السلموني
بعد أن أجلت روسيا من جانب واحد اجتماعًا تقنيًا مع المسؤولين الأمريكيين حول معاهدة ستارت الجديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية ثارت الشكوك في مستقبل هذه المعاهدة، التي أصبحت على وشك الانهيار، وهي الوحيدة المتبقية بين واشنطن وموسكو، ويأتي التأجيل من جانب موسكو ردًا على استمرار تدفق الأسلحة الأمريكية والغربية لأوكرانيا.
التفتيش "المنتظم".. متوقف منذ ثلاث سنوات
روسيا تمنع "فحص" مواقعها النووية.. وتتهم أمريكا بالمراوغة ..!!
الآمال، في متابعة التفاوض على المعاهدة .. تبدو قاتمة ..!!
الصين وفرنسا وبريطانيا .. عقبات جديدة أمام استئناف المحادثات!!
هذه الاتفاقية، التي جاءت بناء على صفقات الحرب الباردة للحد من الأسلحة النووية، من المقرر أن تستمر حتى فبراير 2026، لكن عمليات التفتيش المنتظمة التي نصت عليها المعاهدة لم يتم إجراؤها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، أولاً بسبب جائحة فيروس كورونا، ثم بعد تسمم العلاقات بين الدولتين بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وربطت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا صراحة قرار تأجيل الاجتماع بإمدادات الأسلحة من واشنطن إلى أوكرانيا، وطالبت الولايات المتحدة بـ "تهيئة الظروف" لعقد الاجتماع العام المقبل.
واتهمت زاخاروفا واشنطن بشن "حرب هجين" ضد روسيا و"مساعدة نظام كييف على قتل جيشنا ومدنيينا في المناطق الروسية، وتوفير هذه الوسائل المدمرة بشكل متزايد للكفاح المسلح وإرسال المدربين والمستشارين والمرتزقة الأمريكيين إلى أوكرانيا".
وتشير لورا كيلي في تقرير على موقع ذا هيل، إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخفف من حدة الخطاب الذي يهدد باستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا، ولكن الخبراء يقولون إن الحديث الفضفاض، إلى جانب انهيار الدبلوماسية، جعل خطر نشوب صراع نووي على قدم المساواة مع الحرب الباردة.
قال جيم تاونسند، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع لأوروبا وحلف شمال الأطلسي خلال إدارة أوباما: "حتى خلال أسوأ فترات الحرب الباردة، كنا لا نزال نتحدث مع بعضنا البعض".
"نريد أن يستمر الحديث المتبادل لأن هذا يعني أننا نحاول تحقيق بعض العقلانية في العالم النووي."
تقلص الاتصال بين المسؤولين الأمريكيين والروس إلى أعلى المستويات وركز على أكثر القضايا حساسية، ولا سيما مصير الأمريكيين المحتجزين في روسيا وإدارة المخاطر المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية. ويشمل ذلك لقاءً بين مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بيل بيرنز ونظيره الروسي في أنقرة الشهر الماضي. وحذر مستشار الأمن القومي جيك سوليفان المسؤولين الروس من عواقب استخدام موسكو الأسلحة النووية.
ومع ذلك، قال وزير الخارجية أنتوني بلينكين، منذ أسبوعين، إن "الخوف" لا يزال قائما من أن تستخدم روسيا سلاحًا نوويًا. وقال في مقابلة مع وسائل إعلام فرنسية: "نحن لا نستبعد ذلك".
كان المفترض أن تعقد المحادثات حول المعاهدة بالقاهرة فيما بين 29 نوفمبر و6 ديسمبر، ولكن "الروس أجلوها من جانب من جانب واحد،" بحسب صحيفة "هيل".
وذكر موقع ذا هيل أن الهدف من الاجتماعات، التي تأجلت بالفعل لمدة عام، كان هو تحديد كيفية استئناف الولايات المتحدة وروسيا عمليات "التفتيش في الموقع" لترسانات الأسلحة النووية لدى كل منهما والتي تفرضها المعاهدة.
تم تعليق عمليات التفتيش في البداية بسبب جائحة كوفيد-19، لكن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال إنه من "السذاجة" أن تعتقد إدارة بايدن أن الكرملين سيناقش الاستقرار النووي بينما تقوم الولايات المتحدة بمساعدة أوكرانيا ".
ونسبت وكالة رويترز إلى لافروف قوله: "الواضح تمامًا أنه من المستحيل مناقشة الاستقرار الاستراتيجي وتجاهل ما يحدث في أوكرانيا. الهدف في أوكرانيا قد تم إعلانه، وهو ليس إنقاذ الديمقراطية الأوكرانية، ولكن هزيمة روسيا في المعركة، أو حتى تدمير روسيا،"
قال المتحدث باسم الأمن القومي جون كيربي: "إن ستارت الجديدة، أو نيوستارت، نيو ستارت، معاهدة ثنائية للحد من الأسلحة والتأكد من أن كلا الجانبين يمتثل بشكل مناسب لها. لذلك نتطلع إلى التمكن من إجراء هذه المحادثات وإعادة نسخة اللجنة الاستشارية الثنائية BCC إلى الوجود ".
في وقت سابق، أشارت الخارجية الروسية إلى أن محادثات اللجنة الاستشارية الثنائية الجديدة لمعاهدة ستارت، والتي كان مقررًا عقدها في القاهرة، قد تم تأجيلها ولم يتم إلغاؤها، وأنه سيتم اقتراح مواعيد جديدة قريبًا.
لكن زاخاروفا قالت إن محادثات الحد من التسلح لا يمكن فصلها عن "الحقائق الجيوسياسية". وألقت باللوم على الولايات المتحدة في قرار روسيا عدم حضور الاجتماع، "مع الأخذ في الاعتبار الوضع السلبي للغاية في العلاقات الروسية الأمريكية الذي أوجدته واشنطن ويستمر في التدهور باطراد".
وسيكون انتهاء معاهدة ستارت الجديدة علامة على الانهيار شبه الكامل لهيكل حظر الانتشار النووي الذي بنته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات والتسعينيات.
وتعد اجتماعات اتفاقية ستارت الجديدة هي القناة الثنائية الوحيدة المتبقية لواشنطن وموسكو للتفاوض حول القضايا الفنية الدقيقة المتعلقة بالحد من التسلح. وكان الاجتماع الأخير للجنة الاستشارية الثنائية قد عقد في أكتوبر من العام الماضي.
ظهرت علامات الاضطراب في أغسطس، عندما منعت روسيا عمليات التفتيش الأمريكية لمنشآت الأسلحة النووية بموجب المعاهدة، واتهمت واشنطن بمحاولة إجراء تفتيش دون إشعار مسبق وسط "القضايا المستمرة التي لم يتم حلها".
وتقول الواشنطن بوست: "نبرة زاخاروفا الصارمة سمة معروفة عنها، لكنها تثير تساؤلات حول ما إذا كانت روسيا تخطط لاستخدام الاجتماعات المستقبلية كورقة مساومة لكي تضغط واشنطن على كييف لقبول شروط روسيا للسلام. وتشمل تلك الشروط تسليم الأراضي التي ضمها الرئيس فلاديمير بوتين".
وتضيف الصحيفة أن المسؤولين الروس ألمحوا إلى أن موسكو يمكن أن تستخدم الأسلحة النووية ضد أوكرانيا، ووصفوا الحرب بأنها معركة وجودية ضد الناتو، وقالوا ن روسيا كقوة نووية، لا يمكن إلحاق الهزيمة بها.
واتفاقية ستارت الجديدة، الموقعة في عام 2010، تحدد لكل جانب 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منتشرة على 700 نظام إطلاق إستراتيجي.
وفي مقال بنشرة علماء الذرة، حول اتفاقية ستارت الجديدة، جادلت روز جوتيمولر، كبيرة المفاوضين الأمريكيين السابقة، مؤخرًا، بأن استئناف عمليات التفتيش على الأسلحة النووية أمر بالغ الأهمية، مضيفة أن حرب روسيا على أوكرانيا أدت إلى تعقيد الأمور.
لكنها قالت إن الجانبين "كانا على اتصال هادئ" منذ شهور، ورغم المشاكل فإنهما يعملان على إجراءات للسماح باستئناف عمليات التفتيش.
في أغسطس، قال الرئيس بايدن إنه مستعد للتفاوض مع روسيا بشأن إطار جديد للتحكم في الأسلحة النووية ليحل محل ستارت الجديدة عندما تنتهي صلاحيتها في عام 2026، لكنه أضاف أن هذا "يتطلب شريكًا راغبًا يعمل بحسن نية". وقال إن الغزو الروسي لأوكرانيا جعل هذا الأمر صعبًا.
في الوقت نفسه، أصدر بوتين بيانًا قال فيه إن الحرب النووية "لا يمكن كسبها ويجب عدم خوضها أبدًا".
وإلى أن تُستأنف الاجتماعات وعمليات التفتيش بموجب اتفاقية "ستارت الجديدة"، فإن الآمال، في متابعة التفاوض على المعاهدة، تبدو قاتمة.
وبموجب المعاهدة، تجري واشنطن وموسكو عمليات تفتيش متبادلة على مواقع الأسلحة لدى كل منهما، ومع ذلك، فقد توقفت عمليات التفتيش منذ عام 2020 بسبب جائحة فيروس كورونا، وظهرت تعقيدات عندما حاولت الولايات المتحدة استئناف عمليات التفتيش في وقت سابق من هذا العام.
كانت موسكو قد علقت رسميًا عمليات "التفتيش في الموقع" من قبل الولايات المتحدة في أغسطس 2022 بعد أن دعا الرئيس جو بايدن روسيا والصين لإظهار التزامهما بالحد من الأسلحة النووية.
ووفقًا لـصحيفة كومرسانتKommersant ، واصلت روسيا والولايات المتحدة إجراء مناقشات عن بُعد بشأن ستارت الجديدة New START بدلاً من المحادثات الشخصية المباشرة.
ونقلت صحيفة ذا موسكو تايمز عن كومرسانت أنه في واحدة من هذه المحادثات عن بعد في أكتوبر الماضي، اتهمت موسكو واشنطن بالمراوغة والالتفاف على شروط المعاهدة من خلال حجب الأسلحة والمواقع التي تشتبه روسيا في أنها لا تزال تحتوي على قدرات نووية رغم الإعلان عن عمليات تحويلها وإعادة تصنيفها.
كان قد تم التوقيع على معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت) في 31 يوليو 1991 من قبل الرئيس جورج إتش. بوش والرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف. حددت المعاهدة عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والرؤوس الحربية النووية التي يمكن أن تمتلكها أي دولة.
وقال موقع ناشيونال بارك سرفيس أنه عند تنفيذ المعاهدة بالكامل، أسفرت عن إزالة حوالي 80% من جميع الأسلحة النووية الاستراتيجية الموجودة في ذلك الوقت. وباقتراح من قبل الرئيس ريجان، تم تغيير اسمها إلى ستارت 1 بعد أن بدأت المفاوضات بشأن معاهدة ستارت الثانية.
سمحت سلسلة من الاتفاقيات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق باستخدام المواد النووية المعدة لتصنيع الرؤوس الحربية إما للوقود في المفاعلات النووية السلمية أو التخلص منها مع غيرها من النفايات المشعة عالية المستوى.
وتنص معاهدة ستارت الجديدة على ضوابط متبادلة للترسانة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. ومنذ أن علقت روسيا عمليات التفتيش، أصبحت معاهدة نزع السلاح النووي الوحيدة المتبقية بين القوى النووية على المحك.
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إن الوضع الحالي (في ظل العقوبات المفروضة على روسيا وبعض المسؤولين الروس) يمنح الولايات المتحدة "مزايا أحادية الجانب" لأنها "تحرم فعليًا الاتحاد الروسي من حق إجراء عمليات تفتيش على الأراضي الأمريكية".
الآن أصبح مستقبل الاتفاقية موضع تساؤل. تم تمديدها العام الماضي فقط لمدة أقصاها خمس سنوات ومن المقرر أن تنتهي في عام 2026. والجانب الروسي يقول هذه هي الكيفية التي يجب أن تبقى بها، بغض النظر عن الحرب أو العقوبات.
لكن ماذا سيحدث بعد عام 2026؟
اشتكى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مؤخرًا من أن واشنطن لم تتقدم بأي عرض لإجراء مفاوضات جديدة. من جهته، قال الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في يناير، إن إدارته مستعدة لإجراء محادثات بشأن اتفاق متابعة. لكنه أضاف أن حرب روسيا ضد أوكرانيا ترقى إلى مستوى هجوم على ركائز النظام الدولي ذاتها. كما دعا بايدن الصين إلى الانضمام لجهود التوصل إلى متابعة جديدة لمعاهدة ستارت.
ترسانة الصين النووية أصغر بكثير من ترسانة الولايات المتحدة. يقدر معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم SIPRI في تقريره لعام 2022 أن عدد الرؤوس الحربية النووية الصينية يبلغ 350. لكنه يضيف أن الصين تلحق بالركب بسرعة. ومع مخاوف الغرب بشأن إمكانية استيلاء الصين على تايوان، فليس من المستغرب أن يود بايدن رؤية الصين على طاولة المفاوضات. لكن كلا من بكين وموسكو جادلت في الماضي بأن الترسانتين النوويتين الفرنسية والبريطانية، بإجمالي يصل إلى 500 رأس حربي، يجب أن تكونا على جدول الأعمال أيضًا